بعد 25 عامًا من 11 سبتمبر.. كيف تغيّرت الحركة الجهادية العالمية؟

فيما يلي، ملخص دراسة”بعد 25 عامًا من 11 سبتمبر..  كيف تغيّرت الحركة الجهادية العالمية؟”، يليها نقد للدراسة:

بعد ربع قرن على هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، لم تعد الحركة الجهادية العالمية هي ذاتها التي عرفها العالم في أعقاب الهجمات التي هزّت الولايات المتحدة وغيّرت شكل النظام الأمني الدولي. فقد اختفت قيادات، وسقطت أنظمة، وانتهت دولة «الخلافة» التي أعلنها تنظيم الدولة الإسلامية، وتطورت قدرات مكافحة الإرهاب بصورة هائلة؛ لكن الحركة نفسها لم تختفِ، بل أعادت تشكيل بنيتها وانتقلت إلى ساحات جديدة، وخصوصًا في إفريقيا، وطورت أدوات وأساليب أكثر لامركزية وقدرة على التكيف.

هذه هي نقطة الانطلاق لدراسة بحثية جديدة أصدرها مركز صوفان (The Soufan Center) في سبتمبر/أيلول 2026، بعنوان «بعد 25 عامًا من 11 سبتمبر: مستقبل الحركة الجهادية العالمية» (25 Years After 9/11: The Future of the Global Jihadi Movement). وقد حرر الدراسة الباحثان كولين بي. كلارك وكلارا برويكيرت، بينما كتب مقدمتها الباحث والمحقق السابق في قضايا الإرهاب علي صوفان، وشارك فيها تسعة من أبرز المتخصصين في الإرهاب والحركات الجهادية والصراعات السياسية.

ولا تتعامل الدراسة مع مرور 25 عامًا على 11 سبتمبر بوصفه مجرد ذكرى تاريخية، وإنما تستخدم هذه المسافة الزمنية لإعادة فحص ما جرى منذ ذلك اليوم: ما الذي أصاب فيه العالم تقديراته، وما الذي أخطأ في فهمه، وكيف تكيفت التنظيمات الجهادية مع الضغوط العسكرية والأمنية، وأين أصبحت مراكز ثقلها الجديدة، وما الذي يمكن أن يحدث إذا تراجعت أولوية مكافحة الإرهاب في حسابات القوى الكبرى؟

واللافت في الدراسة أن خلاصتها لا تتمثل في القول إن العالم يواجه بالضرورة نسخة جديدة من هجمات 11 سبتمبر، بل في تحذير أكثر تعقيدًا: الحركة الجهادية أصبحت أكثر انتشارًا وتكيفًا في الوقت الذي تراجعت فيه مكانتها على سلم أولويات عدد من الحكومات الغربية. فبينما انتقلت بؤر مهمة من النشاط الجهادي من الشرق الأوسط وجنوب آسيا إلى إفريقيا، أصبحت بعض الفروع المحلية أكثر قدرة على بناء مصادر تمويل وإدارة مناطق نفوذ وتطوير شبكات عابرة للحدود. ويضع المركز الصومال وإفريقيا في قلب هذا التحول، مشيرًا إلى تنامي أهمية حركة الشباب المجاهدين وتنظيم الدولة في الصومال داخل الشبكة الجهادية الأوسع.

ومن هنا تأتي أهمية قراءة هذه الدراسة فصلًا بعد فصل؛ فهي لا تقدم قصة تنظيم واحد، ولا ترسم خطًا مستقيمًا يبدأ من القاعدة وينتهي بتنظيم الدولة، وإنما تحاول رسم صورة أوسع لحركة تغيرت طبيعتها خلال ربع قرن: من تنظيمات أكثر مركزية إلى شبكات وفروع محلية، ومن ساحات معروفة إلى بيئات جديدة، ومن أساليب تقليدية إلى الاستفادة من التكنولوجيا والطائرات المسيّرة، ومن تهديد تتركز عليه السياسة الأمريكية إلى تهديد بات يتداخل مع حروب أهلية وصراعات إقليمية ومنافسات بين الدول.

والسؤال الذي يجمع هذه الفصول كلها هو: هل تراجعت الحركة الجهادية فعلًا، أم أنها تعلمت كيف تعمل بعيدًا عن مركز الضوء؟

للإجابة عن ذلك، نبدأ من الفصل الأول، ثم نتابع التحول فصلًا بعد فصل، وصولًا إلى السؤال الذي يبدو أن الدراسة كلها تريد وضعه أمام صانع القرار: ماذا يحدث عندما تتطور طبيعة التهديد أسرع من قدرة المؤسسات على ملاحظته؟

الفصل الأول: الحرب على الإرهاب بعد 11 سبتمبر — ما الذي نجح وما الذي أخطأ فيه العالم؟

يفتتح براين مايكل جينكينز، أحد أبرز الباحثين الأمريكيين في شؤون الإرهاب والأمن، الدراسة بفصل يحمل طابعًا تمهيديًا، لكنه في الحقيقة يضع السؤال الذي ستدور حوله بقية الفصول: ماذا حدث فعلًا خلال ربع قرن من الحرب على الإرهاب، وماذا بقي من التهديد الذي ظن كثيرون أنه يمكن القضاء عليه؟

جينكينز لا ينطلق من رواية تقول إن الولايات المتحدة فشلت في حربها على الإرهاب، كما أنه لا يقدم رواية انتصار كامل. بل يرسم صورة أكثر تعقيدًا: الولايات المتحدة وحلفاؤها حققوا نجاحات أمنية حقيقية، خصوصًا في منع تكرار هجوم بحجم 11 سبتمبر داخل الأراضي الأمريكية، لكنهم في الوقت نفسه ارتكبوا أخطاء استراتيجية كبيرة، أبرزها الخلط بين مكافحة الإرهاب وبين إعادة بناء الدول والمجتمعات بالقوة العسكرية.

وهذه التفرقة هي المفتاح لفهم الفصل كله.

نجاح أمني لا يعني انتصارًا استراتيجيًا

بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، دخلت الولايات المتحدة في أوسع حملة لمكافحة الإرهاب في تاريخها الحديث. أُنشئت مؤسسات جديدة، وتوسعت أجهزة الاستخبارات، وتطورت عمليات المراقبة والتعاون الدولي، وأصبحت ملاحقة الشبكات الإرهابية أكثر سرعة واتساعًا.

وبحسب المنظور الذي يقدمه جينكينز، فإن إحدى أهم النتائج التي ينبغي الاعتراف بها هي أن تنظيم القاعدة لم يتمكن من تكرار هجوم مماثل على الأراضي الأمريكية خلال السنوات التالية.

لكن الكاتب يحذر ضمنيًا من تحويل هذه النتيجة إلى استنتاج أبسط من اللازم: عدم وقوع 11 سبتمبر جديدة لا يعني أن كل ما فعلته الولايات المتحدة كان صائبًا، كما أن بقاء الحركة الجهادية لا يعني أن كل جهود مكافحة الإرهاب كانت فاشلة.

فالنتيجة، كما يعرضها الفصل، تقع في المنطقة الوسطى بين الاثنين.

لقد تطورت قدرة الولايات المتحدة على اكتشاف الشبكات الإرهابية وتعطيلها، وأصبحت لديها خبرة أكبر في العمل الاستخباراتي والتنسيق الدولي، لكن ذلك لم يؤد إلى اختفاء الحركة الجهادية. لقد أجبرها، في المقابل، على التكيف والتغيير.

وهذه نقطة ستتكرر لاحقًا في الدراسة بأشكال مختلفة: عندما يتعرض تنظيم لضغط شديد، فإنه لا يختفي بالضرورة؛ فقد يعيد توزيع قوته، ويغير طريقة عمله، وينقل مركز ثقله إلى بيئات أقل تعرضًا للضغط.

العراق وأفغانستان: حين تحولت مكافحة الإرهاب إلى مشروع لإعادة تشكيل الدول

يضع جينكينز واحدة من أهم الملاحظات النقدية في التجربة الأمريكية بعد 11 سبتمبر: الخلط بين القضاء على تهديد إرهابي محدد وبين إعادة هندسة دولة ومجتمع كامل.

كانت ملاحقة تنظيم القاعدة في بدايات الحرب هدفًا محددًا نسبيًا. لكن الحرب في أفغانستان، ثم غزو العراق، تطورا إلى مشاريع عسكرية وسياسية ضخمة لإعادة بناء مؤسسات الدولة وإعادة تشكيل البيئة السياسية.

وهنا ظهرت مشكلة استراتيجية كبرى.

فالقوة العسكرية التي يمكن استخدامها لتدمير معسكر تدريب أو ملاحقة خلية إرهابية ليست بالضرورة الأداة المناسبة لبناء دولة مستقرة أو حل الانقسامات السياسية والاجتماعية المتجذرة.

ومن هذا المنظور، يرى الفصل أن الولايات المتحدة دفعت ثمنًا باهظًا عندما توسعت الحرب على الإرهاب من مهمة أمنية محددة إلى مشاريع طويلة الأمد لبناء الدول.

ولم تكن المشكلة في التكلفة المادية والبشرية فقط، وإنما في أن هذه الحروب الطويلة خلقت بيئات جديدة تستطيع التنظيمات المسلحة استغلالها.

وهنا تظهر إحدى مفارقات الحرب على الإرهاب: الحملة التي تهدف إلى إضعاف الجماعات الجهادية يمكن أن تنتج، إذا أسيء تصميمها، ظروفًا تساعد جماعات جديدة على الظهور.

درس 11 سبتمبر: الفشل لم يكن في المعلومات وحدها

هناك درس آخر مهم في الفصل يتعلق بهجمات 11 سبتمبر نفسها. فالكاتب يلفت إلى أن المشكلة لم تكن ببساطة أن أجهزة الأمن الأمريكية لم تكن تمتلك أي معلومات عن تنظيم القاعدة. بل إن جزءًا من المشكلة كان في كيفية تصور التهديد وربط المعلومات المتفرقة ببعضها.

بمعنى آخر، لم يكن السؤال فقط: هل كانت هناك معلومات؟

بل كان السؤال الأهم: هل امتلكت المؤسسات الخيال الاستراتيجي الكافي لتصور ما يمكن أن تفعله مجموعة مثل القاعدة؟

وهذا يقود إلى فكرة ستصبح أكثر أهمية في الفصول اللاحقة: أخطر نقاط الضعف ليست دائمًا نقص المعلومات، وإنما أحيانًا سوء تفسيرها، أو افتراض أن المستقبل سيكرر الماضي بالطريقة نفسها.

فإذا اعتادت المؤسسات على نمط معين من التهديد، فقد تصبح أقل استعدادًا عندما يتغير ذلك النمط.

لا تخلطوا بين الإرهاب والحرب

من أهم الأفكار التي يطرحها جينكينز أن الإرهاب، رغم خطورته، ليس بالضرورة حربًا تقليدية يمكن إنهاؤها بإعلان النصر. الجماعات الإرهابية لا تحتاج إلى امتلاك جيش نظامي أو دولة كاملة حتى تبقى قادرة على العمل. ويمكنها أن تتعرض لخسائر هائلة، ثم تعيد تنظيم نفسها في بيئة أخرى.

ولهذا فإن مكافحة الإرهاب تحتاج إلى قدر من الاستمرارية والواقعية؛ أي المحافظة على قدرة استخباراتية وأمنية تمنع الجماعات من إعادة بناء شبكاتها، دون الوقوع في فخ تحويل كل تهديد إرهابي إلى حرب شاملة.

وهذه الفكرة بالذات تساعد على فهم أحد الانتقادات الرئيسية التي ستظهر في نهاية الدراسة: المشكلة ليست فقط في المبالغة في رد الفعل، وإنما أيضًا في الانتقال من المبالغة إلى الإهمال.

فبعد 11 سبتمبر كان الخطر هو أن تصبح مكافحة الإرهاب عدسة ترى من خلالها واشنطن كل شيء.

أما الخطر في المرحلة الجديدة فهو أن تصبح مكافحة الإرهاب هامشية إلى درجة تفقد معها المؤسسات خبرتها وذاكرتها وقدرتها على ملاحظة التحولات.

المفارقة الكبرى: الحركة تغيرت أكثر مما تغيرت أهدافها

إذا جمعنا أفكار الفصل، تظهر أمامنا مفارقة مهمة. الحرب التي بدأت بهدف تفكيك تنظيم القاعدة لم تُنهِ الحركة الجهادية العالمية. لكنها أجبرتها على التطور. لقد أصبحت التنظيمات أكثر قدرة على العمل بطريقة لامركزية، وظهرت فروع وشبكات في مناطق لم تكن في صدارة المشهد عام 2001.

وهذا يقودنا إلى الفكرة التي ستصبح مركزية في الفصول التالية: الهزيمة العسكرية لتنظيم معين لا تعني بالضرورة هزيمة الحركة التي ينتمي إليها. فالقاعدة خسرت قيادات ومواقع، وتنظيم الدولة خسر الأراضي التي سيطر عليها في العراق وسوريا، لكن نمط التنظيمات الجهادية نفسه أصبح أكثر انتشارًا وتكيفًا. ومن هنا فإن السؤال لم يعد: أين توجد القاعدة؟ ولا: أين توجد دولة تنظيم “الخلافة؟”، بل أصبح: أين تستطيع الشبكات الجهادية أن تجد بيئة سياسية وأمنية واجتماعية تسمح لها بإعادة بناء قوتها؟ وهذا التحول في طريقة طرح السؤال هو الذي يأخذنا تدريجيًا من أفغانستان والعراق إلى إفريقيا، ومن التنظيم المركزي إلى الفروع المحلية.

خلاصة الفصل الأول

الفصل الأول لا يقول إن الحرب على الإرهاب كانت فشلًا كاملًا، ولا يقدمها باعتبارها انتصارًا مكتملًا. رسالته الأساسية أكثر توازنًا: لقد نجحت الولايات المتحدة في بناء قدرات أمنية واستخباراتية قللت بدرجة كبيرة من قدرة التنظيمات الجهادية على تنفيذ هجمات ضخمة على أراضيها، لكنها أخطأت عندما وسعت مهمة مكافحة الإرهاب إلى مشاريع عسكرية وسياسية ضخمة لإعادة تشكيل دول ومجتمعات.

والدرس الأهم الذي يمهد به جينكينز لبقية الدراسة هو أن الإرهاب لا يُقاس فقط بعدد الهجمات التي تقع في لحظة معينة. فقد يكون التنظيم ضعيفًا اليوم لكنه يعيد بناء نفسه، وقد تتراجع التهديدات في منطقة بينما تنتقل إلى منطقة أخرى.

ومن هنا يمكن فهم الفكرة الكبرى التي ستتطور مع الفصول التالية: بعد 25 عامًا من 11 سبتمبر، ربما لم يعد الخطر الأكبر هو أن تعود القاعدة إلى تنفيذ نسخة مطابقة من هجوم 2001، وإنما أن يتغير شكل التهديد بينما تستمر الدول في الاستعداد لمواجهة الشكل القديم منه.

وهنا تحديدًا تبدأ أهمية الفصل الثاني؛ لأن دانيال بايمان ينتقل من سؤال: ماذا فعلنا بعد 11 سبتمبر؟ إلى سؤال أكثر حدة: ما الأخطاء التي ارتكبناها أصلًا في فهم طبيعة ذلك الهجوم والتهديد الذي مثله؟

الفصل الثاني: سوء فهم 11 سبتمبر – خمسة أخطاء غيّرت طريقة النظر إلى الإرهاب

إذا كان الفصل الأول قد قدّم حصيلة عامة للحرب على الإرهاب، فإن دانيال بايمان في الفصل الثاني يقوم بشيء أكثر جرأة: يعيد فتح ملف التفكير الأمريكي نفسه بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001.

فبعد 25 عامًا، يقول بايمان إن الولايات المتحدة نجحت في منع هجوم جهادي آخر واسع النطاق على أراضيها، كما أن تنظيم القاعدة المركزي لم ينفذ هجومًا في الولايات المتحدة أو أوروبا منذ أكثر من عقد، ولم تتحقق المخاوف التي سادت بعد 11 سبتمبر بشأن حصول التنظيمات الإرهابية على أسلحة كيميائية أو بيولوجية أو إشعاعية أو نووية.

لكن نجاح مكافحة الإرهاب لا يعني أن كل التقديرات التي بُنيت عليها السياسات الأمريكية كانت صحيحة. على العكس، يرى بايمان أن السنوات التي أعقبت 11 سبتمبر شهدت خمسة أخطاء تحليلية رئيسية، وأن فهم هذه الأخطاء ضروري حتى لا تنتقل الولايات المتحدة من المبالغة في تقدير الخطر إلى التقليل من شأنه.

الخطأ الأول: التعامل مع 11 سبتمبر باعتباره بداية لسلسلة هجمات أكثر فتكًا

ربما كان أكبر الأخطاء هو النظر إلى هجمات 11 سبتمبر باعتبارها نموذجًا للمستقبل، لا باعتبارها حدثًا استثنائيًا.

بعد سقوط برجي مركز التجارة العالمي واستهداف البنتاغون، أصبح السؤال في واشنطن ليس فقط: هل تستطيع القاعدة تنفيذ هجوم آخر؟ وإنما: هل سيكون الهجوم القادم أكثر تدميرًا؟

انتشرت آنذاك مخاوف واسعة من استخدام الإرهابيين أسلحة غير تقليدية، ووصلت بعض التقديرات إلى توقعات شديدة التشاؤم. ويشير بايمان إلى أن عالم السياسة جون مولر طرح في 2002 فكرة استفزازية في ذلك الوقت: ربما كان 11 سبتمبر حدثًا شاذًا واستثنائيًا من حيث حجم الخسائر، وليس بالضرورة بداية تصاعد مستمر في حجم الهجمات. لكن المزاج السياسي والأمني الأمريكي اتجه إلى الاتجاه الآخر.

لقد أصبحت فرضية «هجوم 11 سبتمبر آخر قد يحدث غدًا» مؤثرة للغاية في صناعة السياسة، وأسهمت في تبني سياسات أكثر اندفاعًا. المشكلة هنا، بحسب بايمان، ليست أن الولايات المتحدة كان ينبغي أن تتجاهل احتمال وقوع هجمات جديدة؛ فهذا سيكون خطأ معاكسًا. وإنما أن حدثًا استثنائيًا جرى تحويله إلى خط أساس دائم لتقدير المستقبل. وهذا فرق بالغ الأهمية.

فإذا افترضت الأجهزة الأمنية أن كل هجوم مقبل سيكون أكبر من سابقه، فقد تصبح مستعدة لإنفاق موارد هائلة لمواجهة سيناريوهات نادرة، بينما تهمل في المقابل أساليب أكثر احتمالًا وأقل دراماتيكية.

