السودان: تصاعد حرب المسيّرات ومجازر المدنيين ومخاوف من اتساع الصراع إقليمياً
يشهد السودان تصعيداً خطيراً في الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، مع اتساع الهجمات بالطائرات المسيّرة، وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين، وتفاقم الجوع والنزوح، في وقت تستأنف فيه التحركات الدبلوماسية الدولية بحث سبل وقف القتال. وتبرز التطورات الأخيرة في إقليم النيل الأزرق ومنطقة كردفان، إلى جانب الهجوم الدامي على سوق أمّيت في منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان، مؤشراتٍ على أن الحرب باتت تهدد مناطق تتجاوز خطوط المواجهة التقليدية.
هجوم أبيي: أكثر من 150 قتيلاً في ضربة على سوق
من أخطر التطورات الأخيرة الهجوم بالطائرات المسيّرة الذي استهدف سوق أمّيت في منطقة أبيي يوم 20 أكتوبر/تشرين الأول، إذ أعلنت سلطات محلية في جنوب السودان مقتل ما لا يقل عن 153 شخصاً، مع توقع ارتفاع الحصيلة، فيما تحدثت تقارير عن إصابة آخرين ونقل جرحى إلى المستشفيات، بينهم مصابون بحروق خطيرة.
واتهمت سلطات جنوب السودان الجيش السوداني بتنفيذ الهجوم، بينما قال مسؤول عسكري سوداني، بحسب وكالة أسوشيتد برس، إن الضربة استهدفت صهاريج وقود متجهة إلى قوات الدعم السريع، وادعى أن القتلى كانوا من عناصرها ومهرّبي الوقود. ولم يصدر تأكيد مستقل يحسم جميع تفاصيل الواقعة، كما لم تتبنَّ الأمم المتحدة في إدانتها للهجمات تحديد الجهة المسؤولة عنها.
وتكتسب الحادثة خطورة إضافية لأن أبيي منطقة متنازع عليها وغنية بالنفط، وتُعدّ من المناطق الحساسة في العلاقات بين السودان وجنوب السودان. كما أن وقوع الهجوم في سوق مدني يثير تساؤلات ملحّة بشأن حماية السكان، والتحقق من الأهداف العسكرية،
النيل الأزرق وكردفان: جبهات جديدة تستنزف السكان
لا يقتصر التصعيد على أبيي؛ فقد شهد إقليم النيل الأزرق، جنوب شرقي البلاد، هجمات متكررة بالطائرات المسيّرة، في وقت تتواصل فيه المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وحلفائهما.
وفي 10 أكتوبر، أفادت تقارير أممية ومحلية بمقتل مدنيين في هجمات على مناطق الإقليم، فيما أعلنت مجموعة «محامو الطوارئ» مقتل 41 نازحاً، بينهم ثمانية أطفال، في ضربة قرب الحدود الإثيوبية. وتثير هذه التطورات مخاوف من اتساع نطاق الحرب باتجاه الحدود، لا سيما مع تبادل الاتهامات بشأن استخدام الأراضي الإثيوبية في دعم العمليات العسكرية؛ وهي اتهامات نفتها إثيوبيا.
وفي ولاية شمال كردفان، لا تزال مدينة الأبيض ومحيطها عرضة لهجمات المسيّرات، رغم احتفاظ الجيش بممرات ومناطق استعاد السيطرة عليها خلال الأشهر الماضية. وأفادت تقارير سابقة في أكتوبر بمقتل مدنيين جراء ضربات استهدفت أماكن إيواء ومرافق مدنية، ما يؤكد أن السيطرة العسكرية على الطرق والمدن لا تعني بالضرورة تحسن الوضع الأمني للسكان.
ويعكس اتساع استخدام الطائرات المسيّرة تحولاً في طبيعة الحرب؛ إذ باتت الضربات تصل إلى مناطق بعيدة عن خطوط الاشتباك المباشر، مع صعوبة التحقق من الأهداف والخسائر في بعض المناطق، وتزايد المخاطر على المدنيين والبنية التحتية.
دارفور: استمرار الكارثة الإنسانية
لا تزال دارفور من أكثر المناطق تضرراً من الحرب، خصوصاً بعد سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر في أواخر عام 2025، وما أعقب ذلك من تقارير عن انتهاكات واسعة النطاق ونزوح جماعي.
وتشير تقارير دولية إلى استمرار مخاطر العنف على أساس عرقي، والعنف الجنسي المرتبط بالنزاع، وانعدام الأمن الغذائي. وقد تحدثت بعثة تقصي الحقائق الدولية بشأن السودان عن مؤشرات على ارتكاب جرائم خطيرة، فيما أثارت الانتهاكات في الفاشر مخاوف من جرائم قد ترقى إلى الإبادة الجماعية.
