بعد 25 عامًا من 11 سبتمبر.. بين ذاكرة الهجمات وحسابات حرب الإرهاب، أمريكا تحيي الذكرى بألم والقاعدة تحتفل بها بفخر
25 عامًا مرت على 11 سبتمبر، لكن الحدث الذي هز الولايات المتحدة صباح 11 سبتمبر/أيلول 2001 لم يتحول إلى مجرد ذكرى تاريخية. فما زال حاضرًا في السياسة الأمريكية، وفي الذاكرة الغربية، وفي النقاش حول الإرهاب والحريات والحروب التي أعقبت الهجمات.
في الولايات المتحدة، جاءت الذكرى الخامسة والعشرون هذا العام في مشهد يجمع بين الحزن الوطني والمراجعة السياسية. ففي نيويورك، اجتمعت عائلات القتلى وعدد من الرؤساء الأمريكيين السابقين والمسؤولين لإحياء ذكرى نحو 3 آلاف شخص قتلوا في الهجمات، بينما أُقيمت مراسم أخرى في البنتاغون وموقع تحطم الرحلة 93 في بنسلفانيا. وشملت مراسم نيويورك لحظات صمت وقراءة أسماء القتلى، مع إحياء ذكرى من توفوا لاحقًا بسبب الأمراض المرتبطة بآثار الهجمات.
وفي الخطاب الرسمي الأمريكي، ظل شعار «لن ننسى» هو العنوان الأبرز. وشدد الرئيس دونالد ترامب في مراسم سابقة للذكرى على بطولة رجال الإطفاء وأفراد الشرطة والمدنيين الذين حاولوا إنقاذ الآخرين، وقدم 11 سبتمبر بوصفه لحظة أظهرت قدرة الأمريكيين على الصمود والوحدة في مواجهة الإرهاب.
لكن خارج الخطاب الرسمي، تبدو صورة الذكرى أكثر تعقيدًا.
من الحزن إلى السؤال: ماذا حدث بعد 11 سبتمبر؟
في جانب واسع من الصحافة والمشهد الفكري الأمريكي، لم يعد السؤال مقتصرًا على كيف وقعت الهجمات؟ بل أصبح: ماذا فعلت الولايات المتحدة بعد وقوعها؟
فالهجمات أدت إلى تحول هائل في السياسة الخارجية والأمنية الأمريكية، بدءًا من غزو أفغانستان، ثم حرب العراق، وصولًا إلى توسع أجهزة المراقبة والصلاحيات الأمنية الداخلية. وبعد ربع قرن، يعيد عدد من الكتاب والمحللين النظر في تلك الخيارات، معتبرين أن الخوف الذي ولدته الهجمات تحول تدريجيًا إلى منظومة سياسية وعسكرية واسعة تجاوزت في بعض مراحلها الهدف الأصلي المتمثل في ملاحقة منفذي الهجمات.
وتذهب مراجعات أمريكية حديثة إلى أن أحد أكبر أخطاء مرحلة ما بعد 11 سبتمبر كان الخلط بين تهديدات مختلفة: الإرهاب، والدول التي اعتبرتها واشنطن معادية، وانتشار أسلحة الدمار الشامل. ومن هذا الخلط نشأت سياسات وحروب تركت آثارًا طويلة المدى على الشرق الأوسط وعلى صورة الولايات المتحدة في العالم.
وهكذا تحولت الذكرى بالنسبة إلى بعض الأمريكيين من مناسبة لاستحضار الوحدة الوطنية فقط إلى مناسبة للسؤال عن ثمن تلك الوحدة عندما تتحول إلى حرب مفتوحة بلا نهاية واضحة.
الحريات الأمريكية تحت الاختبار
واحدة من أكثر القضايا حضورًا في المراجعات الغربية هي العلاقة بين الأمن والحرية.
فبعد الهجمات، توسعت صلاحيات الحكومة الأمريكية في المراقبة وجمع المعلومات وملاحقة المشتبه في صلاتهم بالإرهاب. وأصبح قانون باتريوت آكت أحد أبرز رموز المرحلة الجديدة، إلى جانب إنشاء وزارة الأمن الداخلي وتوسيع البنية الأمنية والاستخباراتية الأمريكية.
