اقتصاد الصومال يلامس القاع.. تراجع النمو إلى 3% وهروب رؤوس الأموال وفساد العقود يفاقمان الأزمة

يمر الاقتصاد الصومالي بإحدى أسوأ مراحله منذ انهيار الحكومة المركزية في مطلع تسعينيات القرن الماضي، وسط تراجع في معدلات النمو والقدرة الشرائية، وانكماش التمويل المصرفي، وهجرة رؤوس الأموال، واتساع البطالة، بالتزامن مع تصاعد الجبايات وعمليات الاستيلاء على الأراضي وفضائح الفساد المرتبطة بالعقود الحكومية.

وتشير تقارير المؤسسات المالية الدولية إلى أن الأزمة الراهنة أعمق من مجرد تباطؤ مؤقت في النشاط الاقتصادي، إذ تعكس تآكلًا واسعًا في مصادر الدخل والإنتاج والاستثمار، وتأثر مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية بالصراعات والتدخلات العسكرية المستمرة في البلاد.

سوق الأراضي من الانتعاش إلى الانهيار

منذ إعادة انتخاب حسن شيخ محمود في مايو/أيار 2022، دخل الاقتصاد الصومالي، واحدة من أكبر مراحل التراجع، بعدما تعرض قطاع الأراضي والعقارات، وهو أحد أبرز محركات النشاط الاقتصادي في العاصمة، لضربة شديدة.

وفي منتصف عام 2022، ارتفعت أسعار الأراضي نتيجة التفاؤل الذي أعقب انتهاء حالة عدم اليقين السياسي في مقديشو، وسقوط حكومة محمد عبد الله فرماجو وعودة قوى المعارضة السابقة إلى السلطة، ما دفع المستثمرين إلى الاعتقاد بأن الصراعات السياسية تتجه نحو التراجع.

لكن سوق الأراضي انهار بصورة مفاجئة في ديسمبر/كانون الأول 2022، بعدما بدأت الحكومة الصومالية طرح أراضٍ وممتلكات عامة للبيع والمزاد، وهو ما تسبب، بحسب التقرير، في هزة واسعة أصابت تجارة العقارات وقيمة الممتلكات.

الضرائب تتوسع بعد شروط الإعفاء من الديون

خلال عام 2023، دفعت المؤسسات المالية الغربية الحكومة الصومالية نحو توسيع قاعدة الإيرادات وفرض ضرائب شاملة على التجار وأصحاب وسائل النقل وسكان مقديشو العاديين، وهو ما يعتبر أحد العوامل التي أسهمت في تفاقم الأزمة الاقتصادية الحالية.

واشترط صندوق النقد الدولي رفع الإيرادات المحلية وتوسيع الضرائب على الشركات والسلع مقابل استكمال إجراءات إعفاء الصومال من الديون.

واستجابة لهذه المطالب، فرضت حكومة حسن شيخ محمود رسومًا مرتفعة على البضائع المستوردة عبر ميناء مقديشو، كما فُرضت على المنازل السكنية العادية ما يصل إلى ثلاثة أنواع من الضرائب، تشمل رسومًا شهرية وأخرى سنوية وضريبة إضافية تحصلها إدارة إقليم بنادر.

ووقع العبء الأكبر على تجار الأسواق الذين أصبحوا، يدفعون رسومًا إلى جهات حكومية متعددة، ما دفع شركات كبيرة ورجال أعمال يمتلكون رؤوس أموال ضخمة إلى نقل أموالهم واستثماراتهم نحو دول شرق إفريقيا، حيث استثمروا مليارات الدولارات.

إعفاء بقيمة 4.5 مليارات دولار

ازدادت التطورات تعقيدًا في ديسمبر/كانون الأول 2023، عندما أعلن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إعفاء الصومال من ديون تتجاوز قيمتها 4.5 مليارات دولار.

هذا الإعفاء جاء في وقت كانت فيه السياسات المالية والضريبية تفرض أعباءً متزايدة على المجتمع والأسواق، ما جعل الإعفاء يبدو وكأنه مكافأة للحكومة رغم التدهور الذي أصاب الاقتصاد المحلي.

وبحلول عام 2026، بدأت المؤسسات المالية الغربية نفسها التي دفعت نحو هذه السياسات تطلق تحذيرات من خطورة الوضع الاقتصادي في الصومال.

البنك الدولي: النمو يتراجع إلى 3%

وفقًا لتقرير «الوضع الاقتصادي في الصومال» الذي أصدره البنك الدولي في مايو/أيار 2026، انخفض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي من 4.1% عام 2024 إلى 3% خلال عام 2025، بحسب البيانات الواردة في الصفحتين الثانية والسادسة عشرة من التقرير.