الخطأ الثاني: التقليل من قدرة الضغط المستمر على إضعاف التنظيمات

المفارقة أن الخطأ الأول قاد إلى خطأ ثانٍ. فبينما بالغت الولايات المتحدة في تقدير احتمال تكرار 11 سبتمبر، قللت في المقابل من تقدير مدى فعالية الضغط المستمر على الجماعات الجهادية.

توضح الدراسة أن التنظيمات الإرهابية ليست كيانات ثابتة تملك قوة محددة لا تتغير. فالضغط الاستخباراتي والأمني والعسكري المستمر يمكن أن يقتل القيادات، ويفكك الشبكات، ويصعّب التمويل والتجنيد والتخطيط. وبعبارة أخرى، فإن التنظيمات الجهادية قابلة للإضعاف بدرجة كبيرة.

وهذه نقطة في حجة بايمان؛ لأنه لا يريد أن يقود نقده للحرب على الإرهاب إلى استنتاج أن مكافحة الإرهاب غير مجدية. بل العكس. هو يرى أن الولايات المتحدة أثبتت قدرتها على خفض مستوى التهديد، لكنها أخطأت عندما لم تضبط حجم استجابتها بما يتناسب مع طبيعة الخطر.

ولهذا يخلص في نهاية الفصل إلى أن الدرس ليس الاسترخاء أو التخلي عن مكافحة الإرهاب، وإنما «المعايرة»: الحفاظ على الأدوات التي نجحت، مع تجنب ردود الفعل المكلفة والمبالغ فيها.

الخطأ الثالث: الاعتقاد بأن كل ملاذ غير خاضع للحكم يمكن أن يصبح أفغانستان جديدة

هنا ينتقل بايمان إلى واحد من أكثر الأخطاء أهمية. بعد 11 سبتمبر، أصبح هناك خوف شديد من المناطق غير الخاضعة لسيطرة الدولة. فإذا كانت القاعدة قد استطاعت استخدام أفغانستان كملاذ قبل 2001، فقد بدا منطقيًا أن أي منطقة تعاني من ضعف الدولة يمكن أن تتحول إلى «أفغانستان جديدة». لكن بايمان يرى أن هذا الاستنتاج كان خاطئًا. فأفغانستان التي سبقت 11 سبتمبر كانت حالة استثنائية؛ إذ اجتمعت فيها ظروف سياسية وتنظيمية وجغرافية نادرة، وكان تنظيم القاعدة يتمتع بعلاقة خاصة مع نظام طالبان، سمحت له باستخدام الأراضي الأفغانية للتدريب والتخطيط وبناء شبكاته. وليس كل فراغ أمني قادرًا على إنتاج الظروف نفسها.

وهذا الاستنتاج مهم للغاية عند قراءة بقية الدراسة، لأننا سنصل لاحقًا إلى الصومال والساحل وإفريقيا.

فوجود منطقة ضعيفة الدولة لا يعني تلقائيًا أنها ستصبح قاعدة لإرهاب عابر للحدود.

لكن الخطأ المعاكس أيضًا خطير: بعض المناطق التي تبدو محلية قد تتطور فعلًا إلى مراكز ذات أهمية عالمية. إذن المطلوب ليس قاعدة بسيطة من نوع «كل دولة ضعيفة = تهديد إرهابي»، وإنما فهم الخصائص الفعلية للمنطقة والتنظيم والعلاقات التي تنشأ بينها.

الخطأ الرابع: التقليل من الانقسامات داخل المعسكر الجهادي

هذا الخطأ من أكثر أفكار الفصل إثارة للاهتمام. بعد 11 سبتمبر، جرى أحيانًا التعامل مع «الجهاديين» باعتبارهم كتلة واحدة متماسكة تشترك في الهدف نفسه وتتحرك في اتجاه واحد. لكن الواقع كان أكثر تعقيدًا.

فالحركة الجهادية شهدت خلافات أيديولوجية واستراتيجية وتنظيمية عميقة، سواء بين القاعدة وتنظيم الدولة لاحقًا، أو بين الجماعات المحلية نفسها، أو داخل التنظيمات وبين قياداتها وقواعدها.

وبالتالي فإن عدوًا واحدًا على الخريطة لا يعني بالضرورة جبهة واحدة في الواقع. وهذه الانقسامات يمكن أن تكون مصدر ضعف حقيقي للجماعات الجهادية.

بل إن بايمان يرى أن بعض السياسات الأمريكية بالغت في تصور قدرة هذه التنظيمات على الاتحاد والتنسيق، بينما كان الواقع أكثر تنافسًا وانقسامًا. وهذه الفكرة ستصبح لاحقًا شديدة الأهمية عندما تتناول الدراسة العلاقة بين القاعدة وتنظيم الدولة، ثم الشبكات المختلفة في الصومال وجنوب آسيا.

فالخريطة الجهادية ليست شبكة متماسكة بالضرورة؛ إنها بيئة تنافسية تتغير فيها التحالفات والخصومات بحسب المصالح والظروف.

الخطأ الخامس: المبالغة في قدرة الولايات المتحدة على تغيير المجتمعات والسياسة

وهنا يصل بايمان إلى الخطأ الذي يربطه مباشرة بحربي العراق وأفغانستان. لقد أوجدت صدمة 11 سبتمبر رغبة مفهومة في الولايات المتحدة في إنهاء الخطر نهائيًا.

لكن هذه الرغبة تحولت تدريجيًا إلى اعتقاد بأن الولايات المتحدة تستطيع، بالقوة العسكرية والضغط السياسي، إعادة تشكيل مجتمعات ودول بأكملها، وخصوصًا في الشرق الأوسط. وهذا، في نظر بايمان، كان تقديرًا مبالغًا فيه للقدرة الأمريكية.

فالولايات المتحدة تستطيع ضرب تنظيم، وتفكيك شبكة، وقتل قيادات، وملاحقة ممولين، وتعزيز أجهزة أمنية محلية. لكن ذلك شيء مختلف تمامًا عن إعادة بناء مجتمع أو تغيير بنيته السياسية والثقافية.

ولهذا يؤكد الكاتب أن الولايات المتحدة أثبتت قدرتها على خفض التهديد الإرهابي الذي يصل إلى الأراضي الأمريكية من دون الحاجة إلى إصلاح الشرق الأوسط أو الانخراط في إجراءات ضخمة ومكلفة لمكافحة الإرهاب. وهذه ربما تكون أهم جملة سياسية في الفصل كله.

من «الحرب على الإرهاب» إلى سياسة أكثر دقة

بعد عرض الأخطاء الخمسة، لا يدعو بايمان إلى الانسحاب من مكافحة الإرهاب. وهذه نقطة يجب عدم إغفالها.

هو لا يقول إن التهديد الجهادي انتهى، ولا إن الولايات المتحدة تستطيع تجاهله. بل يرى أن الإرهاب سيبقى مشكلة أمنية مستمرة، لكنه لن يسير بالضرورة في خط تصاعدي دائم، ولن يختفي بالكامل أيضًا. لذلك يقترح ما يسميه المعايرة. أي أن تكون الاستجابة متناسبة مع مستوى الخطر.

لا إفراط يؤدي إلى حروب طويلة ومكلفة وإعادة هندسة مجتمعات بأكملها، ولا تفريط يؤدي إلى فقدان القدرة الاستخباراتية والأمنية.

والصيغة التي يقترحها تقوم على ثلاثة عناصر: ضغط استخباراتي وقانوني مستمر، واستخدام محدود للقوة العسكرية ضد الملاذات الحقيقية، وفهم واضح لنقاط ضعف التنظيمات الإرهابية.

المفارقة التي يكشفها الفصل

إذا جمعنا الأخطاء الخمسة، نجد أن بايمان يحذر من مشكلتين متناقضتين تمامًا.

الأولى: المبالغة في الخطر. وهي التي ساعدت على إنتاج الحروب الطويلة، والتوسع العسكري، ومحاولات إعادة تشكيل الدول.

والثانية: التقليل من الخطر. وهو ما يمكن أن يحدث عندما تنخفض أولوية مكافحة الإرهاب، أو عندما تفترض الحكومات أن التنظيمات التي تراجعت اليوم لن تعود غدًا.

وهنا تصبح كلمة «المعايرة» أهم مفهوم في الفصل. فالسياسة التي يدعو لها البحث ليست أن تقول: «الإرهاب انتهى». وليست أن تقول: «11 سبتمبر جديد سيقع غدًا». بل أن تقول:

التهديد موجود، لكنه متغير؛ يمكن إضعافه، لكنه لا يختفي؛ ويجب مراقبته من دون أن تتحول مراقبته إلى هوس يعيد تشكيل السياسة الخارجية بأكملها.

ومن هنا تبدأ المشكلة الجديدة

الفصل الثاني يتركنا أمام سؤال بالغ الأهمية ستعود إليه الدراسة لاحقًا: إذا كان الخطأ بعد 11 سبتمبر هو المبالغة في تقدير التهديد، فماذا يحدث عندما ينتقل العالم إلى الطرف المقابل، ويبدأ في التقليل من شأنه؟

وهذا ليس سؤالًا نظريًا. فالدراسة نفسها تشير إلى أن الإرهاب الجهادي لم يعد يحتل المكانة التي كان يحتلها في السياسة الأمريكية بعد 11 سبتمبر؛ ففي حين كان الإرهاب يُنظر إليه عام 2002 باعتباره تهديدًا حاسمًا لدى تسعة من كل عشرة أمريكيين، لم يعد الإرهاب الدولي حاضرًا ضمن أبرز المخاوف التي أظهرتها استطلاعات 2026 المذكورة في الدراسة، كما أن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2025 أعطت الأولوية لمنافسة القوى الكبرى وقضايا أخرى.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: ربما تعلمت الولايات المتحدة من 11 سبتمبر ألا تبالغ في تقدير الإرهاب، لكنها قد تقع في خطأ جديد إذا بالغت في التقليل من شأنه. وهذه النقطة تحديدًا هي الجسر الذي يقودنا إلى الفصل الثالث لدون راسلر، الذي يعود إلى تجربة لجنة 11 سبتمبر ويسأل سؤالًا أكثر إثارة للقلق:

ليس فقط: ماذا أخطأنا في فهم الماضي؟ بل: هل نحن اليوم مستعدون لرؤية التهديد القادم قبل أن يتحول إلى مفاجأة؟

ومن هنا تنتقل الدراسة من تحليل أخطاء الماضي إلى محاولة استشراف مفاجآت المستقبل.

الفصل الثالث: الاستشراف والماضي – كيف تفاجئنا الحركات الجهادية؟

بعد أن استعرض دانيال بايمان في الفصل السابق الأخطاء التي وقعت فيها الولايات المتحدة في تفسير هجمات 11 سبتمبر وما أعقبها، يأتي دون راسلر ليطرح سؤالًا أكثر عمقًا:

ماذا لو لم تكن المشكلة في أننا لا نملك المعلومات، وإنما في أننا لا نعرف كيف نتخيل المستقبل؟

هذا هو المدخل الذي يبني عليه راسلر فصله. فهو يعود إلى تجربة 11 سبتمبر، وإلى تقرير لجنة التحقيق في الهجمات، ثم يحاول أن يستخلص منه درسًا للمستقبل: المفاجآت الكبرى لا تأتي دائمًا من غياب المؤشرات، بل قد تأتي من وجود المؤشرات دون أن تجد من يجمعها في صورة واحدة.

وهذه الفكرة تبدو بسيطة، لكنها من أخطر أفكار الدراسة كلها.

11 سبتمبر لم يكن بلا مؤشرات

أحد أهم الدروس التي يستعيدها الفصل هو أن هجمات 11 سبتمبر لم تظهر من فراغ. كانت هناك إشارات وتحذيرات ومعلومات متفرقة قبل الهجوم، لكن المشكلة كانت في القدرة على ربط هذه الإشارات وفهم دلالتها الاستراتيجية.

وهنا يظهر الفرق بين امتلاك المعلومة وبين امتلاك القدرة على استشراف الخطر. قد تعرف أجهزة الأمن أن جماعة ما تسعى إلى تطوير قدراتها، وأنها مهتمة بالطيران، وأن أفرادًا تابعين لها يتحركون في دول مختلفة، وأنها تبحث عن وسائل جديدة للهجوم؛ لكن كل معلومة منفردة قد تبدو محدودة الأهمية.

المشكلة تبدأ عندما تتجمع هذه النقاط ولا ينجح أحد في رسم الصورة الكاملة. ولهذا فإن راسلر لا يتعامل مع «المفاجأة» باعتبارها أمرًا لا يمكن منعه، بل باعتبارها شيئًا يمكن تقليل احتماله من خلال تحسين القدرة على التفكير في المستقبل.

موجة التهديد وموجة الاهتمام

من الأفكار المحورية التي يعرضها راسلر مفهوم يمكن وصفه بـ «الموجة الجيبية» أو دورة المد والجزر في العلاقة بين التهديد ومكافحته. فالاهتمام بالإرهاب لا يبقى ثابتًا. عندما يقع هجوم كبير، ترتفع المخاوف، وتزداد الموارد، وتكبر المؤسسات، ويتوسع العمل الاستخباراتي.

ثم، مع انخفاض مستوى التهديد، يبدأ الاهتمام بالتراجع، وتنخفض الموارد، وتتجه المؤسسات إلى قضايا أخرى. لكن المشكلة أن التنظيمات الإرهابية لا تختفي بالضرورة أثناء انحسار الاهتمام بها.

قد تكون هي أيضًا في مرحلة إعادة بناء أو تغيير أو انتقال إلى منطقة جديدة. وهنا تنشأ فجوة خطيرة:

التهديد يتغير في الوقت الذي يتراجع فيه الانتباه إليه. وهذه الفكرة ستصبح لاحقًا من أهم مفاتيح فهم الدراسة كلها.

التنظيمات الجهادية لا تتوقف عن التطور

يرى راسلر أن أحد الثوابت خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية هو قدرة التنظيمات الجهادية على التكيف. قد تتعرض لضربة عسكرية، فتغير قيادتها. قد تفقد ملاذًا، فتنتقل إلى بيئة أخرى. قد تُحاصر ماليًا، فتبحث عن مصادر تمويل جديدة. وقد تُحرم من القدرة على تنفيذ هجمات كبيرة، فتنتقل إلى أساليب أصغر وأكثر انتشارًا. وبذلك فإن تقييم قوة الحركة الجهادية اعتمادًا على عدد الهجمات أو حجم الأراضي التي تسيطر عليها في لحظة معينة قد يكون مضللًا.

فالتراجع الظاهر يمكن أن يكون أحيانًا مرحلة انتقالية. والتنظيم الذي يبدو محليًا اليوم قد يطور خلال سنوات قدرة على التواصل أو التمويل أو التجنيد خارج حدوده.

من التنظيم إلى الشبكة

وهنا يصل الفصل إلى تحول أساسي في طبيعة الحركة الجهادية. فالعالم الذي واجهته الولايات المتحدة في 2001 كان يرى تنظيم القاعدة باعتباره المركز الأساسي للحركة. أما بعد ربع قرن، فقد أصبحت الصورة أكثر تعقيدًا.

هناك تنظيمات وفروع وجماعات محلية، بعضها مرتبط بالقاعدة، وبعضها بتنظيم الدولة، وبعضها يعمل في بيئات محلية بدرجة كبيرة، لكن بينها قنوات للتأثير والتعلم والتواصل والتمويل والأفكار.

وهذا يعني أن السؤال القديم: «أين يوجد التنظيم؟» لم يعد كافيًا. والسؤال الأكثر أهمية أصبح:

«كيف تنتقل الخبرة والأفكار والموارد والقدرات بين هذه البيئات؟»

وهنا تكمن أهمية الشبكات. فقد لا تحتاج جماعة محلية إلى أن تصبح فرعًا رسميًا لتنظيم عالمي حتى تصبح جزءًا من مشهد أوسع.

الخطر لا يأتي دائمًا من أقوى تنظيم

من النقاط المهمة في الفصل أن القدرة على إحداث مفاجأة لا ترتبط بالضرورة بحجم التنظيم. فقد يكون تنظيم ما كبيرًا ومسلحًا ويسيطر على مناطق واسعة، لكنه يكون تحت مراقبة شديدة. وفي المقابل، قد تكون مجموعة صغيرة أو خلية محدودة أكثر قدرة على الإفلات من الرصد. ولهذا يحذر راسلر من التركيز المفرط على المؤشرات التقليدية للقوة.

فالتهديد قد ينشأ من تقاطع عدة عوامل صغيرة: تنظيم محلي، وتكنولوجيا متاحة تجاريًا، ومقاتلون يمتلكون خبرة، وشبكة إلكترونية، وفرصة أمنية، وصراع سياسي يوفر بيئة مناسبة. كل عنصر بمفرده قد لا يبدو استثنائيًا. لكن اجتماعها قد ينتج شيئًا جديدًا. وهذه بالضبط هي طبيعة المفاجأة الاستراتيجية.

التكنولوجيا: المفاجأة القادمة قد تكون أمام أعيننا

من أكثر أجزاء الفصل أهمية حديثه عن التكنولوجيا. فالتنظيمات الجهادية خلال السنوات الماضية لم تكن مجرد جماعات تتبنى أفكارًا قديمة، بل أظهرت قدرة مستمرة على استغلال الأدوات الجديدة.

والدراسة تستشهد لاحقًا بالطائرات المسيّرة بوصفها مثالًا واضحًا على مشكلة الاستشراف. فقد ظهرت مؤشرات مبكرة على اهتمام جماعات إرهابية بالطائرات الصغيرة التي يتم التحكم فيها عن بعد، ومع ذلك لم تكن المؤسسات الأمنية مستعدة بما يكفي عندما بدأ تنظيم الدولة في توظيف الطائرات التجارية المسيّرة في العمليات. والدرس هنا ليس متعلقًا بالطائرات المسيّرة وحدها. بل هو أوسع:

الأداة التي تبدو تجارية ومدنية اليوم قد تصبح جزءًا من منظومة تهديد غدًا. وهذا ينطبق بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي وغيره من التقنيات المتاحة على نطاق واسع.

ولهذا تؤكد الدراسة أن الحكومات تحتاج إلى مراقبة وظائف التكنولوجيا وإمكانات إساءة استخدامها، لا مجرد مراقبة الأسلحة التقليدية التي تعرفها مسبقًا.

لا تبحث عن نسخة جديدة من 11 سبتمبر

ربما أهم درس في الفصل هو أن الاستعداد للمستقبل لا يعني البحث عن نسخة مطابقة لهجمات 2001. فلو كانت الأجهزة تبحث فقط عن طائرات مختطفة، أو خلايا مشابهة، أو مخطط مشابه، فقد تفوتها الطريقة الجديدة التي قد تختارها جماعة ما.

