أوغندا تصعّد خلافها مع تركيا: قضية معارض تضع التعاون العسكري على المحك

دخلت العلاقات بين أوغندا وتركيا مرحلة جديدة من التوتر، بعدما أعلنت قوات الدفاع الشعبية الأوغندية تعليق جميع أوجه التعاون العسكري والدفاعي مع أنقرة، في خطوة جاءت على خلفية تصاعد الخلاف حول المدون والمعارض الأوغندي فريد لومبوي، المقيم في تركيا، والمطلوب من السلطات الأوغندية تسليمه إلى كمبالا.

وأعلنت القوات الأوغندية، في بيان صدر في 19 سبتمبر/أيلول 2026، أن تعليق التعاون يدخل حيز التنفيذ فورًا، وسيستمر إلى حين حل ما وصفته بـ«القضايا العالقة» المتعلقة بالتعاون الدفاعي والعسكري بين البلدين، من دون أن تحدد رسميًا طبيعة تلك القضايا.

ورغم أن بيان الجيش الأوغندي لم يذكر لومبوي بصورة مباشرة، فإن القرار جاء بعد أيام من تصعيد علني متواصل بشأنه، شمل تنظيم مظاهرة أمام السفارة التركية في كمبالا للمطالبة بتسليمه، إلى جانب ضغوط وتهديدات متكررة أطلقها قائد قوات الدفاع الأوغندية الجنرال موهوزي كاينيروغابا، نجل الرئيس يوري موسيفيني.

معارض في تركيا يتحول إلى أزمة دبلوماسية

يواجه فريد لومبوي 15 اتهامًا جنائيًا في أوغندا، من بينها التحريض على العنف ونشر معلومات كاذبة وإساءة استخدام الحاسوب، بينما ظل نشاطه السياسي والإعلامي عبر وسائل التواصل الاجتماعي مؤثرًا بين قطاعات من الأوغنديين.

وتعود أزمة تسليمه إلى سنوات سابقة؛ ففي يوليو/تموز 2022 رفضت محكمة تركية طلبًا رسميًا من أوغندا لتسليمه، وهو ما أبقى لومبوي في تركيا ومنحه مساحة لمواصلة نشاطه الإعلامي من خارج البلاد.

وتقول تقارير إن منصاته، ولا سيما قناته على يوتيوب، تحظى بمتابعة واسعة، الأمر الذي جعل نشاطه من الخارج أكثر حضورًا مما كان يمكن أن يكون عليه لو بقي داخل أوغندا.

وتأتي القضية في سياق سياسي داخلي حساس؛ فقد فاز موسيفيني بولاية رئاسية سابعة في مايو/أيار 2026، فيما برز نجله موهوزي بصورة متزايدة في المشهد السياسي والأمني الأوغندي.

الشارع يدخل على خط الأزمة

في 18 سبتمبر/أيلول، خرج مئات من أنصار «الرابطة الوطنية الوطنية الأوغندية» (PLU) إلى محيط السفارة التركية في كمبالا للمطالبة بتسليم لومبوي.

وتقول الرابطة، المرتبطة بالجنرال موهوزي، إن وجود لومبوي في تركيا يسمح له بمواصلة مهاجمة القيادة الأوغندية من الخارج. وقال أمينها العام فاضل توالا إن المشاركين في الاحتجاج لم يأتوا «كأعداء للشعب التركي»، وإنما للتعبير عن اعتراضهم على استمرار وجود لومبوي في تركيا.

وجاء التحرك بعد حملة ضغط قادها موهوزي نفسه، الذي صعّد لهجته تجاه أنقرة. وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، أشاد بالمحتجين، وقال إن الأتراك «سيمتثلون» للمطالب الأوغندية، مضيفًا تهديدًا بأن الحياة ستصبح «غير محتملة» لهم في أوغندا إذا لم يفعلوا ذلك، بحسب ما أوردته وكالة فرانس برس.

وهنا انتقلت قضية شخص واحد من ملف قضائي يتعلق بطلب تسليم إلى قضية أخذت أبعادًا دبلوماسية وأمنية واقتصادية أوسع.

من التدريب العسكري إلى تعليق التعاون

العلاقات الدفاعية بين أوغندا وتركيا ليست هامشية؛ فالبلدان تعاونا لسنوات في مجالات التدريب العسكري، والصناعات الدفاعية، والمعدات، ونقل التكنولوجيا، إضافة إلى التعاون في مكافحة الإرهاب والأمن.

ويعود الإطار الأساسي للتعاون العسكري بينهما إلى اتفاق أُبرم عام 2016، قبل أن يتوسع التعاون لاحقًا ليشمل مجالات أخرى.

لذلك فإن إعلان كمبالا تعليق «كل» التعاون الدفاعي والعسكري يمثل تحولًا مهمًا في علاقة أمنية استمرت قرابة عقد.

لكن اللافت أن الجيش الأوغندي لم يعلن أن قضية لومبوي هي السبب الرسمي المباشر للتعليق. وبدلًا من ذلك، اكتفى بالقول إن هناك «قضايا عالقة» في التعاون الدفاعي بين البلدين.

وعليه، فإن الربط بين الأمرين يستند إلى تزامن القرار مع التصعيد بشأن لومبوي وإلى سلسلة التطورات السابقة، وليس إلى بيان رسمي أوغندي قال صراحة إن تسليم المعارض هو سبب تعليق التعاون.