وبعد 25 عامًا، يرى منتقدون أن الولايات المتحدة دفعت ثمنًا ديمقراطيًا وأخلاقيًا مقابل بعض الإجراءات التي اتخذت باسم مكافحة الإرهاب. وتظهر في الصحافة الأمريكية هذا العام مراجعات صريحة لهذه المرحلة، خصوصًا في ما يتعلق بالمراقبة، والحريات المدنية، والحروب الاستباقية.
المسلمون الأمريكيون.. ذاكرة أخرى لليوم نفسه
لكن ثمة ذاكرة أخرى لـ11 سبتمبر لا تظهر دائمًا في المراسم الرسمية: ذاكرة المسلمين والعرب في الولايات المتحدة.
فبعد الهجمات مباشرة، أصبح المسلمون والعرب في عدد من المجتمعات الأمريكية عرضة للتمييز والاشتباه والاعتداءات، وارتبطت صورة الإسلام في قطاعات من الخطاب العام الأمريكي بالإرهاب بصورة لم تكن موجودة بهذا الحجم قبل 2001.
وبعد ربع قرن، لا يزال هذا الإرث حاضرًا في النقاش الأمريكي. وهنا يظهر أحد أكثر التناقضات حساسية في إرث 11 سبتمبر: كيف يمكن للولايات المتحدة أن تفهم كيف يتصدر انتخاباتها الجارية شخصيات مسلمة بارزة في مناصب لم يكن يصلها المسلمون من قبل؟ ما الذي جرى رغم كمية العداء الذي حقنه الإعلام الأمريكي لعقود ضد المسلمين، هل هي هزيمة أخرى لأمريكا في عقر دارها؟
عملة أمريكية تخليدًا لذكرى 11 سبتمبر
ولم تقتصر مظاهر إحياء الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر على المراسم والخطب الرسمية؛ فقد دخلت المناسبة أيضًا إلى العملة الأمريكية. إذ أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية ودار سك العملة إصدار عملة تذكارية من فئة نصف دولار تخليدًا لذكرى الهجمات التي وقعت عام 2001.
وتحمل العملة على وجهها صورة تمثال الحرية محاطة بتاريخ الهجمات، إلى جانب العبارة التي أصبحت من أشهر شعارات الذكرى في الولايات المتحدة: «لن ننسى» (NEVER FORGET). أما الوجه الآخر فيُظهر تثمال الحرية وهي تسلّم مشعلها إلى جيل جديد، في رمز أرادت دار السك من خلاله التعبير عن انتقال قيم الحرية والذاكرة من جيل إلى آخر.
وبذلك تحولت ذكرى 11 سبتمبر، بعد ربع قرن، إلى أكثر من مراسم سنوية؛ فهي حاضرة في النصب التذكارية، والمتاحف، والخطاب السياسي، والذاكرة الشعبية، وحتى في العملة الرسمية للولايات المتحدة.
أوروبا: تضامن مع أمريكا ومراجعة لإرث الحرب
ولم تكن أوروبا بعيدة عن استعادة الذكرى. فالاتحاد الأوروبي أحيا الذكرى مؤكدًا أن هجمات 11 سبتمبر استهدفت الولايات المتحدة، لكنها غيّرت أيضًا مسار التاريخ العالمي. واستحضرت مؤسسات الاتحاد ما تسميه قيم التضامن والديمقراطية والتسامح، فيما ذكّرت مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس بأن حلف الناتو فعّل المادة الخامسة للمرة الأولى والوحيدة في تاريخه بعد الهجمات، وأن قوات أوروبية قاتلت إلى جانب الولايات المتحدة في أفغانستان لسنوات طويلة.
لكن أوروبا نفسها تحمل ذاكرة أكثر تعقيدًا؛ فقد شاركت دول أوروبية في الحرب على الإرهاب، ثم واجهت لاحقًا أسئلة حول نتائج تلك الحروب، وأمنها الداخلي، وصعود الإسلاموفوبيا، والتوازن بين مكافحة التطرف وحماية الحريات.
