إثيوبيا تتمسّك بالوصول إلى البحر.. دعوات لإحياء اتفاق صوماليلاند تضع بربرة في قلب صراع النفوذ والتحالفات بالقرن الأفريقي

 

جدد رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، دعوته المتعلقة بطموحه إلى الحصول على منفذ بحري. وقال إن بلاده، التي لا تمتلك ساحلًا، ستعمل من أجل الوصول إلى البحر، في وقت تتسع فيه رقعة الحروب المشتعلة في شمال البلاد، وتوشك تداعياتها على الامتداد إلى المنطقة بأسرها.

وأدلى آبي بهذه التصريحات يوم الاثنين الماضي، بعدما أدى اليمين للاستمرار في منصبه خمس سنوات أخرى. وقال متحدثًا عن هذه القضية: «انطلاقًا من مبدأ الأخذ والعطاء، سنعمل بجد لضمان حصول إثيوبيا على منفذ يصلها بالبحر».

ويُذكر أن الاتفاق الذي وقعه آبي عام 2024 مع الرئيس السابق لإدارة هرجيسا، موسى بيحي، قام على المبدأ نفسه الذي تحدث عنه آبي أحمد؛ إذ كانت إثيوبيا تسعى إلى الحصول على منفذ وقاعدة بحرية، مقابل أن تمنح صوماليلاند اعترافًا رسميًا نظير تلبية هذه المطالب.

ووجّهت قناة «العربية» إلى زاهد زيدان، الباحث المتخصص في العلاقات بين إثيوبيا والدول العربية، سؤالًا مفاده: هل يستطيع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إبرام اتفاق مع صوماليلاند، مع أنها لا تحظى باعتراف دولي من الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة؟

وقال زيدان: «نعم، بالنظر إلى الوقائع التي شهدناها خلال السنوات الماضية، فإن جميع الخيارات مفتوحة أمام رئيس الوزراء آبي أحمد، وجميع الوسائل والطرق التي يمكنه من خلالها تحقيق هذا الأمر متاحة له، ما دامت لا تتعارض مع القانون الدولي، ولا تتعارض مع حقوق الجوار، خصوصًا عندما نتحدث عن قضية صوماليلاند وما نتج عن اتفاق أنقرة، الذي لم تُكشف حتى الآن جميع نسخه أو مسوداته بصورة كاملة«.

وأشار زاهد زيدان إلى أن رئيس الوزراء آبي أحمد قال أمام برلمانه، قبل عامين، إن المجتمع الدولي لا يعارض حصول إثيوبيا على منفذ عبر سواحل صوماليلاند.

«بالأمس لم يكن كيان الاحتلال يعترف بصوماليلاند، واليوم اعترف بها؛ فمن سيعترف بصوماليلاند غدًا؟ نحن لا نعرف ما الذي سيحدث غدًا. لكن، حتى الآن، يبقى السؤال الذي طرحه آبي أحمد أمام البرلمان قبل عامين، وتحديدًا عند تخريج الدفعة الأولى من القوات البحرية، بالتعاون مع السلطات الفرنسية وبرعاية الرئيس ماكرون.

وعندما جرى تقديم الدفعة الأولى من القوات البحرية الإثيوبية، قال آبي أحمد بوضوح: طلبنا من المجتمع الدولي أن يُسمح لنا بالحصول على قطعة أرض صغيرة، أو ما يُعرف بمنفذ بحري، لا تكون جزءًا من الأراضي الخاضعة للإدارة الإثيوبية، ولكن يمكن استخدامها لأغراض تجارية وعسكرية. ولم يقل لنا أي طرف في المجتمع الدولي، أو يرد علينا، بأننا لا نملك هذا الحق. ولذلك، فإن كلام آبي أحمد واضح«.

وقال مستشار سابق في الحكومة الإثيوبية لصحيفة «ميدل إيست آي» إن الإمارات العربية المتحدة، وهي من أهم حلفاء إثيوبيا، هي الطرف الذي يدفع إثيوبيا فعليًا إلى تحقيق طموحاتها البحرية.

وفي يناير 2024، وقّعت إثيوبيا مذكرة تفاهم مع إدارة صوماليلاند الموالية للكفار، التي تحظى بدعم الإمارات العربية المتحدة واعترف بها كيان الاحتلال. ولذلك، أشارت الصحيفة إلى أن أنظار إثيوبيا تتجه بالفعل نحو سواحل صوماليلاند.