وهذا أحد أسباب أهمية ما يسمى في الدراسة «تتبع التهديد وظيفيًا»؛ أي ألا نسأل فقط: ما الذي فعلته التنظيمات سابقًا؟ بل نسأل: ما المشكلة التي تحاول الجماعة حلها؟ وما الأدوات التي أصبحت متاحة أمامها لتحقيق ذلك؟ فإذا كان هدفها الوصول إلى هدف بعيد، فقد تبحث عن وسيلة جديدة. وإذا كانت بحاجة إلى التمويل، فقد تستغل اقتصادًا محليًا. وإذا كانت بحاجة إلى التأثير، فقد تستخدم الإعلام والمنصات الرقمية. وإذا كانت بحاجة إلى القوة الجوية، فقد تبحث عن تقنيات تجارية توفر لها جزءًا من هذه القدرة. وهكذا يصبح فهم الوظيفة أهم من حفظ النمط القديم.

لماذا يجب دراسة الإخفاقات والمواقف التي كادت أن تتحول إلى كوارث؟

يؤكد راسلر على أهمية دراسة ليس فقط الهجمات التي وقعت، وإنما أيضًا المخططات التي فشلت، والحوادث التي كادت أن تنجح، والمؤشرات التي لم تُفهم في وقتها. فالعملية الفاشلة يمكن أن تكون نافذة على المستقبل. إذا حاول تنظيم ما استخدام وسيلة معينة وفشل، فهذا لا يعني أن الفكرة انتهت. قد يعود إليها لاحقًا بعد تطويرها. وهذا هو السبب الذي يجعل «المواقف الوشيكة» مهمة بقدر أهمية الهجمات الناجحة. فالعدو نفسه يتعلم من فشله. وإذا لم تتعلم المؤسسات من تلك المحاولات، فإنها قد تواجه في المستقبل نسخة أكثر تطورًا من المحاولة نفسها.

المشكلة ليست فقط في نقص الموارد

قد يبدو أن الحل بسيط: زيادة الأموال والأجهزة والموظفين. لكن راسلر يقدم رؤية أكثر تعقيدًا. فالمؤسسات تحتاج أيضًا إلى مساحات مخصصة للتفكير خارج الأنماط السائدة. أي أن تسأل: ماذا لو كان افتراضنا الأساسي خاطئًا؟ ماذا لو انتقل التهديد إلى منطقة أخرى؟ ماذا لو تعاونت جماعات كنا نعتقد أنها متنافسة؟ ماذا لو استخدمت الجماعات تقنية مدنية بطريقة لم نتوقعها؟ وماذا لو أصبح تنظيم صغير مهمًا بسبب موقعه داخل شبكة أوسع، لا بسبب حجمه العسكري؟

هذا النوع من التفكير الاستشرافي هو ما يساعد المؤسسات على اكتشاف التغير قبل أن يصبح أزمة.

المفارقة الخطيرة في عام 2026

وهنا يصل الفصل إلى النقطة التي تربطه مباشرة بالمقدمة وبالفصلين السابقين. إذا كانت إحدى مشكلات ما بعد 11 سبتمبر هي المبالغة في تقدير الخطر، فإن المشكلة اليوم قد تصبح معاكسة: تراجع الاهتمام بالتهديد في وقت تتغير فيه طبيعته.

وتشير الدراسة إلى أن تقلص الموارد المخصصة لمكافحة الإرهاب، في وقت أصبحت فيه التهديدات أكثر انتشارًا وتنوعًا، قد يضع الولايات المتحدة وحلفاءها في وضع أسوأ عندما يتعلق الأمر بالتنبؤ بما سيأتي. وهنا يصبح درس 11 سبتمبر مختلفًا تمامًا. ليس المطلوب أن نعيش في حالة خوف دائم. وليس المطلوب أن نفترض أن هجومًا كارثيًا سيقع حتمًا. بل المطلوب أن نحافظ على القدرة على رؤية التحولات قبل أن تنضج.

من أفغانستان إلى الصومال

وهذا يقودنا إلى واحدة من أهم نقاط الانتقال في الدراسة. فإذا كانت المؤسسات الأمريكية قد أخطأت قبل 11 سبتمبر في قراءة البيئة التي كانت تتشكل حول تنظيم القاعدة، فإن السؤال اليوم هو: أين تتشكل البيئة الجديدة؟

وهنا ستأتي إجابة الدراسة في الفصل التالي بقوة: الصومال.

ليس لأن الصومال أصبح نسخة من أفغانستان في 2001، فهذه مقارنة مبسطة ترفضها منطقية الفصل الثاني نفسه، وإنما لأن الصومال يمثل نموذجًا مختلفًا: جماعة جهادية محلية ذات جذور عميقة في الصراع الداخلي، لكنها تطورت إلى كيان أكثر قدرة على التمويل والحكم والتكيف، إلى جانب وجود تنظيم الدولة في الصومال وشبكاته المالية. ولهذا تصف الدراسة التحول بأنه انتقال للصومال من الهامش إلى مركز الثقل داخل المشهد الجهادي العالمي.

خلاصة الفصل الثالث

الفصل الثالث يقدم لنا درسًا ربما يكون أهم من مجرد «الاستعداد لهجوم إرهابي»: المفاجأة لا تأتي دائمًا لأن العدو كان غير مرئي، بل لأننا لم نعرف كيف نقرأ ما كان أمامنا.

خلال ربع قرن، أثبتت الحركة الجهادية قدرة مستمرة على التكيف، بينما مرت المؤسسات المكافحة للإرهاب بدورات من الاهتمام والإنفاق والتراجع. والخطر في المرحلة المقبلة ليس بالضرورة أن يظهر تنظيم أقوى من القاعدة أو تنظيم الدولة في صورته المعروفة. قد يكون الخطر في تحالفات أو تقاطعات لم تكن متوقعة، أو انتقال جماعة محلية إلى دور إقليمي، أو استخدام جديد لتكنولوجيا تجارية، أو اجتماع عدة عوامل صغيرة في بيئة سياسية مضطربة.

وهكذا تصبح مهمة مكافحة الإرهاب في المستقبل أقل ارتباطًا بمطاردة «الاسم المعروف»، وأكثر ارتباطًا بفهم كيف تتحرك البيئة نفسها، وكيف تتغير الشبكات، وكيف تنتقل الأفكار والموارد والخبرات من ساحة إلى أخرى. وهذا بالضبط ما يجعل الفصل الرابع بالغ الأهمية؛ لأنه يأخذنا من النظرية إلى حالة واقعية محددة: الصومال… كيف انتقلت حركة الشباب المجاهدين وتنظيم الدولة في الصومال من كونها ظاهرة هامشية في المشهد الجهادي عام 2001 إلى أن تصبح الصومال، بحسب الدراسة، واحدة من أهم مراكز الثقل في الحركة الجهادية العالمية عام 2026؟

الفصل الرابع: الصومال من الهامش إلى قلب الحركة الجهادية العالمية

بقلم تريشيا بيكون.

إذا كانت الفصول السابقة قد ناقشت كيف أخطأت الولايات المتحدة في فهم طبيعة التهديد الجهادي، وكيف يمكن أن تؤدي المبالغة في تقديره إلى سياسات خاطئة، فإن تريشيا بيكون تقدم في هذا الفصل حالة تكاد تختصر ربع قرن من تلك الأخطاء: الصومال.

ففي عام 2001، لم يكن الصومال مركزًا للحركة الجهادية السنية، بل كان، بحسب تعبير الكاتبة، أقرب إلى «منطقة هامشية» بالنسبة إليها. أما بعد خمسة وعشرين عامًا، فقد أصبح البلد الحالة الوحيدة التي تضم في الوقت نفسه فرعين مهمين لكل من تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، ولكل منهما وظيفة مختلفة داخل الشبكة الجهادية العالمية.

وهنا تكمن المفارقة التي يبني عليها الفصل حجته: الصومال لم يصبح مركزًا للجهادية العالمية لأن تنظيمًا واحدًا استولى على الدولة، بل لأن تنظيمين مختلفين استطاعا بناء نوعين مختلفين من القوة؛ أحدهما محلي ذو قدرة شبه دولاتية، والآخر محدود عسكريًا لكنه شديد الأهمية ماليًا وتنظيميًا على المستوى العالمي.

من خلية صغيرة إلى تمرد واسع

تبدأ بيكون من مرحلة سبقت صعود حركة الشباب المجاهدين.

فقد كان للقاعدة حضور سابق في القرن الإفريقي، إذ اتخذت السودان مقرًا لها بين عامي 1992 و1996، ونفذت تفجيرات سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام عام 1998. كما أرسلت في تسعينيات القرن الماضي مستشارين لمساعدة جماعة الاتحاد الإسلامي في الصومال، لكن التجربة بقيت محدودة ولم تتحول إلى حركة جهادية واسعة داخل البلاد.

بعد هجمات 11 سبتمبر، فر عدد من عناصر القاعدة الذين نفذوا هجمات مومباسا عام 2002 إلى الصومال، حيث وجدوا حماية من مؤيدين صوماليين. لكن هؤلاء لم يكونوا آنذاك تنظيمًا قويًا أو موحدًا، بل شبكة صغيرة تفتقر إلى القيادة المركزية والدعم الشعبي الواسع.

وهنا بدأت سلسلة من التدخلات التي ترى بيكون أنها ساهمت، بصورة غير مباشرة، في إنتاج المشكلة التي كانت واشنطن تحاول منعها.

كانت الولايات المتحدة تخشى أن يتحول الصومال إلى ملاذ يشبه أفغانستان، لكنها لم تكن مستعدة للعودة إلى تدخل عسكري واسع بعد تجربة التسعينيات. ولذلك اعتمدت على أمراء الحرب المحليين، رغم سجلهم في العنف والانتهاكات والابتزاز.

ثم ظهرت المحاكم الإسلامية بوصفها قوة اكتسبت شعبية لأنها قدمت شيئًا افتقده الصوماليون طويلًا: الأمن والقضاء والنظام.

لكن واشنطن رأت في صعودها خطرًا جديدًا، وربطت بينها وبين احتمال توفير ملاذ للقاعدة. فدعمت توحيد أمراء الحرب ضدها، إلا أن النتيجة جاءت عكسية: هُزم أمراء الحرب، وسيطرت المحاكم الإسلامية على مقديشو، واكتسب الجناح “المتشدد” داخلها وفق ما تصفه الدراسة، المعروف بالشباب، نفوذًا متزايدًا بفضل قدرته العسكرية.

ثم جاءت إثيوبيا، بدعم أمريكي، لإسقاط المحاكم الإسلامية. عسكريًا كان الانتصار سريعًا، لكن الاحتلال الإثيوبي أوجد عاملًا جديدًا: المقاومة الوطنية امتزجت بالمقاومة الجهادية.

وهكذا استفادت حركة الشباب المجاهدين من رفض الوجود الإثيوبي، ومن الخطاب الجهادي المناهض لما وصفته بالاحتلال «الصليبي»، وأعادت تشكيل نفسها كتنظيم مستقل يقود التمرد.

وهذه إحدى أهم أفكار الفصل: لم تُنشئ التدخلات الأمريكية حركة الشباب المجاهدين من العدم، لكنها ساعدت على تسريع تحول تهديد محدود إلى تمرد موحد ومنظم.

حركة الشباب المجاهدين: ليست مجرد جماعة مسلحة

بعد ذلك تنتقل بيكون إلى جوهر الفصل: لماذا أصبحت حركة الشباب المجاهدين مختلفة عن كثير من التنظيمات الجهادية؟

الإجابة عندها أن الحركة لا تعمل باعتبارها تنظيمًا إرهابيًا فقط، وإنما تجمع بين ثلاث وظائف:

حكومة ظل، وقوة تمرد مسلحة، وتنظيم إرهابي عابر للحدود.

وترى الكاتبة أن حركة الشباب المجاهدين، بالنظر إلى حجمها، وسيطرتها الإقليمية، واستقلالها المالي، وقدرتها المؤسسية والعسكرية، يمكن اعتبارها أقوى فروع القاعدة، بل من أقوى التنظيمات الجهادية السنية في العالم. وتقدر الدراسة قوتها العسكرية بنحو 7 آلاف إلى 12 ألف مقاتل.

لكن القوة الأهم، في نظر بيكون، ليست عسكرية بالدرجة الأولى. إنها القدرة على الحكم.

فالحركة أنشأت على مدى أكثر من خمسة عشر عامًا منظومة موازية تشمل القضاء، والأمن، والاستخبارات، والجباية، وبعض أشكال الإغاثة. ولديها محاكم شرعية، وأجهزة أمنية، وجيش، ونظام ضرائب، وهيكل إداري يضم مكاتب ومسؤولين محليين. وهذا يفسر جانبًا مهمًا من استمرارها.

فهي لا تعتمد فقط على القوة لإجبار السكان على الخضوع، وإنما تستفيد أيضًا من عجز الدولة عن توفير بعض الوظائف الأساسية. وبالتالي يصبح التعامل معها في بعض المناطق أقرب إلى القبول البراغماتي منه إلى الولاء الأيديولوجي. بحسب تفسيرها.

فالسكان قد يلجؤون إلى محاكمها لأنها أسرع، ويلتزمون بنظامها لأن البديل قد يكون الفوضى.

وهنا تقدم بيكون ملاحظتها: قد لا يحتاج التنظيم إلى أن يحبّه الناس حتى يصبح قادرًا على الحكم؛ يكفي أن يعتمدوا عليه أو يلتزموا بأوامره لأن مؤسسات الدولة البديلة أضعف. وفق تفسيرها.

المال: حين يتحول التنظيم إلى مؤسسة مكتفية ذاتيًا

من أخطر جوانب تجربة حركة الشباب المجاهدين، وفق الدراسة، قدرتها على تمويل نفسها داخليًا.

وتقدر بيكون إيراداتها بما يصل إلى 200 مليون دولار سنويًا، من خلال جهاز جباية منظم يفرض الرسوم والضرائب، ويصدر الإيصالات ويحدد المعدلات ويستخدم مفردات دينية. كما لا تقتصر قدرتها المالية على المناطق التي تسيطر عليها، بل تمتد إلى نقاط التفتيش ومناطق واقعة تحت سيطرة الحكومة.

وهنا تتجاوز المشكلة فكرة «تمويل جماعة مسلحة». نحن أمام تنظيم يمتلك قاعدة مالية مستقلة تسمح له بالبقاء حتى عندما تتراجع المساعدات الخارجية أو تتغير التحالفات الدولية.

وهذا عنصر بالغ الأهمية في دراسة مستقبل الحركات الجهادية: فالتنظيم الذي يعتمد كليًا على التمويل الخارجي يمكن خنقه ماليًا، أما التنظيم الذي يستطيع استخراج موارده من البيئة التي يعمل فيها، فإنه يصبح أكثر قدرة على الصمود.

حركة الشباب المجاهدين كقوة عسكرية هجينة

إلى جانب الإدارة والتمويل، تطورت حركة الشباب المجاهدين عسكريًا إلى ما تسميه الدراسة قوة هجينة.

فهي لا تعتمد على الهجمات الإرهابية فقط، وإنما تستطيع خوض معارك واسعة، وتنفيذ عمليات تمرد، وشن هجمات إرهابية واغتيالات.

وتشير الدراسة إلى أن بنيتها العسكرية تضم وحدات إقليمية وخاصة، مع قدرات مستقلة في الاتصالات والنقل والإعلام والطب والهندسة المتفجرة. كما أن جزءًا كبيرًا من العنف المرتبط بها خلال السنوات الأخيرة جاء من المعارك، وليس من الهجمات الإرهابية وحدها.

وهذا التفصيل مهم لأن صورة «التنظيم الإرهابي» قد تخفي حقيقة أنه أصبح يمتلك بعض خصائص الجيوش المتمردة.

فحركة الشباب المجاهدين تستطيع حشد أعداد كبيرة لمهاجمة قواعد محصنة، ثم الانسحاب قبل تعرضها للضربات الجوية. ولذلك ترى بيكون أن التعامل معها باعتبارها مجرد شبكة إرهابية قد يؤدي إلى سوء تقدير لطبيعة التهديد.

الذراع الاستخباراتية: «أمنيّات»

لكن ما يحافظ على تماسك الحركة، في نظر بيكون، ليس الجيش وحده. هناك أمنيّات، جهاز الاستخبارات والأمن التابع للحركة. تصف الدراسة هذا الجهاز بأنه أحد أعمدة قوة حركة الشباب المجاهدين؛ فهو يعمل على جمع المعلومات، ومراقبة الخصوم والمنشقين، ومتابعة تحصيل الضرائب، واكتشاف الفساد والتجسس، وفرض أحكام المحاكم، إضافة إلى التخطيط للعمليات الأكثر تعقيدًا.

وبذلك يصبح أمنيّات حلقة الوصل بين القوة العسكرية والحكم والتمويل. فالنظام المالي يحتاج إلى معلومات عن السكان، والمحاكم تحتاج إلى قوة لتنفيذ أحكامها، والقيادة تحتاج إلى حماية من الاختراق والانشقاقات، والعمليات تحتاج إلى استخبارات.

ومن هنا فإن تفكيك هذا النوع من التنظيم لا يمكن اختزاله في استهداف مقاتليه فقط، لأن جزءًا من قوته يكمن في المؤسسات التي بنتها الحركة حول القوة المسلحة.

القاعدة.. علاقة لم تعد علاقة تابع بمتبوع

توضح بيكون أيضًا أن علاقة حركة الشباب المجاهدين بالقاعدة ما زالت مستقرة، لكنها لم تعد ببساطة علاقة تنظيم صغير يعتمد على قيادة مركزية خارجية.

أصبحت حركة الشباب المجاهدين، إلى حد بعيد، فرعًا مكتفيًا ذاتيًا يحمل راية القاعدة ويعزز شبكتها بدل أن يعتمد عليها. وتقول الدراسة إن الحركة لم تستجب لمحاولات تنظيم الدولة استمالتها، كما أنها لم تتبنَّ نموذج هيئة تحرير الشام بعد سقوط نظام الأسد، ما يعكس استمرار ارتباطها بالقاعدة رغم التحولات التي شهدها التنظيم الجهادي العالمي.

وتبرز الدراسة بصورة خاصة العلاقة مع تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، الذي وفر للحركة خبرات متخصصة في المتفجرات والتدريب.     

المشكلة التي لا تستطيع حركة الشباب المجاهدين اختراعها وحدها: ضعف الدولة

لكن بيكون لا تنسب صعود الحركة إلى قوتها الذاتية فقط. هناك عامل آخر لا يقل أهمية: الانقسام السياسي الصومالي.

تصف الدراسة الخلافات بين الحكومة الفيدرالية وبعض الولايات، ولا سيما بونتلاند وجوبالاند، إضافة إلى النزاع حول الصلاحيات الدستورية والانتخابات، بأنها وفرت لحركة الشباب المجاهدين بيئة استراتيجية مواتية. فالحركة لا تحتاج بالضرورة إلى هزيمة الدولة عسكريًا.

