إيران تضع شروطها قبل أي تفاوض مع واشنطن وسط تصعيد متواصل في هرمز
تبدو فرص استئناف الحوار بين طهران وواشنطن أكثر تعقيدًا، في وقت تتداخل فيه الرسائل السياسية مع التصعيد العسكري في الخليج ومضيق هرمز. فبينما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن إيران تريد التوصل إلى اتفاق «بشدة» وأن واشنطن منفتحة على فكرة الانخراط في مفاوضات جديدة، جاء الرد الإيراني ليؤكد أن أي حوار لن يبدأ قبل تلبية شروط طهران.
وقال محسن رضائي، رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، في 14 سبتمبر/أيلول 2026، إن بلاده لن تدخل في مفاوضات مع الولايات المتحدة قبل تنفيذ ما وصفها بـ«شروط إيران»، في رد مباشر على تصريحات ترامب.
وكتب رضائي أن الرسائل الأميركية المتناقضة، التي انتقلت من الحديث عن عدم الرغبة في التفاوض إلى إعلان الاستعداد للحوار، لا ينبغي أن تصرف الانتباه عن تغير المعادلة المتعلقة بالنفط والمضائق، مؤكدًا أن طهران لن تدخل في محادثات قبل تحقيق شروطها.
ولا تزال هذه الشروط غير معلنة بصورة تفصيلية في تصريح رضائي، إلا أن مسؤولين إيرانيين تحدثوا خلال الأسابيع الماضية عن إمكانية التوصل إلى اتفاق إذا أوفت واشنطن بالتزامات قالت طهران إنها وردت في مذكرة تفاهم أُبرمت في يونيو/حزيران.
وتشمل المطالب الإيرانية، وفق هذه التصريحات، إنهاء الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، وتخفيف العقوبات، وإنهاء الحرب الإسرائيلية في لبنان.
وتزداد صعوبة المشهد مع تقارير تحدثت عن أن واشنطن أبلغت طهران، عبر وساطة باكستانية وقطرية، بأنها لا تعتزم العودة إلى مذكرة التفاهم. وجاءت هذه الرسالة، بحسب التقرير، في 24 أغسطس/آب، بالتزامن مع إعلان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ما وصفه بـ«يوم اقتصادي حاسم» ضد إيران، في إطار عقوبات استهدفت قطاعات ومؤسسات مرتبطة بالاقتصاد الإيراني.
وبذلك تبدو المشكلة الأساسية أبعد من مجرد وجود رغبة في الحوار من الطرفين؛ فواشنطن وطهران تختلفان أولًا على شروط الحوار نفسه، وعلى ما إذا كان التفاوض سيبدأ من الوضع القائم أم من الالتزامات السابقة التي تقول إيران إن الولايات المتحدة تعهدت بها.
هرمز يتحول إلى ورقة ضغط
في موازاة التصعيد السياسي، أعلنت الحرس الثوري الإيراني في اليوم نفسه إسقاط طائرة مسيّرة أميركية فوق مضيق هرمز.
وقالت طهران إن الطائرة من طراز «MQ-1»، إلا أن هوية الطائرة على وجه الدقة لم تتضح؛ إذ يمكن أن يكون المقصود طائرة MQ-1 Predator التي خرجت رسميًا من الخدمة الأميركية عام 2018، أو نسخة أخرى هي MQ-1C Gray Eagle، التي لا تزال مستخدمة.
وتكتسب الحادثة أهمية خاصة بسبب موقعها الجغرافي. فمضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل إحدى أهم نقاط اختناق الطاقة في العالم، وأي تصعيد عسكري فيه يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز إيران والولايات المتحدة إلى أسواق النفط والتجارة العالمية.
وتأتي الحادثة بينما يستمر التوتر حول الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية، في وقت أصبحت فيه عمليات المراقبة الجوية والبحرية في الخليج جزءًا أساسيًا من المواجهة بين الطرفين.
وكانت الولايات المتحدة قد أقرت في وقت سابق بخسارة طائرة مسيّرة من طراز MQ-1، من دون أن تحدد القيادة المركزية الأميركية نوع الطائرة التي فقدتها. كما أشارت تقارير إلى أن القوات الأميركية تكبدت خسائر كبيرة في طائرات MQ-9 Reaper خلال الحرب مع إيران.