كما تراجع نمو الاستهلاك الخاص، الذي يعكس بصورة جزئية حركة الإنفاق والقدرة الشرائية، بنحو 5.7 نقاط مئوية؛ إذ انخفض من 8.8% عام 2024 إلى نحو 3% في 2025، وفق الصفحة السادسة عشرة.

وأشار تقرير البنك الدولي كذلك إلى تراجع نسبة السيولة النقدية التي تحتفظ بها المصارف من 40% عام 2024 إلى 35% في 2025.

ومع ذلك، لا تزال البنوك تفضل الاحتفاظ بالأموال السائلة بدلًا من توجيهها إلى الإقراض، ما يعكس محدودية دورها في الاستثمار وتنمية الاقتصاد. كما تراجعت نسبة التمويل أو الاستثمار المصرفي المشار إليها في التقرير من 30% عام 2024 إلى 14% في 2025، وفق الصفحة السابعة.

فقدان 600 مليون دولار من الدعم الخارجي

وقبل أشهر، أعلن وزير المالية الصومالي خلال مناسبة عامة أن حكومته فقدت نحو 600 مليون دولار كانت تحصل عليها من دول أجنبية، ما يعني أن هذا المبلغ جرى قطعه عن مواردها المالية.

ويأتي انقطاع التمويل الخارجي في وقت تواجه فيه الحكومة تراجعًا في النشاط الاقتصادي المحلي، وانكماشًا في القدرة الشرائية، وضعفًا في التمويل المصرفي، واتساعًا في احتياجاتها المالية.

الاستيلاء على الأراضي يضرب الأسواق والأحياء

يعتبر التقرير أن عمليات الاستيلاء على الأراضي والإخلاء القسري من أخطر العوامل التي دفعت الاقتصاد نحو التراجع، مشيرًا إلى أن قرابة مليون أسرة وجدت نفسها بلا استقرار سكني أو اقتصادي.

وكانت هذه الأسر تنفق دخولها في الأحياء والأسواق التي تقيم فيها، بينما فقد بعضها الأراضي والمواقع التي كانت تدير عليها مشروعاتها التجارية، ما أدى إلى تراجع النشاط الاقتصادي في عدد كبير من المناطق.

وفقد نحو نصف مليون عامل وظائفهم بعد انتقال كبار التجار والشركات إلى خارج البلاد، في حين أوقفت بنوك كبيرة في مقديشو أو خفّضت برامج التمويل التي كانت تقدمها إلى صغار التجار وذوي الدخل المحدود، نتيجة تحويل جانب من أموال رجال الأعمال إلى الخارج.

دعوة التجار إلى إبقاء استثماراتهم داخل البلاد

كان المتحدث باسم حركة الشباب المجاهدين، الشيخ علي محمود راجي، قد تناول خلال العام الماضي الأزمة الاقتصادية في البلاد، داعيًا التجار الصوماليين إلى عدم تعريض أموالهم للمخاطر بنقلها إلى الخارج، وإلى توجيه استثماراتهم نحو المناطق التي تديرها الحركة.

وجاءت هذه الدعوة في سياق البحث عن بدائل لهجرة رؤوس الأموال، في وقت تتسع فيه المخاوف لدى التجار من الضرائب والفساد والاستيلاء على الممتلكات وضعف الضمانات الاستثمارية.

سفير إثيوبي سابق يحمّل السياسيين المسؤولية

وتطرق سليمان ددفو، السفير الإثيوبي السابق لدى مقديشو، الذي غادر العاصمة الصومالية قبل أيام، إلى الأزمة الاقتصادية التي يعيشها سكان المدينة.

وقال في منشور له: »يواجه سكان مقديشو وضعًا اقتصاديًا بالغ السوء، تسبب فيه قادتهم السياسيون«.

وأكد ددفو أنه أنهى عمله سفيرًا في مقديشو، لكن أديس أبابا لم تصدر حتى الآن بيانًا رسميًا بشأن تعيين بديل له أو إرسال سفير جديد.

ست شركات محظورة بسبب الفساد والتلاعب

من جهة أخرى، نشرت صحيفة «ذا إيست أفريكان» الكينية تقريرًا كشف عن عمليات احتيال وفساد واسعة أحاطت بنظام المشتريات والعقود في الصومال.

ووفقًا للصحيفة، حظر البنك الدولي خلال السنوات الست الماضية ما لا يقل عن ست شركات بسبب مخالفات مرتبطة بمشروعات وعقود كانت تعتزم تنفيذها داخل الصومال.

وشملت المخالفات التي ثبتت على هذه الشركات الاحتيال والفساد والتواطؤ والتلاعب وتقديم معلومات ووثائق مزورة، إلى جانب مدفوعات غير مشروعة ارتبطت بمسؤولين صوماليين.