السكك الحديدية تضيف بُعدًا اقتصاديًا

التوتر لم يبقَ محصورًا في المجال الأمني.

ففي يونيو/حزيران، أعلن موهوزي أن أوغندا ألغت عقدًا تبلغ قيمته نحو 3 مليارات دولار مع شركة البناء التركية «ياپي ميركيزي» لتنفيذ جزء من مشروع السكك الحديدية القياسية بين مالابا وكمبالا.

العقد، الذي وُقّع في أكتوبر/تشرين الأول 2024، يتعلق بمقطع يبلغ طوله 272 كيلومترًا، وكان من المفترض أن يشكل جزءًا رئيسيًا من مشروع السكك الحديدية الأوغندي. وقد أعلن موسيفيني إطلاق أعمال المشروع في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.

غير أن إعلان الإلغاء صدر عن موهوزي، ولم يكن واضحًا في ذلك الوقت ما إذا كانت الجهات الحكومية المختصة بالمشروع قد أكدت الإلغاء رسميًا؛ وهو ما دفع بعض التقارير إلى التعامل معه باعتباره إعلانًا سياسيًا من قائد الجيش أكثر من كونه تسوية نهائية مكتملة للمشروع.

وبذلك بدأت الخلافات مع تركيا تمتد من قضية المعارض إلى المصالح الاقتصادية والاستراتيجية بين البلدين.

لماذا تبدو الأزمة أكبر من قضية لومبوي؟

تكشف التطورات الأخيرة أن قضية لومبوي أصبحت نقطة تجمع لعدد من الملفات الحساسة في العلاقات الأوغندية التركية.

فمن جهة، تريد كمبالا أن تستعيد السيطرة على معارض مؤثر يعمل من خارج البلاد وتتهمه بارتكاب جرائم خطيرة. ومن جهة أخرى، يبدو أن أنقرة لم تستجب لمطلب التسليم، بعدما سبق لمحكمة تركية أن رفضت طلبًا أوغنديًا بهذا الشأن.

وبين الطرفين، تحولت القضية إلى اختبار لحدود قدرة حكومة موسيفيني على الضغط على دولة شريكة، خصوصًا بعدما انتقل التصعيد من المطالب القانونية إلى الاحتجاجات والتهديدات ثم تعليق التعاون العسكري.

ويزداد الأمر حساسية بسبب الدور الذي يلعبه موهوزي في إدارة الملف؛ فهو ليس مجرد مسؤول سياسي، بل قائد قوات الدفاع الأوغندية ونجل الرئيس، كما أن صعوده داخل مؤسسات الدولة يجعله طرفًا رئيسيًا في إدارة العلاقات الأمنية الخارجية.

تركيا وأوغندا في القرن الأفريقي

للخلاف أيضًا بُعد إقليمي، خصوصًا مع تزايد حضور تركيا في القرن الأفريقي.

فأوغندا دولة عسكرية فاعلة في الصومال، حيث شاركت قواتها لسنوات في جهود دعم الحكومة الصومالية ومواجهة حركة الشباب ضمن بعثات السلام الإقليمية والدولية.

في المقابل، عززت تركيا حضورها الأمني والسياسي والاقتصادي في الصومال خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت شريكًا مهمًا لمقديشو في مجالات الدفاع والتدريب والأمن.

وتشير تقارير حديثة إلى أن أوغندا تتوقع سحب قواتها من الصومال بحلول أغسطس/آب 2027، في وقت يتزايد فيه الحضور التركي في الملف الأمني الصومالي.

وهذا يجعل أي تدهور طويل الأمد بين كمبالا وأنقرة ذا انعكاسات تتجاوز العلاقات الثنائية، خصوصًا في بيئة إقليمية تتنافس فيها قوى متعددة على الشراكات الأمنية في شرق أفريقيا.

أزمة مفتوحة على أكثر من مسار

لا تشير الخطوة الأوغندية حتى الآن إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع تركيا، بل إلى تعليق التعاون العسكري والدفاعي إلى أجل غير محدد. كما لم تعلن كمبالا تفاصيل «القضايا العالقة» التي قالت إنها وراء القرار.

لكن تسلسل الأحداث يرسم مسارًا واضحًا للتصعيد: طلب تسليم لومبوي، رفض قضائي تركي سابق، عودة الضغط الأوغندي، احتجاج أمام السفارة التركية، تهديدات من موهوزي، أزمة حول عقد السكك الحديدية، ثم تعليق التعاون العسكري.

وبذلك تحولت قضية مدون أوغندي مقيم في تركيا إلى واحدة من أكثر نقاط الاحتكاك وضوحًا بين كمبالا وأنقرة، مع بقاء السؤال الأساسي مفتوحًا: هل تستطيع الحكومتان فصل ملف لومبوي عن بقية المصالح الأمنية والاقتصادية، أم أن الخلاف سيتوسع ليعيد تشكيل العلاقة الثنائية بأكملها؟

حتى الآن، لا يوجد إعلان عن موعد لاستئناف التعاون العسكري، فيما تقول القوات الأوغندية إن التعليق سيستمر إلى حين حل القضايا العالقة.