يكفيها أن تفشل الحكومة الفيدرالية والولايات في توحيد جهودها الأمنية. وهنا تتحول السياسة الداخلية إلى جزء من معادلة مكافحة الإرهاب. كلما انقسم خصوم الحركة، ارتفعت قيمة الحركة دون أن تضطر هي بالضرورة إلى زيادة قوتها بالقدر نفسه.

تنظيم الدولة في الصومال: صغير عسكريًا.. كبير عالميًا

ثم ينتقل الفصل إلى الطرف الآخر من المعادلة: تنظيم الدولة في الصومال.

ظهر التنظيم عام 2015 عندما انشق عبد القادر مؤمن عن حركة الشباب المجاهدين مع عدد محدود من أتباعه، وبايع أبا بكر البغدادي. ولم يتمكن تنظيم الدولة من منافسة حركة الشباب المجاهدين على السيطرة داخل الصومال، لكنه اكتسب أهمية مختلفة تمامًا.

عسكريًا، يبدو تنظيم الدولة في الصومال أصغر بكثير من حركة الشباب المجاهدين، ولم ينجح في بناء حكم إقليمي مستقر. لكن هذه ليست الطريقة الصحيحة، بحسب بيكون، لقياس أهميته. فالمنطقة تضم مكتب الكرار، الذي أصبح مركزًا ماليًا وتنظيميًا مهمًا لشبكة تنظيم الدولة في إفريقيا وخارجها.

وهنا تظهر إحدى أكثر أفكار الفصل إثارة للاهتمام: قد يكون التنظيم ضعيفًا محليًا، لكنه شديد الأهمية عالميًا.

«الكرار»: القوة التي لا تظهر في ساحة المعركة

توضح الدراسة أن الكرار لعب دورًا في تحويل الأموال إلى فروع تنظيم الدولة في دول إفريقية مختلفة، كما وصلت أموال منه إلى فرع التنظيم في أفغانستان. وتشير الدراسة إلى أن إفريقيا أصبحت المسرح الأكثر نشاطًا لتنظيم الدولة، وأن نصيبها من هجمات التنظيم عالميًا بلغ مستويات مرتفعة للغاية في 2026.

وهكذا، فإن أهمية تنظيم الدولة في الصومال لا تقاس بعدد مقاتليه فقط. إنها تقاس بموقعه داخل البنية المالية والتنظيمية العابرة للحدود. وهذا ينسجم تمامًا مع التحول الذي وصفته الدراسة في مقدمتها: لم تعد قوة الحركة الجهادية موزعة فقط بحسب عدد المقاتلين أو الأراضي التي تسيطر عليها، وإنما بحسب قدرتها على أن تصبح عقدة في شبكة أكبر.

معركة بونتلاند: نجاح عسكري لا يحسم المعركة

تتناول بيكون كذلك العملية العسكرية التي أطلقتها قوات بونتلاند ضد تنظيم الدولة في جبال علمسكد عام 2024. وحققت العملية نجاحات عسكرية كبيرة، بدعم جوي أمريكي وإماراتي، وتمكنت من استعادة مناطق ومواقع مهمة وإضعاف التنظيم بشدة. لكن الدراسة تحذر من قراءة هذا النجاح على أنه نهاية لتنظيم الدولة في الصومال.

فبحسب الفصل، بقي مئات المقاتلين، ونجا عبد القادر مؤمن ونائبه، بينما تحول بعض عناصر التنظيم إلى خلايا أكثر حركة، كما لم يُفكك مركز الكرار المالي بمجرد خسارة التنظيم لبعض مواقعه العسكرية.

بل إن تراجع تنظيم الدولة أتاح لحركة الشباب المجاهدين فرصة لملء جزء من الفراغ الذي تركه منافسها. وهنا تعود فكرة الفصل الأساسية مرة أخرى: إضعاف تنظيم واحد لا يعني بالضرورة إضعاف البيئة الجهادية بأكملها.

ففي الأنظمة التي تضم أكثر من تنظيم، قد يؤدي الضغط على أحدها إلى منح الآخر مساحة جديدة.

المفارقة الأمريكية

في الخاتمة تصل بيكون إلى أكثر نقاط الفصل نقدًا للسياسة الأمريكية. فالولايات المتحدة تدرك أهمية الصومال، ولذلك كثفت ضرباتها الجوية هناك. لكن المشكلة، بحسب الدراسة، أن هذا التصعيد العسكري يحدث بالتزامن مع إضعاف بعض الأدوات التي تحتاجها واشنطن لتحقيق أثر استراتيجي طويل الأمد.

فالضربات الجوية يمكنها قتل مقاتلين وتشتيت خلايا، لكنها لا تستطيع وحدها تفكيك حكومة ظل، أو إغلاق مركز مالي، أو إصلاح الانقسامات السياسية، أو بناء مؤسسات دولة قادرة على منافسة التنظيم.

وتلخص بيكون المعضلة بصورة واضحة: القوة الجوية قد تحقق نتائج تكتيكية، لكنها لا تتحول تلقائيًا إلى نتيجة استراتيجية. فإذا كانت الدولة ضعيفة، والقوى المحلية منقسمة، والمؤسسات الأمنية غير متماسكة، والمساعدات الإنسانية تتراجع، فإن قتل مقاتلين لن يعالج الأسباب التي تسمح للتنظيم بإعادة إنتاج نفسه.

الخلاصة: كيف أصبح الصومال مركزًا؟

الخلاصة الأعمق لهذا الفصل أن صعود الصومال داخل الحركة الجهادية العالمية لم يحدث في لحظة واحدة. لقد كان نتيجة تراكم طويل:

دولة منهارة، وتدخلات خارجية أخطأت أحيانًا في حساباتها، وصعود حركة مسلحة استطاعت بناء مؤسسات موازية، ثم ظهور تنظيم منافس صغير عسكريًا لكنه مهم ماليًا، إلى جانب انقسامات سياسية داخلية حالت دون بناء جبهة موحدة. ولهذا تقول بيكون إن مركزية الصومال لا ترتبط فقط بعدد القتلى أو حجم العنف. فالصومال يجمع في بلد واحد منظومتين جهاديتين مختلفتين تمامًا:

حركة الشباب المجاهدين، التي تمثل نموذج التنظيم الذي نجح في بناء قدرة شبه دولاتية محلية؛ وتنظيم الدولة في الصومال، الذي يمثل نموذج التنظيم الصغير الذي اكتسب أهمية عالمية من خلال المال والشبكات.

وهذه ربما أهم رسالة في الفصل كله: الخطر المستقبلي لا يأتي بالضرورة من التنظيم الأقوى عسكريًا، ولا من التنظيم الذي يسيطر على أكبر مساحة. أحيانًا تكون العقدة الأهم هي التنظيم الذي يستطيع أن يصل ما بين ساحات متعددة.

ومن هنا يصبح الصومال، في قراءة تريشيا بيكون، أكثر من مجرد ساحة لمكافحة الإرهاب؛ إنه مختبر حي للتحول الذي طرأ على الحركة الجهادية العالمية خلال ربع قرن.

ففي عام 2001 كان الخوف أن يتحول الصومال إلى ملاذ للإرهابيين. أما في 2026، فالمشكلة أصبحت أكبر بكثير: الصومال نفسه صار جزءًا من البنية التي تربط الحركات الجهادية المحلية بالشبكات العابرة للحدود.

والسؤال الذي يتركه الفصل مفتوحًا ليس: هل يمكن هزيمة هذه الجماعات عسكريًا؟ بل سؤال أكثر صعوبة:

ماذا يحدث عندما تستطيع جماعة مسلحة أن تبقى أقوى من الدولة في بعض وظائفها، بينما يستطيع تنظيم آخر أن يكون أضعف محليًا لكنه أهم عالميًا؟

وهنا ننتقل إلى الفصل الخامس، الذي يوسّع العدسة من الصومال إلى جنوب آسيا، ليدرس كيف تعيد الصراعات بين الدول نفسها تشكيل البيئة التي تتحرك فيها الجماعات المسلحة، وكيف يمكن للتنافس بين الدول أن يمنح التنظيمات الجهادية فرصًا جديدة للنمو والتوسع.

الفصل الخامس: التقارب والتصادم- كيف تعيد صراعات الدول تشكيل بيئة الجماعات المسلحة في جنوب آسيا

بقلم أميرة جادون

إذا كان الفصل الرابع قد أظهر لنا كيف انتقل الصومال من هامش الحركة الجهادية إلى إحدى عقدها المهمة، فإن الفصل الخامس يذهب إلى منطقة كانت أصلًا في قلب «الحرب على الإرهاب»: الممر الأفغاني–الباكستاني.

لكن أميرة جادون لا تسأل هنا فقط: ما قوة تنظيم القاعدة أو تنظيم الدولة أو طالبان أو حركة طالبان باكستان؟ بل تطرح سؤالًا أكثر تعقيدًا:

ماذا يحدث عندما تتداخل صراعات الدول مع صراعات الجماعات المسلحة، بحيث تبدأ كل واحدة منها في إعادة تشكيل الأخرى؟

وترى جادون أن «المفاجأة الاستراتيجية» المقبلة في جنوب آسيا قد لا تأتي من تنظيم واحد، وإنما من التشابكات بين عدة تنظيمات وصراعات دولية وإقليمية وتنافسات أيديولوجية وحدود ضعيفة.

وهذا هو مفتاح الفصل كله.

جنوب آسيا بعد 25 عامًا من 11 سبتمبر

تعود جادون إلى المنطقة التي بدأت فيها الحرب الأمريكية على الإرهاب تقريبًا. فالممر الممتد بين أفغانستان وباكستان يضم مجموعة شديدة التعقيد من التنظيمات:

تنظيم القاعدة في شبه القارة الهندية، وتنظيم الدولة في خراسان، وحركة طالبان باكستان، إضافة إلى جماعات بلوشية انفصالية مثل جيش تحرير بلوشستان.

بعض هذه الجماعات يحمل مشروعًا عابرًا للحدود، وبعضها يركز على صراع محلي، وبعضها يجمع بين الاثنين.

لكن المشكلة، بحسب جادون، أن دراسة كل تنظيم بمعزل عن الآخر تخفي الصورة الحقيقية.

فالبيئة التي تعمل فيها هذه الجماعات واحدة تقريبًا، والحدود نفسها، والصراعات الإقليمية نفسها، ومناطق ضعف الدولة نفسها، ومصادر التجنيد يمكن أن تتقاطع. ومن هنا تستبدل الكاتبة مفهوم «التنظيم» بمفهوم أوسع هو «النظام البيئي المسلح».

أي أننا لا نملك جماعات منفصلة تعيش كل واحدة في جزيرة، وإنما منظومة تتعاون فيها بعض الأطراف، وتتنافس أطراف أخرى، وقد تنشق جماعة أو تنضم إلى أخرى، بينما توفر صراعات الدول الخارجية فرصًا جديدة للجميع.

ثلاث حروب وصراع جيوسياسي واحد

تحدد جادون عدة خطوط للصراع تتقاطع فوق بعضها. هناك أولًا الصراع الباكستاني–الأفغاني، خصوصًا بسبب وجود حركة طالبان باكستان في الأراضي الأفغانية.

وهناك التوتر الباكستاني–الإيراني على حدود طويلة وصعبة المراقبة.

وهناك الصراع الهندي–الباكستاني، الذي يبقى أحد أخطر النزاعات في العالم لأن الطرفين دولتان نوويتان.

وفوق كل ذلك يأتي التنافس الدولي، خصوصًا حول الموارد المعدنية الاستراتيجية في بلوشستان، بما يجعل المنطقة نقطة التقاء لمصالح الولايات المتحدة والصين أيضًا.

المشكلة أن كل صراع من هذه الصراعات لا يبقى منفصلًا. فالصراع بين دولتين قد يفتح المجال لتنظيم مسلح، والتنظيم المسلح قد يدفع الدولة إلى اتخاذ إجراءات تزيد التوتر مع الدولة المجاورة، وهذا التوتر الجديد يفتح بدوره مجالًا أمام تنظيم آخر. وهكذا تصبح الدائرة مغلقة.

الحرب بين باكستان وطالبان الأفغانية

تبدأ جادون بأحد أخطر التحولات: انتقال العلاقة بين باكستان وحكومة طالبان من الاحتواء والمفاوضات إلى المواجهة المباشرة.

بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان عام 2021، ظلت إسلام آباد تتعامل مع المشكلة عبر مزيج من التفاوض والضغط والضربات الجوية. لكن تصاعد الهجمات المنسوبة إلى جماعات تتمركز في أفغانستان دفع باكستان إلى إعلان «حرب مفتوحة» مع حكومة طالبان في عام 2026، وشن ضربات داخل الأراضي الأفغانية. وهنا تظهر المفارقة.

فالحرب التي يفترض أن تضغط على الجماعات المسلحة قد تؤدي إلى زيادة اعتماد الدول عليها كأدوات ضغط متبادلة. كل هجوم داخل باكستان يُفسر في إسلام آباد على أنه مرتبط بملاذات أفغانية أو بدعم هندي، وكل ضربة باكستانية تستدعي نفيًا من كابل وتصعيدًا جديدًا.

وبذلك تصبح الجماعة المسلحة جزءًا من الصراع بين الدول، وليس مجرد طرف داخلي فيه.

الحدود الباكستانية–الإيرانية: مساحة رخوة للتنظيمات

ثم تنتقل جادون إلى الحدود بين إيران وباكستان. هذه الحدود تمتد لأكثر من 500 ميل عبر مناطق جبلية، وظلت تاريخيًا صعبة السيطرة. وهناك جماعات مسلحة تنشط على جانبيها، إضافة إلى التهريب والتسلل المسلح.

وقد شهدت العلاقة تصعيدًا واضحًا عام 2024 عندما ضربت إيران مواقع لجماعة جيش العدل داخل باكستان، وردت باكستان بضرب مواقع لمسلحين بلوش داخل إيران. لكن الحرب الإقليمية مع إيران زادت هشاشة الحدود، بحسب الدراسة، في الوقت الذي كانت فيه مشكلة الجماعات المسلحة داخل باكستان تتوسع. وهذا يصنع ما تسميه جادون مساحة للفرص:

كلما ضعفت قدرة الدولة على مراقبة حدودها، أصبح بإمكان الجماعات المسلحة التحرك عبرها، وتوفير الملاذ، ونقل الأفراد، وتطوير شبكاتها.

الهند وباكستان: عندما يتحول الإرهاب إلى أزمة نووية

أما أخطر خطوط الصراع فهو الهند وباكستان. فالهجوم الذي وقع في باهالغام في أبريل 2025، وأسفر عن مقتل 26 سائحًا، أدى إلى واحدة من أخطر الأزمات بين البلدين منذ عقود.

اتهمت الهند جماعات مرتبطة بباكستان بالمسؤولية، ثم شنت ضربات داخل الأراضي الباكستانية، وردت إسلام آباد بعمليات صاروخية وطائرات مسيّرة ومدفعية، قبل الوصول إلى وقف لإطلاق النار.

وتكمن الخطورة في أن حادثًا تنفذه جماعة مسلحة يمكن أن يتحول خلال أيام إلى مواجهة بين دولتين نوويتين. وهنا تظهر إحدى الرسائل المهمة للفصل:

الجماعات المسلحة لا تحتاج إلى امتلاك سلاح نووي حتى تؤثر في التوازن النووي؛ يكفي أحيانًا أن تتمكن من إشعال أزمة بين دولتين نوويتين.

بلوشستان: حين تتحول الموارد إلى عامل جذب للصراع

ثم تأتي بلوشستان، وربما تكون هذه النقطة من أكثر نقاط الفصل أهمية لفهم المستقبل الجيوسياسي للمنطقة. فالولايات المتحدة وباكستان عززتا تعاونهما حول المعادن الاستراتيجية، وأعلنت واشنطن في 2026 تمويلًا بقيمة 1.3 مليار دولار لمشروع ريكو ديق.

وبذلك لم تعد بلوشستان مجرد مشكلة أمنية داخلية بالنسبة لباكستان، وإنما أصبحت جزءًا من منافسة دولية على الموارد. وهذا يغير حسابات الجماعات البلوشية.

فقد كانت البنية الاقتصادية هدفًا مهمًا لديها أصلًا، لكن ارتفاع القيمة الاستراتيجية للموارد والبنية التحتية الأجنبية يجعل مهاجمة المشاريع الاقتصادية أكثر تأثيرًا سياسيًا.

وتشير الدراسة كذلك إلى أن المصالح الصينية أصبحت في مرمى هذه التهديدات، بينما يزداد استهداف المصالح المرتبطة بالتعدين والنقل والاستثمار. وهنا يصبح الاقتصاد نفسه ساحة حرب.

أربعة عوالم مسلحة تعيش في المكان نفسه

تقسم جادون البيئة المسلحة في المنطقة إلى أربع مجموعات رئيسية:

  • الأولى: شبكة تنظيم الدولة.

وتضم تنظيم الدولة في خراسان وتنظيم الدولة في باكستان. وقد تمكن تنظيم الدولة في خراسان، خصوصًا بعد 2021، من توسيع نشاطه خارج أفغانستان وباكستان والوصول إلى دول أخرى.

  • الثانية: شبكة القاعدة.

وتأتي في مقدمتها القاعدة في شبه القارة الهندية، التي تحاول الحفاظ على حضور أقل صخبًا، مع تركيز أكبر على الدعاية، والتجنيد، وربط الصراعات المحلية بالأجندة الجهادية العالمية.

وترى الدراسة أن الحدود بين القاعدة المركزية والقاعدة في شبه القارة أصبحت أكثر ضبابية، وأنهما أقرب إلى شبكة واحدة تستفيد من بيئة طالبان وحلفائها.

  • الثالثة: التمرد البلوشي.

وهو تمرد قومي إثني تقوده جماعات مثل جيش تحرير بلوشستان وجبهة تحرير بلوشستان، وقد تطور من حرب عصابات محدودة إلى عمليات أكثر تنسيقًا تستهدف البنية التحتية والمصالح الأجنبية.

  • الرابعة: منظومة طالبان باكستان.

وهي الأكثر نشاطًا بين الجماعات الجهادية المحلية، وقد بدأت في توسيع نطاقها الجغرافي داخل باكستان.

المهم هنا أن هذه المجموعات لا تتفق أيديولوجيًا. لكنها تعمل داخل البيئة نفسها. وهذا بالضبط ما يجعلها «نظامًا بيئيًا».

التقارب: عندما تكبر الجماعة بابتلاع غيرها

أحد أهم أشكال التقارب التي ترصدها جادون هو الاندماج. وتشير الدراسة إلى أن حركة طالبان باكستان اتبعت منذ 2020 استراتيجية تقوم على استيعاب جماعات وفصائل أخرى.