وكان حسن شيخ محمود قد صرّح بوضوح، خلال مقابلة مع قناة «الجزيرة» بُثت الأسبوع الماضي، بأن إدارته في مقديشو لا تعارض مطلقًا حصول إثيوبيا على منفذ بحري عبر الأراضي الصومالية.

وسارعت وسائل الإعلام الإثيوبية، ومن بينها مؤسسة «فانا» الإعلامية الحكومية، إلى الترحيب على نطاق واسع بتصريحات الرئيس الصومالي، التي أعلن فيها موافقته على حصول إثيوبيا على منفذ بحري عبر السواحل الصومالية.

وبعد ذلك، وبحسب ما تتناقله الأنباء، أجبر الرئيس المصري حسن شيخ محمود على المشاركة في اجتماع مناهض لإثيوبيا، ضم مصر وإريتريا والسودان، وصدر عنه بيان يرفض الاستئثار بمياه النيل والطموحات البحرية الإثيوبية.

وأثار هذا البيان، الذي وقّعه حسن شيخ تحت الإكراه، غضب الحكومة الإثيوبية بشدة. ووصفته وكالة الأنباء الإثيوبية بأنه «خائن ذو وجهين»، مضيفة أن رئيس الصومال أضعف التعاون والعلاقات الأمنية الممتدة منذ زمن طويل بين مقديشو وأديس أبابا.

وأعربت الوكالة عن أسفها على الجهود الكبيرة التي قالت إنها بذلتها في تأسيس الحكومة الصومالية، مشيرة إلى أن حسن شيخ قابل تلك الجهود بالجحود، وانحاز إلى دول تكتلت لتقويض ما وصفته بنهضة إثيوبيا.

وقال معهد «عدوة» المعني بتحليل الشؤون الأمنية الإثيوبية، من جانبه، إن تقلبات حسن شيخ محمود ولعبه على الحبلين لن يستمرا؛ إذ يريد، بحسب المعهد، أن يُبقي قدمًا مع إثيوبيا، ويضع الأخرى في صف التحالف الذي تقوده الحكومة المصرية، الساعية إلى استخدام ملف نهر النيل للمساومة مع إثيوبيا.

وجادل المعهد بأن إخفاق الرئيس الصومالي في تأمين المنفذ البحري الذي تعهد بإتاحته لإثيوبيا بموجب اتفاق أنقرة، سيدفع أديس أبابا إلى العودة إلى اتفاق عام 2024 الذي أبرمته مع صوماليلاند.

وأشار معهد «عدوة» إلى أن اعتراف كيان الاحتلال بصوماليلاند أزال العقبة الدبلوماسية التي كانت قائمة، وأن أديس أبابا لن تواجه الآن الضغوط السياسية التي كانت ستتعرض لها لو أصبحت أول دولة تعترف بإدارة هرجيسا.

وفي مقال نشرته صحيفة «بوركينا» الإثيوبية الأسبوع الماضي، حثّت بقوة إدارة آبي على تركيز جهودها على تحقيق طموحاتها في الحصول على منفذ بحري، مشيرة على وجه الخصوص إلى سواحل صوماليلاند.

وقسّمت الصحيفة التنافس الإقليمي، ولا سيما المتعلق بالاستراتيجية البحرية، إلى خمسة جوانب:

أولًا: مَن يستطيع التأثير في مضيق باب المندب والموانئ والجزر وحركة السفن.

ثانيًا: الجانب العسكري، حيث رأت أن التنافس الأبرز يدور حول مَن يستطيع إنشاء قواعد عسكرية، ومنشآت للقوات البحرية، ومطارات، وشبكات استخبارات تشمل المراقبة وجمع المعلومات.

ثالثًا: الجانب الاقتصادي، حيث يتمحور التنافس الأساسي حول مَن يسيطر على الموانئ، والإمدادات والخدمات اللوجستية، وخدمات النقل، والممرات التجارية، والاستثمارات.

رابعًا: الجانب السياسي، وأهم عناصره اصطفاف دول المنطقة إلى جانب القوى الأجنبية المختلفة، التي تتنافس هي الأخرى على النفوذ في المنطقة.

خامسًا: البعد الاستراتيجي والجغرافي.

وأشارت الصحيفة إلى أن ميناء بربرة يجمع هذه الأبعاد الخمسة جميعًا، وقالت إن إثيوبيا تستطيع الحصول بسهولة على منفذ بحري في تلك المنطقة، نظرًا إلى أن شركة «دي بي ورلد» الإماراتية تدير الميناء، فضلًا عن النفوذ القوي الذي يتمتع به كيان الاحتلال هناك.

