إثيوبيا على أعتاب تحول دستوري.. ماذا يريد آبي أحمد من إعادة تشكيل نظام الحكم؟
تدخل إثيوبيا مرحلة سياسية حساسة مع طرح إصلاحات دستورية قد تعيد رسم شكل نظام الحكم وتوزيع السلطات في البلاد، في تحول يُنظر إليه بوصفه واحدًا من أكثر التغييرات السياسية أهمية منذ إقرار الدستور الفيدرالي عام 1995.
ويتركز النقاش بصورة خاصة حول فكرة الانتقال من النظام البرلماني القائم إلى نظام رئاسي، وهو تغيير من شأنه أن ينقل مركز الثقل السياسي من البرلمان ورئاسة الوزراء إلى مؤسسة رئاسة الجمهورية، ويمنح رئيس الدولة صلاحيات أوسع في إدارة السلطة التنفيذية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية استثنائية بسبب ارتباطها بمستقبل رئيس الوزراء آبي أحمد، الذي يتولى السلطة منذ عام 2018. فإعادة صياغة النظام السياسي لا تتعلق فقط بتغيير مؤسسات الدولة، وإنما قد تحدد أيضًا شكل القيادة السياسية في إثيوبيا خلال السنوات المقبلة.
من النظام البرلماني إلى الرئاسي
يقوم النظام الإثيوبي الحالي على نموذج برلماني، إذ تتركز السلطة التنفيذية بصورة أساسية في منصب رئيس الوزراء، بينما يتولى رئيس الجمهورية دورًا محدودًا نسبيًا مقارنة برؤساء الدول في الأنظمة الرئاسية.
أما التحول المقترح فيعني أن الرئيس سيصبح صاحب موقع أكثر قوة داخل النظام السياسي، مع إمكانية انتخابه بصورة مباشرة من الناخبين بدلًا من بقائه منصبًا ذا طبيعة رمزية إلى حد كبير.
وبذلك لن يكون التغيير مجرد تعديل تقني في الدستور، بل إعادة توزيع واسعة لمراكز القوة داخل الدولة.
وتشير التقارير إلى أن هذا التحول يمكن أن يعيد تشكيل المشهد السياسي الإثيوبي بصورة عميقة، خصوصًا إذا اقترن بانتقال آبي أحمد نفسه إلى موقع الرئاسة.
ماذا يعني ذلك لآبي أحمد؟
السؤال الأكثر حساسية في مشروع الإصلاح هو: هل يجري تغيير النظام السياسي من أجل معالجة مشكلات الدولة، أم أن التغيير قد يمنح آبي أحمد وسيلة جديدة لترسيخ نفوذه السياسي؟
ففي النظام الحالي، ترتبط شرعية آبي أحمد بمنصب رئيس الوزراء وبالأغلبية البرلمانية التي يملكها حزب الازدهار الحاكم. أما في نظام رئاسي، فإن انتخاب الرئيس بصورة مباشرة يمكن أن يمنحه تفويضًا شعبيًا مستقلًا عن البرلمان، إلى جانب صلاحيات تنفيذية أوسع.
وهذا يعني أن الانتقال إلى النظام الرئاسي قد يمنح آبي أحمد فرصة للبقاء في مركز السلطة ضمن إطار دستوري جديد، بدلًا من الاعتماد على الصيغة البرلمانية الحالية.
ولهذا السبب تحديدًا ينظر منتقدو الإصلاح إلى المشروع بشيء من الحذر؛ إذ يخشون أن يتحول الإصلاح الدستوري من وسيلة لإعادة تنظيم الدولة إلى أداة لتركيز السلطة في يد القيادة التنفيذية.
محاولة لإعادة تعريف الدولة الإثيوبية
لكن خلف النقاش حول مستقبل آبي أحمد توجد قضية أعمق تتعلق بطبيعة الدولة الإثيوبية نفسها.
فالدستور الحالي يقوم على نظام فيدرالي يرتبط بدرجة كبيرة بالهويات القومية والإثنية، ويمنح القوميات والأقاليم صلاحيات واسعة، كما يتضمن حق الشعوب في تقرير المصير.
هذا النموذج ظهر بعد عقود من الصراع حول سؤال أساسي: هل تكون إثيوبيا دولة مركزية قوية تقوم على هوية وطنية موحدة، أم اتحادًا فيدراليًا يمنح القوميات المختلفة مساحة واسعة من الحكم الذاتي؟
وقد حاول النظام الفيدرالي معالجة التوترات التاريخية بين المجموعات الإثنية من خلال منح الأقاليم صلاحيات واسعة، إلا أن النموذج نفسه أصبح موضع جدل؛ إذ يرى منتقدوه أنه ساهم في ترسيخ السياسة القائمة على الهوية وأبقى الانقسامات الإثنية في قلب الحياة السياسية.
ومن هنا تأتي أهمية الإصلاح الذي يدفع باتجاه إعادة النظر في شكل الدولة وعلاقة المركز بالأقاليم.
بين الوحدة الوطنية والحكم المركزي
يرى أنصار التغيير أن إثيوبيا تحتاج إلى مؤسسات أقوى وإلى نظام سياسي قادر على التعامل مع التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية التي تواجه البلاد.