وبحلول منتصف 2026، تجاوز عدد عمليات الاندماج التي ترصدها الدراسة المئة، بحسب تقديراتها.

كل جماعة تنضم تجلب معها شيئًا: شبكات محلية، مقاتلين، علاقات اجتماعية، ومصادر تجنيد.

وهكذا لا تحتاج الجماعة الكبرى إلى بناء كل هذه الشبكات من الصفر؛ بل تستطيع ضمها جاهزة.

وتقول جادون إن هذه الاستراتيجية ساعدت حركة طالبان باكستان على التحول من مجرد حملة إرهابية إلى تمرد أكثر اتساعًا واستدامة. لكنها في الوقت نفسه تحدث مشكلة جديدة:

كلما أصبحت الحركة أكبر، أصبح الرد الأمني عليها أكثر تعقيدًا؛ لأن الدولة لم تعد تواجه تنظيمًا واحدًا واضح الحدود، بل مجموعة من الشبكات المحلية المرتبطة به.

القاعدة وحركة طالبان باكستان: تداخل الأشخاص والشبكات

وهناك شكل آخر من التقارب تسميه الدراسة التداخل المؤسسي. فأفراد كانوا يعملون سابقًا في أجهزة إعلامية تابعة للقاعدة أصبحوا في مواقع مؤثرة داخل منظومة طالبان باكستان.

كما ظهرت شبكات إعلامية ولغوية مشتركة، مع عمليات تجنيد عابرة للحدود، بما في ذلك استقطاب أفراد من بنغلاديش. والأهم أن البيئة الأفغانية بعد عودة طالبان إلى السلطة وفرت مساحة جغرافية تستطيع هذه الشبكات العمل منها. وهنا تصل جادون إلى فكرة تعتبرها مهمة:

الصراع بين الدول لا يكتفي بتوفير الفرصة للجماعات المسلحة؛ يمكن أن يحمي البنية التي تحتاج إليها تلك الجماعات للاستمرار. فإذا كانت دولة ما تستخدم جماعة مسلحة كورقة ضغط على خصمها، تصبح هذه الجماعة جزءًا من توازن إقليمي أوسع.

لكن الجماعات لا تتعاون دائمًا

وهنا يأتي النصف الآخر من عنوان الفصل: التقارب والتصادم. فالبيئة نفسها التي تدفع الجماعات إلى التعاون تدفعها أيضًا إلى التنافس. وتنظيم الدولة في خراسان يمثل المثال الأوضح. فهو لا ينظر إلى طالبان بوصفها حليفًا، بل خصمًا أيديولوجيًا. كما أنه يهاجم حركة طالبان باكستان، ويرفض تصورها المحلي للصراع، ويعتبرها أقرب إلى حركة قومية باكستانية من مشروع جهادي عالمي.

وبحلول 2026، تحولت هذه المنافسة إلى اشتباكات مباشرة بين تنظيم الدولة وحركة طالبان باكستان.

وهذا يقود إلى استنتاج مهم: زيادة عدد الجماعات لا تعني بالضرورة زيادة التعاون؛ أحيانًا يؤدي ازدحام الساحة إلى مزيد من المنافسة والعنف.

أخطر شيء: «المزايدة» في التطرف

من الأفكار اللافتة في الفصل مفهوم المزايدة. فعندما تتنافس جماعات متعددة على المجندين، والتمويل، والاهتمام الإعلامي، والشرعية داخل البيئة نفسها، قد تحاول كل جماعة أن تظهر على أنها الأكثر قدرة والأكثر تشددًا. وهذا قد يدفعها إلى تبني أساليب أكثر تطرفًا.

تظهر هذه الديناميكية أيضًا داخل الجماعات البلوشية، حيث تتنافس الفصائل على القاعدة الاجتماعية نفسها، وعلى القدرة العملياتية والانتباه الإعلامي.

إذن، الانقسام ليس دائمًا عامل ضعف. قد يؤدي الانقسام أحيانًا إلى ظهور جماعات أصغر، لكنها أكثر اندفاعًا لإثبات نفسها. وهذه نقطة مهمة مقارنة بالفصل الثاني، الذي تحدث عن خطر المبالغة في تقدير الجماعات. فالمشكلة ليست دائمًا في قوة التنظيم الواحد، وإنما في ديناميكية المنافسة بين عدة تنظيمات.

الحدود الأيديولوجية بدأت تصبح أقل صلابة

ومن أكثر جوانب الفصل إثارة للاهتمام أن التقارب لا يحدث فقط بين جماعات تحمل الفكر نفسه.

تقدم الدراسة أمثلة على تقاطع الخطاب بين جماعات جهادية وجماعات بلوشية قومية، وعلى وجود مؤشرات، وإن كانت محدودة أو غير حاسمة، على تعاون تكتيكي في بعض المناطق.

وهنا تظهر قاعدة تتكرر في هذه الدراسة كلها: المصلحة العملية قد تتغلب أحيانًا على الاختلاف الأيديولوجي.  فالجماعات لا تتوقف دائمًا عند سؤال: «هل نتفق عقائديًا؟» بل قد تسأل: «هل نستطيع الاستفادة من بعضنا في هذه المرحلة؟»

حتى التجنيد النسائي يدخل في المعادلة

تتناول جادون كذلك توسع استراتيجيات استقطاب النساء، ولكنها تميز بين مسارين مختلفين.

الجماعات الجهادية تستخدم خطابًا دينيًا يركز على الأدوار الاجتماعية والأيديولوجية، مثل التربية والتأثير المجتمعي. أما الجماعات البلوشية فتربط استقطاب النساء بقضايا القمع السياسي والهوية والتمكين.

وبالتالي، فإن الفئة الاجتماعية نفسها يمكن أن تستهدفها جماعات مختلفة بخطابات مختلفة تمامًا.

المغزى هنا ليس تفاصيل التجنيد، وإنما أن الحركات المسلحة أصبحت أكثر قدرة على تكييف خطابها وفق الجمهور الذي تستهدفه.

تنظيم الدولة ضد الجميع

إذا أردنا اختصار خريطة الصراع داخل هذه البيئة، فإن جادون ترى أن أحد أهم خطوط الانقسام أصبح: تنظيم الدولة في خراسان ضد معظم الآخرين. فهو على خلاف مع طالبان الأفغانية، وحركة طالبان باكستان، والجماعات البلوشية، والدولة الباكستانية. وهذا يجعله مختلفًا عن التقارب الذي نشأ بين بعض الفصائل الأخرى. والأكثر أهمية أن تنظيم الدولة في خراسان يملك، وفق الفصل، القدرة الأوضح على تنفيذ عمليات خارج المنطقة، وهو ما يمنحه وسيلة للتميز عن منافسيه. ففي سوق جهادي مزدحم، يمكن للهجوم الخارجي أن يصبح وسيلة لإثبات أن التنظيم ليس مجرد حركة محلية.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية

في نهاية الفصل، تتجاوز جادون الجماعات نفسها لتصل إلى البنية التي تسمح لها بالعمل. هناك حدود ضعيفة. هناك اتهامات متبادلة بين الدول. هناك ملاذات آمنة. هناك تراجع في التعاون الأمني عبر الحدود. وهناك دول تتهم جيرانها بدعم جماعات مسلحة، بينما تتهمها دول أخرى بالشيء نفسه.

هذه البيئة يمكن أن تعيد إنتاج الظروف التي ازدهرت فيها الجماعات العابرة للحدود في الماضي، حتى لو كانت معظم الهجمات الحالية لا تزال موجهة إلى أهداف محلية وإقليمية.

وهنا تصل الدراسة إلى تحذيرها المركزي: قد تكون الجغرافيا السياسية اليوم بصدد إعادة بناء الشروط التي جعلت الإرهاب العابر للحدود ممكنًا قبل 11 سبتمبر، ولكن بصورة مختلفة.

الخلاصة: لا تراقب الجماعة.. راقب النظام كله

الخلاصة الأهم للفصل الخامس هي أن دراسة الإرهاب باعتباره مجموعة من التنظيمات المنفصلة أصبحت غير كافية. فحركة طالبان باكستان ليست مجرد حركة طالبان باكستان. وتنظيم الدولة في خراسان ليس مجرد تنظيم الدولة في خراسان. والقاعدة في شبه القارة ليست مجرد فرع للقاعدة.

كل واحدة منها تتحرك داخل نظام أوسع تتأثر فيه الجماعات بالصراعات بين أفغانستان وباكستان، وبالتوتر الإيراني–الباكستاني، وبالصراع الهندي–الباكستاني، وبالتنافس الأمريكي–الصيني على الموارد.

ولهذا تقول جادون إن الأطر التي تركز على التنظيمات منفردة قد تشوه التقدير الأمني، لأن التنظيم الذي يبدو ضعيفًا عندما ندرسه منفردًا قد يصبح أقوى بكثير عندما نضعه داخل شبكة العلاقات التي تمنحه الملاذ والتمويل والمجندين والفرص. والأهم أن الفصل لا يقول إن جنوب آسيا تتجه حتمًا إلى نسخة جديدة من 11 سبتمبر. بل يقول شيئًا أكثر دقة: الشروط التي يمكن أن تنتج تهديدًا عابرًا للحدود تتجمع من جديد، حتى وإن كانت معظم الجماعات منشغلة حاليًا بصراعات محلية.

وهذا ينسجم بصورة مباشرة مع الفكرة الكبرى للدراسة كلها: التهديد لا ينبغي أن يقاس فقط بما تفعله الجماعات اليوم، بل بما تستطيع البيئة المحيطة بها أن تجعلها قادرة على فعله غدًا.

ومن هنا يصبح عنوان الفصل «التقارب والتصادم» بالغ الدلالة؛ فالجماعات قد تتحد، أو تنقسم، أو تتنافس، أو تتبادل الخبرات، أو تدخل في صدامات دامية، لكن العامل الذي يحرك كل ذلك في الخلفية هو النظام الجيوسياسي نفسه.

وفي الفصل السادس، تنتقل الدراسة إلى مستوى أوسع مرة أخرى، مع أساف مقدام في فصل بعنوان: «من 11 سبتمبر إلى 7 أكتوبر: اتجاهات الإرهاب والعنف السياسي والصراع المسلح»، ليطرح سؤالًا كبيرًا: إذا كان 11 سبتمبر قد مثّل نقطة تحول في الإرهاب، فماذا يكشف هجوم 7 أكتوبر 2023 عن شكل الحروب والعنف السياسي في القرن الحادي والعشرين؟

الفصل السادس: من 11 سبتمبر إلى 7 أكتوبر: اتجاهات الإرهاب والعنف السياسي والصراع المسلح

بقلم: عساف مقدم 

هذا الفصل مختلف قليلًا عن الفصول السابقة؛ فهو لا يركز على تنظيم بعينه، بل يحاول أن يجيب عن سؤال أوسع: كيف تغيّر شكل العنف السياسي والحروب خلال ربع القرن الذي يفصل بين 11 سبتمبر/أيلول 2001 و7 أكتوبر/تشرين الأول 2023؟

ويرى مقدم أن هجوم 7 أكتوبر لم يكن مجرد حدث منفصل، بل يمكن استخدامه كعدسة تحليلية تكشف التحولات التي طرأت على طبيعة الصراعات الحديثة. ويحدد أربعة اتجاهات رئيسية أصبحت، في رأيه، أكثر وضوحًا وتداخلًا خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية.

أولًا: الفكرة المركزية للفصل

ينطلق مقدم من مقارنة بين 11 سبتمبر و7 أكتوبر. فكلا الحدثين لم يقتصرا على الخسائر المباشرة، بل أديا إلى سلسلة من التداعيات والحروب والصراعات التي تجاوزت مكان الهجوم نفسه. لكن الفرق المهم، بحسب الكاتب، أن طبيعة العنف في العالم أصبحت اليوم أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للتصنيف.

لم يعد من السهل أن نقول:

هذا تنظيم إرهابي، وهذه حرب أهلية، وهذه حرب بين دولتين، وهذا تمرد مسلح.

فالواقع المعاصر أصبح أكثر اختلاطًا؛ إذ يمكن أن يكون الفاعل نفسه في الوقت ذاته تنظيمًا مسلحًا، وقوة عسكرية، وحركة تمرد، وحركة اجتماعية، وكيانًا شبه حكومي. ولهذا فإن المشكلة ليست فقط في تغير الحروب، وإنما أيضًا في أن الأدوات التي نستخدمها لفهم هذه الحروب لم تعد تواكب الواقع.

ويؤكد الكاتب منذ البداية أن الاتجاهات الأربعة ليست جديدة تمامًا، وبعضها يعود إلى ما قبل 11 سبتمبر، لكن الجديد هو أنها أصبحت خلال الفترة محل الدراسة:

  • أسرع انتشارًا.
  • تعمل في الوقت نفسه.
  • تتداخل فيما بينها.
  • وتنتج عن تفاعلها أشكال أكثر تعقيدًا من الصراع.

وهنا تكمن أهمية الفصل.

الاتجاه الأول: تنويع أشكال العنف السياسي

يبدأ مقدم بما يسميه تنويع العنف السياسي، أي أن العنف السياسي لم يعد يأتي من نوع واحد من الفاعلين أو بدافع واحد أو باستخدام وسيلة واحدة. ويشرح ذلك من خلال ثلاثة مستويات:

1. تنوع الفاعلين

في الماضي كان التصور التقليدي للإرهاب يقوم على وجود تنظيم إرهابي واضح. أما اليوم، فقد أصبح الفاعلون أكثر تنوعًا، ويمكن أن يكونوا:

  • أفرادًا منفردين.
  • شبكات غير رسمية.
  • تنظيمات مسلحة منظمة.
  • دولًا.
  • أو خليطًا من هذه الأنواع.

والأهم أن هذه الجهات لا تعمل بالضرورة منفردة؛ فقد تتعاون، أو تتنافس، أو تدخل في ترتيبات مؤقتة، حتى عندما تكون مختلفة أيديولوجيًا. ويعطي الكاتب أمثلة على التعاون بين جماعات مختلفة، بل وحتى على وجود تفاهمات تكتيكية بين جماعات متنافسة استراتيجيًا. وهذه نقطة يراها مهمة جدًا:
العدو اليوم ليس بالضرورة شبكة واحدة ذات هيكل هرمي، وإنما قد يكون بيئة كاملة من الجماعات والعلاقات المتغيرة.

2. تنوع دوافع العنف

لا يرى مقدم أن الإرهاب والعنف السياسي المعاصر يمكن دائمًا تفسيرهما بأيديولوجية واحدة.

فإلى جانب الجهادية، هناك:

  • اليمين المتطرف.
  • اليسار المتطرف.
  • النزعات القومية.
  • دوافع شخصية.
  • وأحيانًا خليط من عدة أفكار.

بل إن الكاتب يتحدث عن ظاهرة يسميها الباحثون بأسماء مختلفة، من بينها “الأيديولوجيات المختلطة”، حيث ينتقي الشخص أفكارًا من اتجاهات مختلفة ويجمعها في منظومة خاصة به.

ويشير إلى ظاهرة أكثر إثارة للانتباه، وهي التقاطع بين بعض أفكار اليمين المتطرف والجهادية، وهو ما وصفه بعض الباحثين بمصطلح “الجهاد الأبيض”.

كما يشير إلى أن بعض أعمال العنف لم تعد مرتبطة بأيديولوجية سياسية متماسكة أصلًا، وإنما قد تنبع من دوافع شخصية أو اجتماعية أو نفسية.

3. تنوع التكتيكات

التنوع لا يظهر فقط في من يمارس العنف ولماذا، بل أيضًا في كيفية ممارسته. ويضع الكاتب العنف السياسي على طيف واسع جدًا: في أحد طرفيه توجد أشكال شديدة الوحشية من العنف، بينما يوجد في الطرف الآخر اتجاه نحو تطبيع بعض الجماعات أو الأفكار سياسيًا وإعلاميًا.

ويستشهد الكاتب بالجدل الذي حدث على منصات التواصل الاجتماعي عام 2023 حول رسالة أسامة بن لادن إلى الأمريكيين، حين أعاد بعض المستخدمين تداولها والتعبير عن تعاطفهم مع بعض انتقاداتها للولايات المتحدة. وبذلك يرى أن المشكلة لم تعد فقط في تنفيذ العنف، بل أيضًا في كيفية تقديمه وتفسيره وتسويقه اجتماعيًا وإعلاميًا.

7 أكتوبر بوصفه نموذجًا لهذا التنوع

هنا يصل الكاتب إلى النقطة الأساسية في الفصل. فهو يرى أن هجوم 7 أكتوبر يجمع عددًا من خصائص العنف السياسي المعاصر في حدث واحد.

فبحسب تحليله، يمكن النظر إلى حماس في سياقات مختلفة باعتبارها: تنظيمًا مسلحًا + قوة عسكرية + حركة تمرد + حركة اجتماعية + تنظيمًا يمارس وظائف إجرامية + كيانًا شبه دولتي.

كما لم يكن الهجوم قائمًا على فاعل واحد فقط، بل شاركت فيه جماعات فلسطينية أخرى، ثم دخلت جماعات مسلحة أخرى على خط الصراع في الأيام التالية. وهنا تظهر الفكرة الجوهرية:

الفاعل الواحد يمكن أن يجمع بين أدوار كانت الدراسات التقليدية تفصل بينها.

الاتجاه الثاني: تلاشي الحدود بين أشكال العنف

وهذا من أهم أجزاء الفصل. يرى مقدم أن الباحثين اعتادوا الفصل بين:

الإرهاب — حرب العصابات — التمرد — الحرب الأهلية — الحرب بين الدول.

لكن هذه الحدود أصبحت أكثر ضبابية. فالجماعة المسلحة قد تستخدم الإرهاب، وحرب العصابات، والسيطرة على الأراضي، والعمليات العسكرية التقليدية في الوقت نفسه. والدولة نفسها قد تستخدم وسائل غير مباشرة أو أدوات تشبه تلك التي تستخدمها الجماعات المسلحة. وبالتالي فإن تصنيف الصراع في خانة واحدة أصبح مضللًا أحيانًا.

7 أكتوبر مثال واضح

يرى مقدم أن هجوم 7 أكتوبر جمع بين استهداف مدنيين وعمليات ضد أهداف عسكرية، ولذلك فهو، في تحليله، لم يكن مجرد هجوم إرهابي بالمعنى التقليدي، بل تضمن أيضًا عناصر من الحرب غير النظامية وحرب العصابات. وهذا يقود إلى سؤال مهم:

ماذا نسمي جماعة تخوض معركة عسكرية واسعة، وتمتلك بنية عسكرية، وتسيطر على أرض، وفي الوقت نفسه تنفذ أعمالًا تصنف إرهابية؟ هنا يرى الكاتب أن التصنيفات التقليدية تصبح غير كافية.