ووفق الأرقام التي أوردتها تقارير صحفية، فقدت الولايات المتحدة عشرات الطائرات من هذا النوع خلال الحرب، ما يسلط الضوء على الكلفة المتزايدة لاستخدام المسيّرات في بيئة دفاع جوي شديدة الخطورة.
لكن المفارقة أن هذه الخسائر لم تمنع واشنطن من الاعتماد بكثافة على الطائرات غير المأهولة في عمليات المراقبة والاستهداف، إذ وصف قائد القوات الجوية الأميركية الجنرال كينيث ويلسباخ طائرات MQ-9 سابقًا بأنها من أهم عناصر حملة القصف الأميركية والإسرائيلية ضد إيران.
قوارب صيد تحت الهجوم
وفي تطور آخر في الخليج، أفادت وكالة الأنباء الروسية «تاس»، نقلًا عن هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، بأن طائرتين مسيّرتين هاجمتا قاربَي صيد في مياه الخليج قرب محافظة هرمزغان الإيرانية.
وقالت التقارير إن عددًا من الصيادين فُقدوا عقب الهجوم، وإن عمليات بحث وإنقاذ بدأت لتحديد مصيرهم.
لكن هذا التطور، على غرار حادثة المسيّرة الأميركية، يحتاج إلى مزيد من التحقق المستقل بشأن الجهة التي نفذت الهجوم والظروف المحيطة به. ولذلك فإن نسبته إلى طرف بعينه قبل ظهور أدلة إضافية سيكون سابقًا لأوانه.
مع ذلك، فإن وقوع مثل هذه الحوادث في محيط هرمز يعكس مستوى المخاطر الذي أصبحت تواجهه حركة الملاحة والنشاط البحري في المنطقة.
بين التفاوض والضغط
التطورات الأخيرة تكشف أن مسار المواجهة الإيرانية–الأميركية يتحرك على خطين متوازيين: رسائل سياسية تتحدث عن إمكانية التفاوض، وتصعيد ميداني يجعل شروط التفاوض أكثر صعوبة.
ترامب يقول إن طهران تريد اتفاقًا سريعًا، بينما تقول القيادة الإيرانية إن الكرة في الملعب الأميركي وإن أي حوار مشروط أولًا بتنفيذ التزامات محددة.
وبين الموقفين، يتحول النفط ومضيق هرمز والعقوبات والموانئ الإيرانية إلى أوراق ضغط متبادلة.
ومن هنا تبدو عبارة رضائي «لا مفاوضات قبل تحقيق شروط إيران» أكثر من مجرد رفض للتفاوض؛ فهي محاولة لإعادة تعريف نقطة البداية. فطهران لا تريد، وفق هذا الموقف، الدخول إلى طاولة الحوار بوصفها الطرف الذي يسعى إلى اتفاق بأي ثمن، وإنما تريد أن يبدأ التفاوض بعد معالجة ما تعتبره نتائج مباشرة للسياسة الأميركية السابقة.
أما واشنطن، فتبدو حتى الآن غير مستعدة لتقديم هذا التنازل مقدمًا.
وهذا يعني أن العقبة الحقيقية أمام الدبلوماسية ليست غياب قنوات الاتصال بالضرورة، وإنما انعدام الثقة حول الثمن الذي يجب دفعه قبل فتح تلك القنوات.
وفي ظل استمرار التوتر في مضيق هرمز، فإن أي حادث عسكري جديد، سواء تعلق بسفينة أو طائرة مسيّرة أو منشأة نفطية، يمكن أن يضيّق هامش المناورة أمام الدبلوماسية أكثر.
لذلك، فإن السؤال خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط: هل ستتفاوض إيران والولايات المتحدة؟
بل سيكون: من سيضطر أولًا إلى تغيير شروطه؟
فإذا بقيت واشنطن متمسكة بالضغط والعقوبات، وطهران متمسكة بأن رفع الضغط يجب أن يسبق أي اتفاق، فقد تتحول فكرة التفاوض نفسها إلى أداة في الصراع بدل أن تكون مخرجًا منه.