لكن خصوم المشروع يخشون أن يؤدي تعزيز السلطة المركزية إلى إضعاف الصلاحيات التي حصلت عليها القوميات والأقاليم خلال العقود الماضية.
وهذا هو أحد أكبر التناقضات التي تواجه مشروع الإصلاح: فما قد يبدو من منظور الحكومة محاولة لبناء دولة أكثر استقرارًا ووحدة، قد يُنظر إليه من جانب بعض القوميات باعتباره تراجعًا عن نظام الفيدرالية الإثنية وإعادة تركيز للسلطة في أديس أبابا.
وتزداد حساسية هذه المسألة في ظل استمرار النزاعات المسلحة والتوترات السياسية في أجزاء مختلفة من البلاد، الأمر الذي يجعل أي إعادة توزيع للصلاحيات بين المركز والأقاليم مسألة شديدة الخطورة.
لماذا الآن؟
يأتي النقاش الدستوري في وقت تمر فيه إثيوبيا بمرحلة شديدة التعقيد.
فالحكومة تسعى إلى تثبيت الاستقرار بعد سنوات من الصراعات، وفي مقدمتها الحرب في إقليم تيغراي، بينما لا تزال البلاد تواجه توترات أمنية وسياسية في مناطق أخرى.
وفي الوقت ذاته، تحاول حكومة آبي أحمد إعادة بناء الاقتصاد وتعزيز موقع إثيوبيا الإقليمي، مع استمرار الخلافات حول قضايا استراتيجية مثل الوصول إلى البحر الأحمر.
وفي مثل هذه الظروف، يمكن أن تنظر الحكومة إلى إصلاح النظام السياسي باعتباره وسيلة لإعادة بناء مؤسسات الدولة ومنح السلطة التنفيذية قدرة أكبر على اتخاذ القرار.
لكن التوقيت نفسه يثير تساؤلات: هل من الأفضل تغيير قواعد النظام السياسي بينما لا تزال البلاد تعاني من انقسامات وصراعات، أم أن الإصلاح الدستوري قد يكون جزءًا من الحل لهذه الأزمات؟
الخطر الأكبر: تركيز السلطة
المعضلة الأساسية ليست في النظام الرئاسي بحد ذاته؛ فهناك دول كثيرة تعتمد النظام الرئاسي وتملك مؤسسات ديمقراطية قوية.
المشكلة تكمن في كيفية تطبيق النظام الجديد والضمانات التي سترافقه.
فإذا ترافقت الصلاحيات الرئاسية الواسعة مع برلمان ضعيف، وقضاء غير مستقل، ومجال سياسي محدود أمام المعارضة، فقد يؤدي الإصلاح إلى تركيز السلطة بدلًا من توزيعها.
أما إذا صاحبت الانتقالَ مؤسسات رقابية قوية، وانتخابات تنافسية، وضمانات دستورية واضحة، فقد يتحول الإصلاح إلى فرصة لإعادة تنظيم الدولة بصورة أكثر استقرارًا.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون فقط: «هل ستتحول إثيوبيا إلى نظام رئاسي؟»، بل: من سيراقب الرئيس؟ وما حدود سلطاته؟ وكيف ستُحمى صلاحيات الأقاليم؟ وما الضمانات التي تمنع احتكار السلطة؟
مستقبل آبي ومستقبل إثيوبيا
تكمن حساسية الإصلاح الدستوري في أن مستقبل النظام السياسي الإثيوبي بات مرتبطًا بصورة وثيقة بمستقبل آبي أحمد نفسه.
فإذا انتقلت البلاد إلى نظام رئاسي، فقد يجد آبي أحمد نفسه في موقع أكثر قوة، خصوصًا إذا نجح في الحصول على تفويض انتخابي مباشر.
لكن هذا السيناريو يحمل في المقابل مخاطرة سياسية كبيرة؛ إذ إن ربط الإصلاح الدستوري بمستقبل قائد سياسي واحد قد يجعل خصومه ينظرون إلى العملية باعتبارها إعادة هندسة للنظام من أجل خدمة شخص أو حزب بعينه.
وفي المقابل، إذا استطاعت الحكومة تقديم الإصلاح باعتباره مشروعًا مؤسسيًا طويل الأمد، مع ضمانات حقيقية لتوزيع السلطة وحماية حقوق الأقاليم والقوميات، فقد يصبح التغيير أوسع من مجرد مستقبل آبي أحمد، ويتحول إلى إعادة تعريف للعقد السياسي الإثيوبي.
وهنا تكمن أهمية اللحظة الحالية: إثيوبيا لا تناقش مجرد تعديل في مواد الدستور، وإنما تناقش شكل الدولة التي تريد أن تكون عليها خلال العقود المقبلة.
فالانتقال إلى نظام رئاسي قد يمنح الحكومة قدرة أكبر على إدارة البلاد، لكنه في الوقت نفسه سيضع مسألة تركيز السلطة تحت المجهر. وبين الحاجة إلى دولة قوية والخوف من سلطة مركزية مفرطة، ستتحدد نتيجة الإصلاح الدستوري الإثيوبي، ليس فقط بالنسبة إلى آبي أحمد، وإنما بالنسبة إلى علاقة المركز بالأقاليم ومستقبل التوازن بين القوميات المختلفة في البلاد.