الاتجاه الثالث: امتزاج الحرب الداخلية بالحرب الدولية

هذا الاتجاه ربما يكون الأكثر أهمية لفهم الشرق الأوسط اليوم. يسميه الكاتب: تقارب الصراعات الداخلية والدولية.

أي أن الصراعات الداخلية والصراعات بين الدول أصبحت تتداخل بصورة متزايدة. ويستند مقدم إلى بيانات UCDP، وهي قاعدة بيانات النزاعات التابعة لبرنامج بيانات الصراع في أوبسالا ومعهد أبحاث السلام في أوسلو.

ويشير إلى ارتفاع عدد الصراعات الداخلية التي تتلقى فيها أطراف الحرب دعمًا عسكريًا من دول خارجية، مع زيادة حادة منذ عام 2003، حتى أصبحت هذه الصورة من الصراع، بحسب البيانات التي يستشهد بها، الشكل الغالب للصراعات المعاصرة.

وهنا تظهر “الحروب بالوكالة”

فالطرف الداخلي لا يخوض الحرب وحده. قد يكون هناك: حكومة + جماعة مسلحة + دولة خارجية + جماعات حليفة + مصالح إقليمية ودولية.

ويستشهد الكاتب بالشرق الأوسط تحديدًا:

  • اليمن.
  • سوريا.
  • العراق.
  • ليبيا.

حيث أصبح التدخل الخارجي جزءًا أساسيًا من الصراع الداخلي.

بل يلفت إلى مشكلة منهجية مهمة: حتى البيانات المستخدمة لقياس هذه الحروب قد تقلل من حجم الظاهرة؛ لأن بعض قواعد البيانات تشترط وجود قوات أجنبية مباشرة، بينما قد تكون الدولة الخارجية طرفًا أساسيًا عبر التمويل والتدريب والسلاح دون إرسال قواتها.

ويذكر في هذا السياق الدعم الإيراني للحوثيين باعتباره مثالًا على الدعم الذي قد لا يظهر بالكامل في بعض التصنيفات.

7 أكتوبر والحرب الإقليمية

وفق تحليل مقدم، لم يبقَ هجوم 7 أكتوبر داخل الحدود الفلسطينية الإسرائيلية. فقد تداخل معه:

  • حماس.
  • حزب الله.
  • الحوثيون.
  • جماعات مسلحة مدعومة من إيران في العراق وسوريا.
  • إيران نفسها.

ثم تطور الصراع إلى مواجهات مباشرة بين كيان إسرائيل وإيران، وصولًا إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران التي بدأت في 28 فبراير/شباط 2026 بحسب الدراسة. وهكذا يتحول الصراع من:

نزاع داخلي/محلي → صراع إقليمي → مواجهة دولية.

وهذه بالضبط هي الظاهرة التي يريد الفصل لفت الانتباه إليها.

الاتجاه الرابع: تشابه أساليب الدول والجماعات المسلحة

وهنا يصل الفصل إلى واحدة من أكثر أفكاره إثارة. فقد كان التصور التقليدي يقول:

الدولة = حرب تقليدية، بينما: الجماعة المسلحة = حرب غير متماثلة، كمائن، عمليات محدودة، اختباء، ضربات خاطفة.

لكن الكاتب يرى أن هذا الفصل بدأ ينهار.

الجماعات المسلحة أصبحت تستخدم أدوات تشبه الجيوش

يضرب مقدم مثالًا بحماس وحزب الله. فهاتان الجماعتان لا تعتمدان فقط على أساليب حرب العصابات التقليدية، بل طورتا قدرات تشمل:

  • عمليات مركبة.
  • استخدام الطائرات المسيّرة.
  • الصواريخ.
  • وحدات هندسية.
  • الأنفاق.
  • مواقع محصنة.
  • مراكز قيادة تحت الأرض.
  • تنسيق بين أنواع متعددة من الأسلحة.

ويصف الكاتب هذا بأنه أقرب إلى الحرب المشتركة بين الأسلحة، وهي سمة ارتبطت تقليديًا بالجيوش النظامية.

والمفارقة: الدول أيضًا تتصرف أحيانًا كالجماعات المسلحة

لا يتوقف الكاتب عند الجماعات غير الحكومية. بل يرى أن إيران نفسها قدمت مثالًا معاكسًا. فإيران تمتلك جيشًا وقدرات صاروخية ودولة كاملة، لكنها في إدارة الصراع تعتمد أيضًا على:

  • التشتت.
  • الضغط غير المباشر.
  • الاستنزاف.
  • تعدد الجبهات.
  • الاعتماد على شركاء ووكلاء.
  • تحويل الحرب إلى اختبار طويل للإرادة السياسية.

وهذا يشبه في جوانب معينة منطق حركات التمرد وحرب العصابات.

مفهوم “الحرب بالاستنزاف”

وهنا يطرح الفصل فكرة مهمة: قد لا يكون هدف الطرف الأضعف هو هزيمة الخصم عسكريًا. بل يكفي أن يجعل الحرب: مكلفة جدًا، وطويلة جدًا، وغير قابلة للاستمرار سياسيًا واقتصاديًا.

ويشرح مقدم ذلك من خلال استراتيجية إيران التي يسميها “الدفاع الفسيفسائي”؛ أي توزيع القدرات على وحدات وقوى متعددة بدل تركيزها في بنية واحدة يسهل تدميرها.

والنتيجة هي زيادة قدرة النظام على الصمود حتى أمام خصم أقوى عسكريًا. ومن هنا تصبح المدة الزمنية نفسها سلاحًا.

هرمز وباب المندب يدخلان في المعادلة

من الأفكار اللافتة أن الكاتب لا ينظر إلى الممرات البحرية باعتبارها مجرد مواقع جغرافية. فالضغط على نقاط الاختناق الاستراتيجية، مثل: مضيق هرمز وباب المندب، يمكن أن ينقل الحرب من جبهة عسكرية محدودة إلى أزمة اقتصادية عالمية.

وهكذا يستطيع الطرف الأضعف توسيع دائرة الصراع، ورفع كلفته على دول أخرى، وإدخال أطراف جديدة في حسابات الحرب.

خلاصة الفصل

بعد عرض الاتجاهات الأربعة، يصل مقدم إلى خلاصة أساسية: الحدود بين الإرهاب والحرب والعنف السياسي تتآكل. وبالتالي فإن المشكلة لا تكمن فقط في أن الواقع تغير، وإنما في أن الأجهزة السياسية والأكاديمية ما زالت تستخدم أحيانًا تصنيفات قديمة لفهم واقع جديد.

وهذا يقود إلى نتيجتين:

  • أكاديميًا:

يجب أن يصبح البحث أكثر تكاملًا بين دراسات:

  • الإرهاب.
  • التمرد.
  • حرب العصابات.
  • الحروب الأهلية.
  • الحروب الدولية.

كما ينبغي ألا يكون التنظيم المسلح هو دائمًا وحدة التحليل الوحيدة.

فبدل دراسة كل جماعة بمعزل عن الأخرى، يقترح الكاتب النظر إلى “منظومات العنف” التي تضم التحالفات والتنافس والتعاون والعلاقات المتبادلة بين الجماعات.

  • سياسيًا

ينبغي ألا تكون الاستجابة مبنية فقط على السؤال:

هل هذا تنظيم إرهابي أم تمرد أم دولة؟

بل على سؤال أكثر واقعية:

كيف يقاتل هذا الفاعل؟ وما القدرات التي يمتلكها؟ وكيف يتفاعل مع بقية الفاعلين؟

ولهذا يدعو الكاتب إلى أطر مثل الحرب غير النظامية وحرب المعلومات بدل الاعتماد الحصري على تقسيمات “مكافحة الإرهاب” و”مكافحة التمرد”.

يمكن اختصار الفصل السادس في فكرة واحدة: لم يعد العنف السياسي في القرن الحادي والعشرين يتحرك داخل صناديق منفصلة.

فالجماعات المسلحة أصبحت تمتلك بعض خصائص الجيوش، والدول تستخدم أحيانًا أدوات تشبه أدوات الجماعات غير الحكومية، والحروب الأهلية تتحول إلى حروب بالوكالة، والإرهاب يتداخل مع التمرد والحرب التقليدية، فيما تتشابك الأيديولوجيات والتحالفات بصورة تجعل تحديد “الفاعل” و”نوع الحرب” أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

ومن وجهة نظر مقدم، فإن 7 أكتوبر كان لحظة كاشفة لهذا التحول؛ لأنه جمع في حدث واحد تقريبًا عددًا من السمات التي أصبحت تميز الصراع الحديث: تعدد الفاعلين، تداخل الإرهاب والتمرد والحرب، امتداد الصراع عبر الحدود، وتشابه بعض أدوات الدول والجماعات المسلحة.

والرسالة الأعمق للفصل هي أن الخطر لا يكمن فقط في قوة الجماعات المسلحة، بل في أن العالم قد يخطئ في فهم طبيعتها إذا أصر على وضعها داخل تصنيفات قديمة لم تعد تعكس طريقة اشتغال الحروب الجديدة.

وهذا الفصل مهم عند قراءة الفصول التالية؛ لأنه ينقل الدراسة من سؤال “من هم الجهاديون؟” إلى سؤال أوسع بكثير: كيف أصبح شكل الصراع نفسه أكثر سيولة وتعقيدًا؟

الفصل السابع: كيف تعيد الجماعات من غير الدول تشكيل الحرب والإرهاب بالطائرات المسيّرة المسلحة؟

بقلم: بيتر برجن ودافيك ستيرمان 

ينطلق بيرغن وسترمان من مفارقة لافتة: في 11 سبتمبر/أيلول 2001، استخدمت القاعدة أدوات بسيطة نسبيًا، لكنها حققت بها أثرًا استراتيجيًا هائلًا. وبعد أسابيع قليلة، بدأت الولايات المتحدة نفسها عصرًا جديدًا من الحرب باستخدام الطائرات المسيّرة المسلحة.

وبعد 25 عامًا، لم تعد المسيّرات حكرًا على الولايات المتحدة أو القوى العسكرية المتقدمة؛ بل انتشرت بين دول، وجماعات مسلحة، وشبكات مرتبطة بدول، وحتى جهات غير حكومية أخرى.

ومن هنا تأتي رسالة الفصل الأساسية:

الخطر الحقيقي ليس مجرد انتشار المسيّرات، بل أن تتغير طريقة استخدامها بحسب أهداف الجماعة وسياق الصراع.

ولهذا يحذر الباحثان من الاكتفاء بعدّ هجمات المسيّرات؛ فالمهم هو فهم لماذا تستخدمها الجماعة؟ وما الهدف السياسي والاستراتيجي من استخدامها؟

أولًا: من سلاح أمريكي إلى تكنولوجيا منتشرة

يبدأ الفصل بالعودة إلى 7 أكتوبر/تشرين الأول 2001، عندما استخدمت الولايات المتحدة طائرة Predator في أفغانستان خلال بداية الحرب. كان الجديد آنذاك أن منصة واحدة تجمع بين:

  • المراقبة والاستطلاع.
  • القدرة على التحليق لفترات طويلة.
  • توجيه الضربة.
  • التحكم من مسافة بعيدة جدًا عن ميدان القتال.

وهذا غيّر مفهوم القوة الجوية؛ إذ أصبح بالإمكان تنفيذ عمليات عسكرية دون وجود الطيار في منطقة الخطر نفسها.

في البداية كانت الحواجز أمام امتلاك هذه التكنولوجيا مرتفعة جدًا، ولهذا ظلت المسيّرات المسلحة مرتبطة أساسًا بالدول المتقدمة. لكن هذا تغير تدريجيًا.

فقد بدأت دول أخرى في استخدامها، ثم ظهرت نماذج أرخص، وتطورت سوق التكنولوجيا التجارية، وأصبح الوصول إلى مكونات وتقنيات الطائرات المسيّرة أسهل بكثير. وهنا وقع التحول الأهم:

لم تعد المسيّرات مجرد وسيلة للضربات الدقيقة التي تنفذها دولة متقدمة، بل أصبحت أداة يمكن استخدامها في استراتيجيات عسكرية مختلفة تمامًا.

ثانيًا: المسيّرة لم تعد تعني “ضربة دقيقة”

يرى الباحثان أن الاستخدام الأول للمسيّرات الأمريكية صنع صورة ذهنية معينة:

مسيّرة = ضربة دقيقة ضد هدف محدد.

لكن هذه الصورة لم تعد كافية. فمع انتشار التكنولوجيا ظهرت استخدامات مختلفة، وأصبحت بعض الدول والجماعات تستخدم المسيّرات كوسيلة لإطلاق قوة نارية منخفضة التكلفة نسبيًا، أو للضغط السياسي، أو الردع، أو التأثير في حركة الخصم.

وتشير الدراسة إلى أن الحروب الحديثة، ومنها حروب أوكرانيا والسودان وإثيوبيا، أظهرت منطقًا مختلفًا: أحيانًا تكون المسيّرات جذابة لأنها تتيح زيادة حجم القوة النارية بتكلفة أقل، حتى لو لم تكن المنصة قادرة على أداء جميع الوظائف المتقدمة التي تتميز بها المسيّرات العسكرية الكبرى.

وهنا تظهر نقطة مهمة: التكنولوجيا العسكرية لا تنتشر فقط من الأعلى إلى الأسفل؛ أي من الجيوش المتقدمة إلى الآخرين، وإنما تتغير نفسها عندما تدخل بيئات مختلفة.

ثالثًا: دخول الجماعات المسلحة إلى المجال الجوي

بعد الدول، ينتقل الفصل إلى الجماعات غير الحكومية.

ويعرض الباحثان أمثلة متعددة، من بينها جماعات مرتبطة بإيران، والحوثيون، وتنظيم الدولة الإسلامية، ثم ينتقلان إلى الحالات الثلاث التي تشكل جوهر الدراسة:

  1. هايتي
  2. طالبان
  3. حماس

والهدف ليس جمع أمثلة عشوائية، وإنما إثبات أن عبارة “الجماعات تستخدم المسيّرات” غير كافية وحدها. فكل حالة لها سياق سياسي وعسكري مختلف، وبالتالي فإن فهم المسيّرة يتطلب فهم الصراع الذي تستخدم داخله.

رابعًا: الجماعات المدعومة من الدول

يناقش الفصل بصورة خاصة العلاقة بين الجماعات غير الحكومية والدول. فبعض الجماعات لا تطور قدراتها الجوية بمعزل عن الدول، بل تستفيد من علاقات الدعم والتعاون ونقل التكنولوجيا.

ويعرض الباحثان إيران وشبكات الجماعات المرتبطة بها مثالًا مهمًا على ذلك، مشيرين إلى استخدام المسيّرات في الهجمات على أهداف عسكرية واقتصادية، وإلى قدرة الحوثيين على استخدام المسيّرات ضمن استراتيجية أوسع للضغط على الخصوم والتأثير في حركة الملاحة والاقتصاد الإقليمي.

وهذا يقود إلى استنتاج بالغ الأهمية: الفصل بين “سلاح الدولة” و”سلاح الجماعة” أصبح أكثر صعوبة.

فالجماعة قد تكون غير حكومية من الناحية القانونية، لكنها قد تمتلك قدرات عسكرية لم تكن متاحة تاريخيًا إلا للدول.

خامسًا: تنظيم الدولة الإسلامية واكتساب “القدرة الجوية”

من الأمثلة التي يستشهد بها الباحثان أيضًا تنظيم الدولة الإسلامية. ابتداءً من منتصف العقد الماضي، استخدم التنظيم طائرات مسيّرة تجارية معدلة، الأمر الذي فرض تحديًا جديدًا على القوات التي كانت تقاتله. لكن الباحثين لا يتوقفان عند الجانب العسكري. فالمسيّرات كانت أيضًا أداة دعائية.

إذ إن تصوير العمليات من الجو منح التنظيم وسيلة لإظهار نفسه وكأنه يمتلك قدرات دولة حديثة، وليس مجرد جماعة مسلحة تعمل على الأرض.

وهنا يلفت الفصل إلى أن التكنولوجيا قد تؤدي وظيفة مزدوجة: وظيفة عسكرية + وظيفة دعائية.

وهذه نقطة شديدة الأهمية في فهم الجماعات المسلحة المعاصرة؛ فالسلاح لا يستخدم فقط لإحداث أثر ميداني، وإنما يمكن أن يستخدم لإنتاج صورة عن القوة والقدرة والهيبة.

سادسًا: الخطر لم يعد محصورًا في ساحات الحرب

ينتقل الفصل بعد ذلك إلى نقطة أكثر إثارة للقلق، وهي أن انتشار التكنولوجيا يعني أن التهديد لم يعد محصورًا في مناطق الحروب.

ويشير الباحثان إلى حوادث ومخططات في الولايات المتحدة وأوروبا أظهرت اهتمام أفراد وجماعات بإمكانية استخدام المسيّرات في أعمال عنف. لكن المؤلفين يحرصان على التفريق بين الاهتمام أو التخطيط وبين القدرة الفعلية على تنفيذ هجوم ناجح.

وهذه نقطة منهجية في الفصل: لا ينبغي أن نخلط بين انتشار الفكرة وانتشار القدرة.

فوجود اهتمام باستخدام التكنولوجيا لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تنفيذ عملية معقدة.

لكن في المقابل، انخفاض الحواجز التكنولوجية يجعل احتمال ظهور أشكال جديدة من التهديد أمرًا ينبغي عدم تجاهله.

سابعًا: حالة هايتي – المسيّرات قد تكون علامة ضعف لا قوة

هذه ربما واحدة من أذكى أفكار الفصل. يتناول الباحثان تجربة الحكومة الهايتية في استخدام المسيّرات ضد العصابات المسلحة.

واللافت أن الحكومة لم تلجأ إلى المسيّرات لأنها دولة ذات قوة عسكرية متقدمة، بل على العكس:

ضعف مؤسساتها الأمنية كان أحد أسباب اعتمادها على هذا الخيار. فالحكومة كانت ترى أن قواتها الأمنية غير قادرة على مواجهة العصابات بالشكل المطلوب، فلجأت إلى متعاقد عسكري خاص لتنفيذ عمليات باستخدام المسيّرات.

وهنا يستخلص الباحثان درسًا مهمًا:

امتلاك المسيّرات لا يعني بالضرورة أن الجهة المالكة قوية.

أحيانًا يكون امتلاكها محاولة لتعويض الضعف. أي أن المسيّرات يمكن أن تكون مُضاعِف القوة؛ أداة تضاعف قدرة جهة ضعيفة نسبيًا، لكنها لا تحل بالضرورة مشكلاتها الأساسية.