»ويب ماسترز كينيا» واستخدام أسماء خبراء دون علمهم

كان أحدث هذه الملفات متعلقًا بشركة «ويب ماسترز كينيا» (Webmasters Kenya)، التي سُمح لها بتنفيذ مشروعات مرتبطة بتسجيل الأنشطة التجارية في الصومال، قبل أن يمنعها البنك الدولي من المشاركة في مشروعاته لمدة لا تقل عن خمس سنوات.

وذكرت الصحيفة أن الشركة أدرجت في وثائق المناقصة خبيرين واستخدمت اسميهما وسيرتيهما الذاتيتين، لكن التحقيق والتواصل معهما كشفا أنهما لم يكونا على علم باستخدام بياناتهما في العرض.

حظر «حكمة للإنشاءات» و«أرلادي» حتى سبع سنوات

أما شركتا «حكمة للإنشاءات» (Xikma Construction) و«أرلادي للتجارة العامة» (Arladi General Trading) المحليتان، فقد ثبت أنهما تعاونتا سرًا في إعداد وتقديم عروض العطاءات، بصورة تتعارض مع نزاهة المنافسة.

كما قدمت شركة «أرلادي» معلومات غير صحيحة بشأن خبرتها والأعمال التي سبق أن نفذتها، ولذلك فُرض على الشركتين حظر تتراوح مدته بين ست وسبع سنوات.

«ADP Group» وعلاقة غير معلنة بمسؤول صومالي

كما ثبت أن شركة «ADP Group» الكينية، التي وافقت حكومة حسن شيخ محمود على عملها في مجالات الاستشارات وتعزيز قدرات المؤسسات الحكومية، كانت تربطها علاقة تعاون غير معلنة بمسؤول صومالي شارك في إجراءات العقد. وفرض البنك الدولي على الشركة حظرًا مدته 21 شهرًا.

«Africa Enablers» وتضليل بشأن الخبرات السابقة

أما شركة «Africa Enablers» السويسرية، التي شاركت فيما وُصف بخطة تطوير ميناءي مقديشو وبوصاصو، فقد ثبت أنها قدمت معلومات مضللة بشأن خبراتها السابقة أثناء تنافسها على المشروع.

وبناء على ذلك، مُنعت الشركة لمدة عشرة أشهر من المشاركة في المشروعات التي يمولها البنك الدولي.

«EY Kenya» ومخصصات مالية لمسؤولين

وثبت كذلك أن شركة «EY Kenya»، التي تولت مشروعات تستهدف تعزيز الإدارة المالية وتحصيل الإيرادات داخل الصومال، أخفت علاقة تربطها بمسؤول صومالي كان طرفًا في إجراءات التعاقد.

كما أدرجت الشركة في الميزانية مخصصات مالية كان مقررًا دفعها إلى مسؤولين حكوميين، ولذلك فرض البنك الدولي عليها حظرًا لمدة 30 شهرًا.

فساد متجذر في منظومة العقود

وربط تقرير «ذا إيست أفريكان» هذه الوقائع بالفساد المتجذر في المؤسسات الصومالية ونظام الإدارة المالية والعقود والمشتريات.

وكان البنك الدولي ومؤسسات أخرى تقدم تمويلًا للصومال قد حذرت سابقًا من أن مخاطر الفساد والتلاعب بلغت مستويات مرتفعة للغاية.

وأشار التقرير كذلك إلى تحقيق أجرته الأمم المتحدة في عقد دُفعت قيمته ضمن برنامج نُفذ في الصومال تحت عنوان دعم البلاد.

وكشف التحقيق أن الجهة المنفذة لم تتمكن من تقديم إثبات واضح يبين أوجه إنفاق 79% من قيمة العقد، أو يؤكد إنجاز الأعمال التي دُفعت تلك الأموال مقابلها، ما يعكس حجم الخلل في الرقابة والمحاسبة على المشروعات الممولة دوليًا.

وتكشف المؤشرات أن أزمة الاقتصاد الصومالي لا تقتصر على تراجع معدل النمو إلى 3%، بل تشمل انكماش القدرة الشرائية، وتراجع التمويل المصرفي، وهروب رؤوس الأموال، وفقدان الوظائف، واتساع الجبايات، واضطراب سوق الأراضي، فضلًا عن الفساد والتلاعب في العقود والمشروعات الدولية.

وبينما يبحث التجار عن بيئة أكثر استقرارًا لحماية أموالهم، تظل استعادة الثقة مرتبطة بوقف الاستيلاء على الممتلكات، وضبط تعدد الضرائب والرسوم، وتعزيز الشفافية والمحاسبة، وإعادة توجيه المصارف نحو تمويل النشاط الاقتصادي بدلًا من الاكتفاء بالاحتفاظ بالسيولة.