وشددت الصحيفة على أن القوات الإثيوبية تحتاج إلى مقر دائم على البحر، سواء كان قاعدة عسكرية أو موقعًا لمنفذ بحري تديره بصورة مستقلة، بحيث يمكن أن تستند إليه استراتيجيتها وأمنها.

وجاء في المقال الذي نشرته «بوركينا»: «نتيجة لذلك، أظهرت إثيوبيا، من خلال مبادرة صوماليلاند عام 2024، أنها ستلبي احتياجاتها العسكرية والاستراتيجية والاقتصادية بطريقة أو بأخرى. وقد أشارت تلك المبادرة إلى إمكانية حصول إثيوبيا، بصورة أو بأخرى، على وجود استراتيجي في خليج عدن ومنطقة البحر الأحمر».

وذكرت الصحيفة أن صوماليلاند تُعد من أكثر المناطق قيمة من الناحية الاستراتيجية في القرن الأفريقي، وأن أهميتها ازدادت بدرجة كبيرة خلال العامين الماضيين.

وأوضحت أن هذه القيمة الاستراتيجية تنبع، في معظمها، من الموقع الاستراتيجي لميناء بربرة التاريخي، وخليج عدن، وقربها من مضيق باب المندب.

وقالت الصحيفة الإثيوبية: «بربرة جزء من سلسلة استراتيجية تربط إثيوبيا وصوماليلاند وخليج عدن والبحر الأحمر والمحيط الهندي. وهي سلسلة استراتيجية أقوى من تلك التي تربط جيبوتي بإثيوبيا وخليج عدن والبحر الأحمر».

وفي سياق تشجيعه أديس أبابا على انتزاع منفذ بحري من سواحل صوماليلاند، أشار المقال إلى أن امتلاك منشآت بحرية عسكرية وتجارية سيجعل أديس أبابا قوة على مستوى القارة عمومًا، وشرق أفريقيا خصوصًا.

وإذا اكتفينا بهذا القدر من الحراك الذي شهدته إثيوبيا خلال الأيام الماضية، فلننتقل إلى الجانب الآخر، حيث أظهرت وسائل إعلام كيان الاحتلال، خلال الأسابيع الأخيرة، دعمًا قويًا لمساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري عبر السواحل الصومالية.

فمنذ الأسبوع الماضي، دأبت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، إحدى أبرز وسائل إعلام كيان الاحتلال، على نشر مقالات تشجع أديس أبابا على نفض الغبار عن الاتفاق البحري المبرم عام 2024 بين صوماليلاند وإثيوبيا.

وقالت الصحيفة: «لم تقرر أديس أبابا بعد العودة إلى مذكرة تفاهم عام 2024، لكن عند جمع هذه المعطيات، يصبح خيار بربرة أكثر وجاهة من الناحية الاستراتيجية مما كان عليه عند الإعلان عن الاتفاق للمرة الأولى».

وأشارت الصحيفة إلى أن تنامي قوة التحالف المناهض لإثيوبيا في الوقت الراهن قد يجعل إحياء الاتفاق البحري مع صوماليلاند أكثر ترجيحًا، لافتة إلى أن إثيوبيا سبق أن استخدمت ميناء بربرة الذي تديره شركة «دي بي ورلد».

وذكرت «تايمز أوف إسرائيل» بوضوح أن الحرب الجديدة التي دخلتها إثيوبيا تزيد من إلحاح حاجتها إلى منفذ بحري، لأن المتمردين، بحسب قولها، باتوا يضغطون على الممر المؤدي إلى جيبوتي.

وقالت الصحيفة: «تتيح بربرة لإثيوبيا فرصة لمعالجة هذه المسألة. فاتفاق مع صوماليلاند يمكن أن يقلل اعتماد إثيوبيا على بوابة بحرية واحدة، ويتيح لها الوصول إلى البحر دون الدخول في مواجهة على الأراضي الإريترية».

وفي المقابل، تتصاعد داخل صوماليلاند تصريحات تخدم المصالح الإثيوبية. فقد أعلنت وزارة خارجية إدارة هرجيسا التابعة، قبل أيام، أنها ترحب دائمًا بحصول إثيوبيا على منفذ بحري، في حين تتحدث معلومات لم تُؤكد بعد عن أن عِرّو سيسافر قريبًا إلى أديس أبابا.

وجاء في بيان صادر عن وزارة خارجية إدارة عِرّو: «دعمت صوماليلاند باستمرار التوصل إلى اتفاقات تفاوضية تتيح لإثيوبيا الوصول إلى البحر، من خلال تعاون يحقق المنفعة للطرفين».