ثامنًا: المشكلة ليست في امتلاك المسيّرة بل في وجود استراتيجية

يناقش الفصل محدودية التجربة الهايتية. فالضربات الجوية وحدها لم تستطع حل المشكلة الأمنية، لأن استعادة الأرض والسيطرة عليها تتطلب قوات ومؤسسات وقدرة على إدارة الوضع بعد الضربة. ولهذا ينقل الباحثان نقدًا واضحًا لفكرة أن امتلاك المسيّرات يمثل استراتيجية بحد ذاته.

المسيّرة أداة، وليست استراتيجية. وهذا درس يتكرر في الفصل كله:

إذا لم يكن هناك تصور سياسي وعسكري واضح لما بعد استخدام القوة، فإن التكنولوجيا المتقدمة قد تحقق تأثيرًا تكتيكيًا دون أن تحقق الهدف الاستراتيجي.

تاسعًا: الحدود بين الدولة والفاعل غير الحكومي تتلاشى

من هنا يعود الباحثان إلى الفكرة الأوسع. حالة هايتي ليست ببساطة: “دولة تستخدم المسيّرات”. لأن العملية نفسها ضمت أجهزة أمنية حكومية ومتعاقدًا عسكريًا خاصًا. وهذا يجعل التصنيف التقليدي أكثر تعقيدًا.

كما يشيران إلى دور شركات عسكرية خاصة في نشر الخبرات المتعلقة بالمسيّرات، وإلى احتمال انتقال التكنولوجيا والخبرة بين جهات مختلفة. وبذلك يصبح السؤال:

هل الدولة هي التي تملك القدرة فعلًا، أم أن القدرة موزعة بين الدولة والشركات والجماعات والشبكات؟ وهذا ينسجم تمامًا مع الفكرة التي ناقشها الفصل السادس حول تراجع الحدود التقليدية بين الدولة والجماعات المسلحة.

عاشرًا: طالبان – التكنولوجيا تتغير عندما يتغير السياق

الحالة الثانية التي يدرسها الباحثان هي طالبان. خلال الفترة الأخيرة من الوجود الأمريكي في أفغانستان، بدأت طالبان في استخدام المسيّرات بصورة محدودة نسبيًا، خصوصًا في عمليات استهداف محددة.

لكن الباحثين يؤكدان أن فهم هذه التجربة يتطلب النظر إلى الظروف السياسية. ففي تلك المرحلة كانت طالبان تقترب أصلًا من تحقيق مكاسب كبيرة، وكانت الولايات المتحدة تستعد للانسحاب.

وبالتالي لم تكن طالبان بحاجة إلى جعل المسيّرات محورًا رئيسيًا في استراتيجيتها.

وهذا مهم جدًا: عدم استخدام التكنولوجيا على نطاق واسع لا يعني بالضرورة عدم القدرة عليها؛ فقد يعني ببساطة أن الظروف لا تجعلها ضرورية.

حادي عشر: بعد تغير البيئة، تغير الاستخدام

بعد ذلك تغير المشهد بصورة كبيرة. تتناول الدراسة تصاعد استخدام المسيّرات من جانب طالبان باكستان، ثم انتقال طالبان الأفغانية إلى استخدام المسيّرات في سياق المواجهة مع باكستان.

وهنا لاحظ الباحثان تحولًا في الوظيفة الاستراتيجية. في البداية كان الاستخدام أكثر ارتباطًا باستهدافات محددة. أما لاحقًا فأصبح الاستخدام مرتبطًا أكثر بـالردع والضغط عبر الحدود.

وهذه نقطة مركزية في الفصل: السلاح نفسه قد يؤدي وظيفة استراتيجية مختلفة تمامًا عندما تتغير طبيعة الحرب. ولهذا لا يمكن التنبؤ بسلوك جماعة مسلحة اعتمادًا على تاريخها التكنولوجي وحده. يجب دراسة البيئة السياسية والعسكرية التي تعمل فيها.

ثاني عشر: حماس و7 أكتوبر – عندما تصبح المسيّرات جزءًا من عملية مركبة

ثم يصل الفصل إلى المثال الأهم: حماس وهجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وهنا تصبح المسيّرات جزءًا من صورة أوسع بكثير. المؤلفان لا يقدمان المسيّرات باعتبارها سبب نجاح العملية، بل كجزء من منظومة متعددة الوسائل استخدمت فيها التكنولوجيا ضمن عملية أكبر.

وهذا ينسجم مع الفصل السادس الذي قرأناه سابقًا: الجماعات المسلحة المعاصرة أصبحت قادرة على دمج أدوات وأساليب كانت تاريخيًا مرتبطة بجيوش الدول مع أساليب حرب غير نظامية.

ويشير الباحثان إلى أن استخدام المسيّرات في 7 أكتوبر ساهم في إرباك بعض عناصر الدفاع، وأظهر كيف يمكن لأداة منخفضة التكلفة نسبيًا أن تصبح جزءًا من عملية أكبر بكثير من مجرد “هجوم بطائرة مسيّرة”. والأهم هنا أن الباحثين يربطان المسألة بمفهوم المفاجأة الاستراتيجية.

فالمشكلة ليست أن المسيّرات ظهرت فجأة، بل أن وجودها كان معروفًا، ومع ذلك لم يؤدِ ذلك بالضرورة إلى فهم كيفية توظيفها ضمن استراتيجية مركبة.

ثالث عشر: الدرس الأهم من 7 أكتوبر

من وجهة نظر الباحثين، الخطأ الذي ينبغي تجنبه هو التفكير في المسيّرات كسلاح منفرد. فقد تكون المسيّرة في سياق معين:

  • وسيلة استطلاع.
  • وسيلة ضغط.
  • أداة دعائية.
  • وسيلة لتعطيل أنظمة الخصم.
  • جزءًا من عملية عسكرية أكبر.
  • أو وسيلة لرفع تكلفة الحرب.

وبالتالي فإن عدّ المسيّرات أو رصد أنواعها لا يكفي. السؤال الأهم هو: ما الوظيفة التي تؤديها داخل استراتيجية الجماعة؟ وهذا بالضبط ما يطالب به الفصل منذ بدايته.

رابع عشر: لماذا يفشل التحليل التقليدي أحيانًا؟

هنا نصل إلى لب الفصل الفكري. يرى بيرغن وسترمان أن كثيرًا من الدراسات تركز على:

كم هجومًا بالمسيّرات وقع؟

لكن هذا لا يكفي. لأن جماعة صغيرة قد تستخدم المسيّرة بطريقة مختلفة جذريًا عن دولة، وقد تستخدم جماعة أخرى التكنولوجيا نفسها لأغراض سياسية أو دعائية مختلفة.

لذلك يقترحان الانتقال من: دراسة السلاح → إلى دراسة السياق والاستراتيجية.

ومن: عدّ الهجمات  إلى فهم المنطق الذي يقف خلفها. وهذه ربما أهم مساهمة منهجية في الفصل كله.

خامس عشر: ماذا يتوقع الباحثان للمستقبل؟

الصورة التي يرسمها الفصل ليست أن العالم سيتحول ببساطة إلى عالم تملك فيه كل جماعة مسلحة طائرات متقدمة. بل الصورة أكثر تعقيدًا. هناك ثلاثة تطورات رئيسية:

1. انخفاض الحواجز أمام امتلاك التكنولوجيا

كلما انتشرت التكنولوجيا التجارية وتطورت، أصبح الوصول إلى بعض القدرات أسهل.

2. ازدياد التنوع في الاستخدام

لن يكون هناك نموذج واحد لـ”حرب المسيّرات”. بل ستظهر استخدامات مختلفة بحسب طبيعة الجماعة والصراع والموارد والأهداف.

3. زيادة احتمال المفاجأة

وهذه هي النقطة التي يخشاها الباحثان أكثر من غيرها. قد تعرف أجهزة الأمن أن جماعة ما تمتلك المسيّرات، لكنها لا تعرف بالضرورة متى وكيف ولماذا ستستخدمها. وهنا تكمن المفاجأة الاستراتيجية.

خلاصة الفصل

رسالة هذا الفصل يمكن تلخيصها في ستة استنتاجات:

  • أولًا: المسيّرات خرجت من احتكار الدول الكبرى وأصبحت جزءًا من بيئة أمنية أوسع.
  • ثانيًا: انتشار التكنولوجيا لا يعني أن جميع المستخدمين متساوون في القدرة؛ فالسياق السياسي والموارد والأهداف تحدد طريقة استخدامها.
  • ثالثًا: الحدود بين الدولة والجماعة المسلحة والشركة العسكرية الخاصة أصبحت أكثر ضبابية.
  • رابعًا: المسيّرات ليست مجرد سلاح؛ يمكن أن تكون أداة سياسية وردعية ودعائية أيضًا.
  • خامسًا: ضعف الدولة قد يكون دافعًا إلى استخدام المسيّرات، وليس دليلًا على قوتها.
  • سادسًا، وهو الأهم: لا ينبغي أن ندرس المسيّرات بمعزل عن الحرب التي تجري داخلها؛ ففهم التكنولوجيا لا يكفي من دون فهم الاستراتيجية.

هذا الفصل يشير في جوهره، إلى أن ثورة المسيّرات لم تكن مجرد ثورة في السلاح، بل ثورة في توزيع القوة نفسها. فالأداة التي بدأت بوصفها امتيازًا تكنولوجيًا للجيوش الكبرى أصبحت متاحة بأشكال مختلفة لدول ضعيفة، وشركات عسكرية خاصة، وجماعات مسلحة، وشبكات مرتبطة بالدول.

لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في الطائرة المسيّرة ذاتها، وإنما في المنطق الذي تستخدم به. فقد تتحول أداة صغيرة ومنخفضة الكلفة نسبيًا إلى وسيلة ضغط استراتيجي، أو جزء من عملية مركبة، أو أداة دعائية، أو وسيلة لتعويض ضعف طرف في مواجهة خصم أقوى.

ولهذا يرى بيرغن وسترمان أن أجهزة الأمن التي تكتفي بتسجيل عدد هجمات المسيّرات وأنواعها قد تجد نفسها أمام مفاجأة استراتيجية؛ لأن السؤال الحاسم ليس: من يملك المسيّرة؟، بل: ما الذي يريد أن يفعله بها، وفي أي سياق، وكيف تتكامل مع بقية أدواته؟

وهنا يلتقي الفصل السابع مباشرة مع الفصل السادس: الحروب الحديثة لم تعد تجري وفق الحدود القديمة بين دولة وجماعة، أو جيش وإرهاب، أو حرب وسلام؛ بل أصبحت مساحة هجينة تتداخل فيها الأدوات والفاعلون والاستراتيجيات.

واللافت في تسلسل الدراسة

الفصل السادس لخص كيف: تغيّرت طبيعة الحرب نفسها.

والفصل السابع يضيف: وتغيّرت الأدوات التي يستطيع الفاعلون غير الحكوميين استخدامها داخل هذه الحرب.

ثم يأتي الفصل الثامن والأخير ليطرح السؤال الأكبر:
إذا كان تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة والحركات الجهادية قد أصبحت أكثر انتشارًا ومرونة، لكنها في الوقت نفسه خرجت من مركز الاهتمام الاستراتيجي الأمريكي، فإلى أين يتجه الجهاد العالمي بعد 25 عامًا من 11 سبتمبر؟

وهذا تحديدًا هو موضوع الفصل الثامن: «مصير الجهادية العالمية اليوم: صمود داخلي وتراجع في الأولوية الاستراتيجية» بقلم آرون زيلين.

الفصل الثامن: مصير الجهادية العالمية اليوم

صمود داخلي وتراجع في الأولوية الاستراتيجية

المؤلف: Aaron Y. Zelin

يبدأ زيلين الفصل بمفارقة هي مفتاحه كله:

الحركة الجهادية اليوم أكبر وأكثر انتشارًا جغرافيًا، لكنها أقل أهمية في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية مما كانت عليه في أي وقت منذ 11 سبتمبر.

وهذه المفارقة هي التي يحاول الفصل تفسيرها.

أولًا: الحركة لم تختفِ… بل تغيّرت

يرفض زيلين فكرة أن الحركة الجهادية العالمية انتهت أو أصبحت مجرد بقايا متناثرة.

فبحسب عرضه، إذا قسنا قوتها بعدد المقاتلين، والمساحات التي تنازع عليها أو تديرها، والموارد التي تحصل عليها، وحجم إنتاجها الإعلامي، فإنها ما تزال قادرة على البقاء والتكيف.

لكن في المقابل، إذا قسناها بمكانتها في سلم أولويات الأمن القومي الأمريكي والغربي، فقد أصبحت أكثر هامشية. وهنا يضع الكاتب المفارقة المركزية:

الحركة لم تصبح بالضرورة أخطر من ذي قبل، لكنها أصبحت أقل اهتمامًا لدى خصومها. وهذا، في نظره، هو مصدر الخطر المستقبلي.

ثانيًا: القاعدة وتنظيم الدولة… قطبا الحركة

يقسم زيلين المشهد الجهادي إلى قطبين رئيسيين:

  • تنظيم الدولة الإسلامية وشبكاته وفروعه.
  • تنظيم القاعدة وفروعه الإقليمية.

لكنه يؤكد أن كليهما تغير جذريًا منذ 2001. وبحسب تقدير يستند فيه إلى تقرير للأمم المتحدة، يقدر عدد المقاتلين المحتملين للقاعدة وفروعها بنحو 25 ألفًا حول العالم، مقارنة بتقدير يقارب 500 عنصر عند هجمات 11 سبتمبر.

لكن الكاتب يحذر ضمنيًا من قراءة الرقم وحده؛ فالحركة الحالية ليست نسخة مكبرة من تنظيم 2001، وإنما حركة أكثر تشتتًا، وأكثر محلية في بعض ساحاتها، وأكثر قدرة على العمل عبر بيئات متباينة.

ثالثًا: التحول الكبير نحو أفريقيا

هذه واحدة من أهم أفكار الفصل. يرى زيلين أن “أفْرَقة” تنظيم الدولة أصبحت مكتملة.

ويذكر أن التنظيم أعلن مسؤوليته عن 1,218 هجومًا خلال 2025، وأن 85% منها وقعت في أفريقيا، مع تصدر نيجيريا من حيث عدد الهجمات، والصومال من حيث عدد الضحايا وفق البيانات التي يعرضها الكاتب. كما يشير إلى أن فرع غرب أفريقيا يضم، وفق تقديرات أممية، نحو 8,000 إلى 12,000 مقاتل، بينما أصبح فرع التنظيم في الصومال مهمًا بصورة تتجاوز حجمه العددي، بسبب دوره الإقليمي وموقعه في شبكة التنظيم.

لماذا أفريقيا؟

لأن البيئة هناك، بحسب منطق الفصل، تمنح الجماعات المسلحة مزيجًا من:

  • ضعف بعض مؤسسات الدولة.
  • اتساع المناطق الريفية.
  • النزاعات المحلية.
  • الحدود الطويلة.
  • الصراعات الإثنية والسياسية.
  • محدودية الحضور العسكري الدولي.

أي أن الحركة لم تعد بحاجة إلى تكرار نموذج العراق وسوريا حتى تبقى موجودة.

لقد انتقلت بعض ثقلها إلى أماكن أخرى.

رابعًا: الصومال يحتل مكانة مهمة في الصورة الجديدة

يولي الفصل اهتمامًا واضحًا للصومال. فالكاتب يذكر أن فرع تنظيم الدولة في الصومال يستضيف مكتبًا إقليميًا مهمًا، وأن الصومال أصبح، في تصوره، إحدى النقاط المهمة في شبكة التنظيم الأفريقية.

لكن الكاتب لا يضع تنظيم الدولة وحده في المشهد الصومالي؛ بل يذكر أيضًا حركة الشباب المجاهدين باعتبارها الفرع الأغنى في شبكة القاعدة.

ويشير إلى أن حركة الشباب المجاهدين استعادت جزءًا كبيرًا من الأراضي التي خسرتها في 2022–2023، ونفذت هجمات واسعة، ووصل نفوذها إلى درجة أثارت لدى بعض الدبلوماسيين مخاوف من مستقبل مقديشو. وهذا يعكس تحولًا مهمًا في الحركة الجهادية:

أفريقيا لم تعد مجرد ساحة خلفية، بل أصبحت إحدى أهم ساحات المنافسة الجهادية عالميًا.

خامسًا: تراجع تنظيم الدولة في سوريا والعراق لا يعني نهايته

يذكر زيلين أن هجمات تنظيم الدولة المعلنة في سوريا تراجعت بشكل كبير بعد سقوط نظام الأسد، كما انخفض نشاطه في العراق إلى مستويات ضئيلة للغاية مقارنة بذروة التمرد السابقة.

لكن الكاتب لا يفسر ذلك باعتباره “عودة التنظيم إلى الصفر”. بل يستخدم تعبيرًا مهمًا:

Recalibration — إعادة المعايرة، أي أن التنظيم يعيد توزيع جهده بدل أن يكون في حالة عودة شاملة. فالتراجع في سوريا والعراق قد يترافق مع توسع في أفريقيا، أو مع نشاط خارجي، أو مع إعادة ترتيب الشبكات. وبالتالي:

انخفاض الهجمات في مركز قد يعني انتقال الثقل إلى أطراف أخرى، وليس بالضرورة انهيار الحركة.

سادسًا: سوريا نفسها أنتجت مفارقة جديدة

يرى زيلين أن التطورات السورية صنعت وضعًا غريبًا بالنسبة إلى تنظيم الدولة. فمن جهة، أصبح لدى الحكومة السورية الجديدة تعاون مع الولايات المتحدة في مكافحة التنظيم، بعدما كانت دمشق في السابق خصمًا لواشنطن.

ومن جهة أخرى، أدت التحولات الأمنية في شمال شرق سوريا إلى تفكك منظومة احتجاز كانت تضم آلاف الأشخاص المرتبطين بالتنظيم وعائلاتهم. ويحذر الكاتب من أن انهيار منظومة الاحتجاز، وتشتت أعداد كبيرة من النساء والأطفال المرتبطين بالتنظيم، قد يصنع بيئة يصعب على السلطات مراقبتها.

وفكرة الكاتب هنا ليست أن كل هؤلاء الأشخاص سيصبحون بالضرورة أعضاء في التنظيم، وإنما أن تفكك البيئة التي كانت تخضع للمراقبة يوجد مشكلة أمنية وإنسانية طويلة المدى.

سابعًا: تنظيم الدولة لم يعد يحتاج إلى “الخلافة”

وهذه ربما أهم نقطة في فهم التحول التنظيمي. تنظيم الدولة اليوم، وفق الفصل، لا يعمل بالطريقة التي عمل بها عندما سيطر على مساحات واسعة في العراق وسوريا. بدل الدولة المعلنة والمشروع الإقليمي الكبير، أصبح يعتمد أكثر على: شبكة عالمية موزعة.