ولا تزال معاناة النازحين تتجاوز فقدان المنازل؛ إذ يواجه كثيرون نقص الغذاء والمياه النظيفة والرعاية الطبية، فضلاً عن محدودية المساعدات وصعوبة وصول المنظمات الإنسانية إلى المناطق المتضررة.
الجوع والجفاف يضاعفان آثار الحرب
في 16 أكتوبر، حذرت الأمم المتحدة من أن نقص الأمطار في مناطق من السودان يزيد من صعوبة الاستجابة للاحتياجات الإنسانية، خصوصاً في دارفور وأجزاء من كردفان. وأشارت إلى أن ملايين الأشخاص يواجهون مخاطر متزايدة بسبب سوء التغذية ونقص المياه، بينما يحتاج المزارعون إلى دعم عاجل قبل موسم الزراعة الشتوي.
وبحسب بيانات أممية نُشرت في 21 أكتوبر، يحتاج نحو 34 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية في السودان، فيما يواجه نحو 20 مليوناً مستويات حادة من الجوع، وفق البيانات التي عرضها مسؤولون دوليون في اجتماعات أكتوبر. كما أن استمرار الحرب وتعطل الزراعة وارتفاع أسعار الغذاء يجعل الأزمة أكثر تعقيداً من مجرد نقص مؤقت في الإمدادات.
وتحذر الجهات الإنسانية من أن مخزونات الغذاء والتغذية قد تنفد في بعض البرامج بحلول مطلع عام 2027 إذا لم يتوفر تمويل عاجل. وهذا يعني أن تأخر المساعدات قد يفاقم الأزمة حتى في المناطق التي لا تشهد اشتباكات مباشرة.
تحركات دولية جديدة لوقف الحرب
على الصعيد السياسي، استؤنفت في جنيف يومي 20 و21 أكتوبر اجتماعات دولية لتنسيق جهود الوساطة، بمشاركة أطراف دولية وإقليمية معنية بوقف الحرب وتخفيف الكارثة الإنسانية.
وتركزت المناقشات على خفض التصعيد، وبناء الثقة، وتأمين وصول المساعدات، والبحث عن مسار لوقف شامل لإطلاق النار وانتقال سياسي يشارك فيه السودانيون. كما شملت التحركات التنسيق بين المجموعة الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، والآلية الخماسية التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية وجامعة الدول العربية.
لكن الاجتماعات جرت من دون تمثيل مباشر للجيش السوداني أو قوات الدعم السريع، وهو ما يوضح أن تنسيق الوسطاء لا يعني التوصل إلى اتفاق بين طرفي الحرب، وأن الطريق إلى هدنة فعلية لا يزال محفوفاً بالعقبات.
ماذا تعني هذه التطورات؟
تكشف المستجدات الأخيرة عن ثلاثة مسارات مترابطة:
-
عسكرياً: استمرار المواجهات وتزايد الاعتماد على المسيّرات، بما يوسّع دائرة الخطر على المدنيين ويزيد صعوبة حماية المناطق المأهولة.
-
إنسانياً: تداخل النزوح والجوع والجفاف وانهيار الخدمات الصحية، بما يجعل المدنيين يدفعون ثمن الحرب حتى بعيداً عن جبهات القتال.
-
إقليمياً وسياسياً: تزايد المخاوف من امتداد الصراع إلى المناطق الحدودية، في مقابل محاولات دولية لم تنجح حتى الآن في فرض وقف مستدام للقتال.
والأخطر أن استمرار الحرب لا يهدد فقط وحدة السودان واستقراره، بل يضع دول الجوار أمام أعباء متزايدة من النزوح وانعدام الأمن، ويجعل أي تسوية مستقبلية أكثر صعوبة كلما ترسخت خطوط السيطرة وتفاقمت الانتهاكات.
الخلاصة: حتى 22 أكتوبر 2026، لا تظهر المؤشرات المتاحة انفراجاً حاسماً في الحرب السودانية. فالتصعيد العسكري مستمر، والأزمة الإنسانية تتفاقم، والتحركات الدبلوماسية لم تتحول بعد إلى وقف لإطلاق النار. ويبقى الاختبار الحقيقي لأي مبادرة دولية هو قدرتها على حماية المدنيين، وفتح ممرات المساعدات، ووقف تدفق الدعم العسكري الذي يطيل أمد الحرب.