ولهذا فإن الخطاب الأوروبي في الذكرى يميل إلى الجمع بين أمرين: التضامن مع قتلى الإرهاب، والتأكيد على أن مكافحة الإرهاب لا ينبغي أن تعني التخلي عن القيم الأوروبية التي يُقال إن الإرهاب استهدفها.
من أفغانستان إلى العراق.. الحروب التي خرجت من ظل البرجين
ربما يكون أكبر تحول في قراءة 11 سبتمبر بعد ربع قرن هو الفصل المتزايد بين الهجمات نفسها وبين الحروب التي جاءت بعدها.
فأفغانستان كانت الهدف المباشر للحرب الأمريكية ضد تنظيم القاعدة وحكم طالبان، لكن حرب العراق عام 2003 أصبحت لاحقًا أحد أكثر الملفات إثارة للجدل، خصوصًا بعدما تبين أن المبررات المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل لم تكن صحيحة.
وفي السنوات اللاحقة، ساهمت الحروب والفوضى الإقليمية في إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وظهرت جماعات مسلحة جديدة، بينما تحول العراق وسوريا وأجزاء من المنطقة إلى ساحات لصراعات متشابكة.
وهنا يطرح منتقدو السياسة الأمريكية سؤالًا جوهريًا: هل أدت حرب الإرهاب إلى تقليص خطر الإرهاب على المدى الطويل، أم أنها أنتجت أيضًا بيئات سياسية وأمنية ساعدت على ظهور أشكال جديدة منه؟
لا توجد إجابة واحدة على هذا السؤال، لكن مجرد استمرار طرحه بعد 25 عامًا يكشف حجم الإرث الذي تركته تلك المرحلة.
وحتى داخل الإدارة الأمريكية ظهرت مراجعة مؤلمة
ومن اللافت هذا العام أن بعض الشخصيات التي كانت جزءًا من منظومة صنع القرار الأمريكي في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر تتحدث بنبرة أكثر نقدًا.
فوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس استحضرت تجربتها في الساعات الأولى للهجمات، فيما ظهرت في النقاش الأمريكي اعترافات ومراجعات من مسؤولين ومثقفين شاركوا في قرارات تلك المرحلة أو أيدوها، بما في ذلك مراجعة موقفهم السابق من حرب العراق.
وهذا يعكس تحولًا مهمًا: لم تعد مراجعة حرب الإرهاب حكرًا على خصوم السياسة الأمريكية؛ بل أصبحت جزءًا من النقاش الداخلي الأمريكي نفسه.
ذكرى القتلى أم ذكرى السياسة؟
ربما تكمن المفارقة الكبرى في الذكرى الخامسة والعشرين في أن الجميع تقريبًا يتفق على تكريم القتلى، لكنهم لا يتفقون بالضرورة على معنى 11 سبتمبر.
بالنسبة إلى عائلات القتلى، هو يوم فقدان أشخاص بأسمائهم ووجوههم وحكاياتهم.
وبالنسبة إلى الدولة الأمريكية، هو لحظة تعرض فيها الوطن لهجوم غير مسبوق، وأثبت فيها رجال الإنقاذ والجنود والمواطنون قدرة استثنائية على التضحية.
وبالنسبة إلى آخرين، هو بداية مرحلة أعادت تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية، ووسعت سلطات الدولة الأمنية، وأطلقت حروبًا امتدت لسنوات طويلة.
وبالنسبة للقاعدة والمسلمين، فهي ضربات بطولية كسرت الهيبة الأمريكية بشكل لم يسبق له مثيل، وصفحة مجد دخلت التاريخ بقوة.
وبالنسبة إلى المسلمين الذين عاشوا في الغرب بعد 2001، فهو أيضًا بداية مرحلة اضطروا فيها إلى الدفاع باستمرار عن الإسلام الأمريكي الذي يرفض الجهاد ويقبل بالخضوع لأجل السلام.
25 عامًا.. ماذا بقي من 11 سبتمبر؟
بعد ربع قرن، لم يعد 11 سبتمبر مجرد تاريخ في التقويم الأمريكي. لقد أصبح نقطة فاصلة بين عالمين: ما قبل الهجمات وما بعدها.
غير أن الجيل الذي عاش الصدمة الأولى بدأ يتراجع، بينما نشأ جيل كامل بعد 2001 لم يشاهد الطائرات وهي تصطدم بالبرجين، ولم يعش لحظة إغلاق المطارات، ولا الخوف الذي اجتاح الولايات المتحدة والعالم في ذلك اليوم.
ولهذا أصبحت المعركة الجديدة معركة الذاكرة نفسها: ماذا سيتعلم الجيل الجديد من 11 سبتمبر؟
هل سيتذكر نحو ثلاثة آلاف إنسان قتلوا في صباح واحد؟
أم سيتذكر فقط «الحرب على الإرهاب»؟
هل سيتذكر شجاعة رجال الإنقاذ؟
أم يتذكر أفغانستان والعراق والسجون السرية والمراقبة الأمنية والجرائم الأمريكية؟
وهل يمكن إدانة الإرهاب بوضوح، وفي الوقت نفسه مساءلة السياسات التي اتخذت باسمه؟
ربما يكون الدرس الأهم بعد 25 عامًا هو أن القيادة الأمريكية لا يمكنها إعفاء السياسة من المساءلة، كما أن مساءلتها بشأن الحروب التي أعقبتها يجب ألا يهمش في غمرة الحزن والألم.
فالأجيال الجديدة تستحق أيضًا أن تعرف ما الذي حدث بعد ذلك، وكيف غيّر ذلك اليوم الولايات المتحدة وأوروبا والشرق الأوسط والعالم بأسره.
وهنا تحديدًا يبقى 11 سبتمبر حاضرًا: ليس فقط في الذاكرة، بل في الأسئلة التي لم تنتهِ بعد.
قاعدة الجهاد تحتفل بطريقتها الخاصة

وبينما يقضي الغرب إحياء ذكرى 11 سبتمبر بشعور ألم ومرارة وكثرة أسئلة خاصة وأن أهدافهم المعلنة باءت بالفشل، فلم يقضوا على تنظيم القاعدة الذي أصبح أكثر اتساعا وانتشارا ورسوخا، ولم ينجحوا في أفغانستان التي خرجوا منها يجرون أذيال الهزيمة، ولم تنفعهم سياساتهم في قمع الجهاد، فكلما قمعوه اشتد وأضحى في أعين المسلمين المسلك الوحيد للنجاة والتحرر.
وفي المقابل احتفلت القاعدة بهجماتها التاريخية بإصدار جديد، نشرت الجزء الأول منه بعنوان: ربع قرن – من غزوات الحادي عشر من سبتمبر.
الإصدار الذي استغرق عرضه نحو ساعة، تضمن مشاهد عن هجمات 11 سبتمبر، وتصريحات الغربيين أنفسهم بشأنها، وتسليط الضوء على تناقضات الأمريكان وصراحة الرسائل من قادة القاعدة. وتفتخر القاعدة بالعمليات وتثمن كل الجهود الجهادية التي انتشرت في الخريطة بما في ذلك جهود حركة الشباب المجاهدين في الصومال، حيث أثنى الشيخ سيف العدل على عملية ماندا باي على القاعدة العسكرية الأمريكية في كينيا.
وعبر الكثير من الناشطين على مواقع التواصل عن فرحتهم بذكرى هذه العمليات التاريخية، التي أثبتت أن قسم الشيخ أسامة بن لادن لنصرة فلسطين لم يكن هزلا، بل جد وصدق.
وها هي مسافة ربع قرن تمتد عن ذكرى الهجمات الوحيدة التي استهدفت الأمريكيين في عقر ديارهم في كل التاريخ الأمريكي وتاريخ العالم، ولا يزال بعض المسلمين لم يدرك بعد حجم هذه البطولة وهيبة وزنها في ميزان التوازنات الدولية وخريطة القوى العالمية … بينما يدركها المنشغلون بفداء أمتهم بالنفس والنفيس ويدركها جيدا أعداؤهم.