ويصف زيلين التنظيم بأنه أصبح أكثر تكاملًا على المستوى العالمي، مع قدرة على نقل الأموال والخبرات والتخطيط بين المسارح المختلفة. أي أن خسارة الأرض لا تعني بالضرورة خسارة التنظيم لقدرته على العمل. وهنا يظهر أحد أهم دروس السنوات الماضية: يمكن لجماعة أن تخسر “الدولة” وتحتفظ بالشبكة.

ثامنًا: خراسان نموذج للمرحلة الجديدة

يتوقف الكاتب عند تنظيم الدولة – ولاية خراسان باعتباره نموذجًا مهمًا للعمليات الخارجية. ويستشهد بهجمات كبيرة وقعت في إيران وروسيا خلال 2024، ثم يتحدث عن نشاط الشبكات المرتبطة به في أوروبا وآسيا الوسطى. لكن الاستنتاج الأهم لديه هو أن خراسان لم تعد حالة منفردة، بل أصبحت مثالًا على قدرة الفروع الإقليمية على إنتاج تهديدات تتجاوز حدود المنطقة التي تنشط فيها. أي أن: الجغرافيا المحلية لا تمنع التأثير العالمي. وهذا يفسر لماذا تظل الفروع الأفريقية والآسيوية مهمة حتى لو لم تكن قادرة على الوصول عسكريًا إلى الغرب.

تاسعًا: تغير قائمة أعداء تنظيم الدولة

من الملاحظات المثيرة في الفصل أن الكاتب يرصد تغيرًا في طريقة تحديد التنظيم لخصومه. فمع تحول النظام العالمي نحو التنافس بين قوى متعددة، يرى زيلين أن التنظيم بدأ يركز أكثر على الصين ومصالحها في بعض المناطق، إلى جانب خصومه التقليديين. وهنا يطرح الفصل فكرة مهمة:

الحركة الجهادية تتكيف مع النظام الدولي أسرع أحيانًا من القوى التي تواجهها.

فإذا تغيرت خريطة القوة العالمية، فإن التنظيم يستطيع إعادة تعريف من يعتبره خصمًا أو هدفًا دعائيًا وسياسيًا.

عاشرًا: الدعاية هي الغراء الذي يربط الشبكة

بعد الحديث عن التنظيمات والأراضي والفروع، ينتقل زيلين إلى شيء لا يقل أهمية: الإعلام.

فبالنسبة إليه، الدعاية ليست مجرد نشاط ثانوي؛ بل هي الوسيلة التي تربط: المركز ← الفروع ← الأنصار. ويشير إلى استمرار قدرة تنظيم الدولة على الحفاظ على بنية إعلامية إلكترونية رغم الضغوط التي تعرض لها، مع استخدام منصات ومواقع بديلة وتجارب تقنية جديدة. لكن الكاتب يلاحظ مفارقة أخرى: الدعاية تكشف قوة التنظيم وضعفه في الوقت نفسه. فهي تحاول باستمرار الحفاظ على معنويات المؤيدين وإقناعهم بأن التنظيم ما يزال صامدًا، بينما تكشف بعض خطاباته عن قلق من تراجع الحماس والانشقاق الداخلي. بمعنى آخر: الحركة ما تزال قادرة على التعبئة، لكنها أصبحت مضطرة إلى بذل جهد أكبر لإقناع جمهورها بأنها تنتصر.

الحادي عشر: ماذا عن القاعدة؟

هنا يختلف المشهد. إذا كان تنظيم الدولة أكثر مركزية وتكاملًا إعلاميًا وتنظيميًا، فإن القاعدة، بحسب زيلين، تمر بمرحلة يمكن وصفها بـ:

Bifurcation — الانقسام إلى مركز وفروع، المركز، تحت القيادة الفعلية لسيف العدل بحسب الكاتب، يبدو أكثر هدوءًا ويركز على إعادة بناء قدراته وشبكاته. لكن الفروع الإقليمية أصبحت أكثر نشاطًا واستقلالية في الواقع. وهذا يعني أن القاعدة لم تعد منظمة يقود مركزها كل شيء كما كان متصورًا بعد 11 سبتمبر. بل أصبحت الفروع أهم من المركز في بعض المناطق.

الثاني عشر: جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في مالي

يقدم الكاتب جماعة نصرة الإسلام والمسلمين JNIM بوصفها أحد أهم الأمثلة على صعود الفروع. ويشير إلى استخدامها الضغط الاقتصادي والسياسي، واتساع نفوذها في مالي، وتوسعها نحو دول أخرى في غرب أفريقيا. والأهم أن الجماعة لا تعتمد فقط على الهجمات. بل تسعى، وفق تحليل الفصل، إلى بناء نوع من الحوكمة المحلية من خلال الضرائب وتسوية النزاعات والسيطرة على مناطق معينة. وهذا يعيدنا إلى فكرة ظهرت في الفصول السابقة:

بعض الجماعات الجهادية تتحول من مجرد تنظيمات تنفذ هجمات إلى فاعلين يحاولون ممارسة وظائف الدولة.

وهذا أخطر من مجرد زيادة عدد العمليات؛ لأنه يخلق بنية اجتماعية وسياسية يصعب تفكيكها بضربات عسكرية فقط.

الثالث عشر: حركة الشباب المجاهدين نموذج آخر

في شرق أفريقيا، يرى زيلين أن حركة الشباب المجاهدين تمثل النموذج الأبرز لفروع القاعدة التي تمكنت من بناء قدرات محلية طويلة الأمد. ويشير إلى توسعها العسكري ومحاولتها الضغط على الحكومة الصومالية، واستعادة بعض المواقع التي فقدتها سابقًا. وبذلك تصبح الصورة العالمية للقاعدة مختلفة عن صورتها القديمة: المركز ضعيف نسبيًا، لكن الفروع المحلية قد تكون قوية جدًا. وهذا أحد أهم تحولات ربع القرن.

الرابع عشر: القوى الكبرى تتنافس… والجماعات تستغل الفراغ

هنا يصل الفصل إلى أكثر أفكاره السياسية أهمية. العالم لم يعد عالم الهيمنة الأمريكية المنفردة الذي كان موجودًا عام 2001. اليوم هناك:

  • الولايات المتحدة.
  • الصين.
  • روسيا.
  • إيران.
  • تركيا.
  • قوى إقليمية أخرى.

وكل طرف لديه مصالح مختلفة. وهذا يصنع، بحسب زيلين، شقوقًا وفراغات بين القوى المتنافسة تستطيع الجماعات الجهادية التحرك من خلالها. ويضرب مثالًا بمنطقة الساحل، حيث تتداخل مصالح روسيا وتركيا والولايات المتحدة وغيرها. والنتيجة: الجماعة لا تحتاج إلى أن تكون أقوى من جميع خصومها؛ يكفي أحيانًا أن تستفيد من اختلاف مصالحهم.

الخامس عشر: المفارقة الكبرى – خصم صامد ومدافع مشتت

بعد أن ينتهي الكاتب من وصف الحركة الجهادية، ينتقل إلى الطرف الآخر: الولايات المتحدة.

وهنا يصبح الفصل أكثر نقدًا.

يرى زيلين أن الولايات المتحدة منذ 2025 بدأت في تفكيك أجزاء مهمة من البنية التي بنتها لمكافحة الإرهاب بعد 11 سبتمبر. ويذكر تقليص برامج بحثية، وإعادة توزيع الموارد، وتخفيض أعداد العاملين، وإغلاق أو تقليص برامج مرتبطة بالتطرف العنيف. لكن حجته ليست أن مكافحة الإرهاب يجب أن تعود إلى حجمها الهائل بعد 11 سبتمبر. بل يقول شيئًا أكثر دقة: المشكلة ليست في خفض الأولوية، وإنما في خفضها إلى درجة تفقد معها الدولة خبرتها المتراكمة.

السادس عشر: “المعرفة المؤسسية” هي جوهر المشكلة

هذه أهم فكرة في النصف الثاني من الفصل. يقول زيلين: يمكن إعادة الأموال في دورة موازنة واحدة، لكن لا يمكن إعادة المعرفة بهذه السرعة. فالموظفون الذين أمضوا سنوات في دراسة القاعدة وتنظيم الدولة، ومعرفة شبكاتهما وطرق تمويلهما وقياداتهما وتغيراتهما، إذا غادروا المؤسسات، فإن خسارتهم لا تعوض بمجرد توظيف أشخاص جدد. لأن مكافحة الإرهاب، في نظره، تعتمد بدرجة كبيرة على:

  • الخبرة المتراكمة.
  • فهم الشبكات.
  • معرفة السياقات المحلية.
  • العلاقات بين الأجهزة.
  • القدرة على ملاحظة التغيرات الصغيرة قبل أن تتحول إلى أزمة.

وهذه كلها أشياء تحتاج إلى سنوات من التدريب والتجربة.

السابع عشر: لماذا يشبه ذلك أجواء ما قبل 11 سبتمبر؟

هنا يصل الكاتب إلى أكثر أجزاء الفصل إثارة للجدل. فهو يقارن الوضع الحالي، مع التحفظ، بأجواء التسعينيات. ويقول إن القاعدة في التسعينيات كانت تُعامل أحيانًا باعتبارها مشكلة أمنية محدودة على هامش الاهتمامات الاستراتيجية الكبرى. وفي الوقت نفسه كانت تبني:

  • ملاذات.
  • شبكات تمويل.
  • علاقات دولية.
  • قدرات عملياتية.

ثم جاءت هجمات السفارتين الأمريكيتين في شرق أفريقيا عام 1998، وهجوم USS Cole عام 2000، لكنهما لم ينتجا التحول الاستراتيجي الذي حدث بعد 11 سبتمبر.

والدرس الذي يستخلصه:

يمكن أن تنفصل “حقيقة التهديد” عن “إدراك التهديد”.

أي أن التهديد قد يكون موجودًا، بينما تتراجع المؤسسات عن رؤيته باعتباره أولوية. وهذه المسافة، بحسب الكاتب، هي المكان الذي يمكن أن تحدث فيه المفاجأة الاستراتيجية.

الثامن عشر: لا يعني أن هجوم 2001 سيعود

زيلين نفسه يقول إن المقارنة مع التسعينيات لا ينبغي المبالغة فيها. فالولايات المتحدة اليوم تمتلك بنية أمنية واستخباراتية أقوى بكثير مما كانت عليه قبل 2001. كما أن الحركة الجهادية الحالية مختلفة؛ إذ أصبح جزء مهم منها أكثر انشغالًا بالسيطرة المحلية وإدارة الأراضي، خصوصًا في الساحل والقرن الأفريقي، وأقل تركيزًا على تنفيذ هجوم ضخم في الولايات المتحدة. فهو لا يرى أن  “11 سبتمبر جديد قادم.” بل يقول: كلما ازداد تجاهل الحركة، ازدادت مساحة المفاجأة المحتملة. 

التاسع عشر: الحل الذي يقترحه الكاتب

وهنا يختم زيلين بصورة عملية، لكنها ليست دعوة إلى العودة إلى حرب عالمية على الإرهاب. هو يقترح ما يمكن تسميته: “حدًا أدنى مستدامًا” لمكافحة الإرهاب.

أي الاحتفاظ بالقدرات الأساسية بدل العودة إلى تضخيم الجهاز الأمني كما حدث بعد 2001.

ويركز خصوصًا على:

1. الحفاظ على مركز مكافحة الإرهاب وقدرته على دمج المعلومات.

2. الحفاظ على قواعد البيانات والبحث الأكاديمي الضروري لفهم التطور طويل المدى.

3. حماية استقلال التحليل الاستخباراتي.

4. الحفاظ على العلاقات بين أجهزة الأمن الدولية.

5. التركيز على مؤشرات محددة بدل محاولة مراقبة كل شيء.

ومن المؤشرات التي يرى أنها تستحق المتابعة: النشاط الخارجي القادم من أفغانستان والساحل والصومال، وتطور أشكال الحكم الجهادي المحلي، وحركة المقاتلين والتمويل بين المسارح، وتبني الذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة.

العشرون: الخلاصة الكبرى التي ينتهي إليها الفصل

ينتهي زيلين بفكرة شديدة الدلالة: الحركة الجهادية لم تنتصر، لكنها لم تمت أيضًا. لقد خسرت:

  • قياداتها المؤسسة.
  • “الخلافة” الإقليمية لتنظيم الدولة.
  • آلاف المقاتلين.
  • أجزاء واسعة من بنيتها القديمة.

لكنها في الوقت نفسه تكيفت وانتقلت جغرافيًا وتنظيميًا. وفي المقابل، لم تعد الولايات المتحدة تنظر إليها باعتبارها التهديد المركزي الذي كانت تراه بعد 11 سبتمبر. وهنا يرى الكاتب الخطر:

العدو يتعلم كيف يعيش في عالم مشتت، بينما خصومه يتعلمون كيف يعيشون من دونه.

وهذا، في جوهر الفصل، هو مصدر القلق.

بعد ربع قرن من 11 سبتمبر، لا تبدو الحركة الجهادية العالمية كما كانت في 2001، لكنها أيضًا لم تختفِ كما توقع كثيرون. فقد فقدت تنظيم الدولة دولته المعلنة، وفقدت القاعدة جزءًا كبيرًا من مركزيتها، لكن الفروع الإقليمية أصبحت أكثر أهمية، وانتقل الثقل تدريجيًا نحو أفريقيا، ولا سيما الساحل والقرن الأفريقي.

وفي الوقت الذي أصبحت فيه الحركة أقل قدرة على فرض نفسها باعتبارها التهديد العالمي الأول، أصبحت أكثر قدرة على العيش داخل الفوضى الدولية؛ مستفيدة من تنافس القوى الكبرى، ومن ضعف بعض الدول، ومن الحدود والمساحات التي لا تسيطر عليها الحكومات بصورة كاملة.

أما المفارقة الأخطر، في رأي زيلين، فهي أن تراجع الخطر في الوعي السياسي لا يعني بالضرورة تراجع الخطر على الأرض. فحين تتراجع الموارد، ويغادر الخبراء، وتتقلص قواعد البيانات والبحوث، وتتفكك قنوات التنسيق بين الأجهزة، لا تخسر الدولة المال فقط، وإنما تخسر شيئًا أصعب في استعادته: الذاكرة والخبرة والقدرة على التعرف إلى التحولات المبكرة.

لذلك لا يدعو الفصل إلى إعادة عقارب الساعة إلى ما بعد 11 سبتمبر، ولا إلى تضخيم خطر الجهادية من جديد، وإنما إلى موقف أكثر توازنًا: لا تهويل، ولا نسيان. وهذه هي العبارة التي تلخص روح الفصل والدراسة كلها تقريبًا:

الخطر ليس أن تعود الحركة الجهادية إلى عام 2001؛ بل أن تتغير مرة أخرى بينما يتوقف العالم عن مراقبة تغيرها.

والخلاصة العامة للدراسة كلها

بعد قراءة الفصول الثمانية، يمكن الآن فهم الصورة التي أراد مؤلفو الدراسة رسمها كاملة:

الفصل الأول سأل: ماذا نجحت الولايات المتحدة في فعله بعد 11 سبتمبر، وأين أخطأت؟

الفصل الثاني سأل: ما الأخطاء الفكرية التي شوّهت فهم التهديد؟

الفصول الوسطى تتبع تطور الحركة، وفروعها، وبيئاتها، وتحولات العنف والصراع.

الفصل السادس قال إن الحدود القديمة بين الإرهاب والحرب والتمرد أصبحت أكثر ضبابية.

الفصل السابع أظهر كيف ساعدت التكنولوجيا، ومنها المسيّرات، في نقل بعض القدرات العسكرية إلى الجماعات غير الحكومية.

ثم يأتي الفصل الثامن ليضع النتيجة السياسية الكبرى:

الحركة الجهادية لم تعد هي الحركة نفسها التي ضربت الولايات المتحدة عام 2001، والولايات المتحدة لم تعد الدولة نفسها التي بنت إمبراطورية مكافحة الإرهاب بعد الهجمات. كلا الطرفين تغير؛ لكن المشكلة أن أحدهما لا يزال يتكيف، بينما بدأ الآخر يفقد جزءًا من الذاكرة التي اكتسبها خلال 25 عامًا.

وهذا يفسر عنوان الدراسة كله: “مستقبل الحركة الجهادية العالمية بعد 25 عامًا من 11 سبتمبر”؛ فهي لا تقول ببساطة إن الجهادية عادت، ولا تقول إنها انتهت، وإنما ترسم حركة أكثر لامركزية، وأكثر انتشارًا في أفريقيا، وأكثر قدرة على التكيف، وأقل مركزية في الحسابات الغربية، في مقابل عالم دولي أصبح منشغلًا بتنافس القوى الكبرى وحروب أخرى. وبذلك تكون المفارقة المركزية للدراسة:
كلما أصبحت الحركة أقل ظهورًا في صدارة المشهد العالمي، قد تصبح قدرتها على العمل في الظلال أكثر أهمية.

نقد مختصر لمحتوى الدراسة

إن النظر في محتوى دراسة «مستقبل الحركة الجهادية العالمية: 25 عامًا بعد 11 سبتمبر»، يجعل من الصعب إنكار أهمية ما تقدمه من رصد لتحولات الجماعات الجهادية، وانتشارها الجغرافي، وتغير أدواتها، وتراجع مركزية بعضها وصعود فروع أخرى، خصوصًا في إفريقيا. لكن الدراسة، رغم اتساعها الزمني، تبدو في مواضع كثيرة أقوى في وصف الظاهرة من تفسير جذورها، وأكثر انشغالًا بكيفية احتواء الإرهاب من السؤال الأسبق: لماذا ينشأ أصلًا؟

فالدراسة تنظر بدرجة كبيرة إلى الجماعات بوصفها مشكلة أمنية يجب مراقبتها ومنعها من التطور إلى تهديد أكبر، لكنها لا تمنح الأسباب السياسية والتاريخية والاجتماعية التي أنتجت هذه الجماعات الوزن نفسه. والحال أن الإرهاب لا ينشأ في فراغ؛ فخلف الاحتلال، والحروب الأهلية، وانهيار الدول، والقمع، والتهميش، والانسداد السياسي، ومظالم المجتمعات المحلية، وسطوة الهيمنة، والعداء ضد الإسلام، وقمع كل أشكال الحكم الإسلامي المستقل والحر، تتشكل بيئات يصبح فيها العنف أكثر قابلية للظهور والاستمرار. ووصف الجماعة بأنها «إرهابية» قد يكون صحيحًا في جانب من جوانب سلوكها، لكنه لا يجيب وحده عن السؤال: ما الذي جعلها تظهر، ولماذا وجدت في ذلك المجتمع مساحة للنمو؟

وتبدو هذه الثغرة أكثر وضوحًا في قضية فلسطين. فمن الصعب قراءة هجوم السابع من أكتوبر بمعزل عن عقود من الاحتلال والحصار، وتدهور الأوضاع في غزة، وانسداد الأفق السياسي، واستمرار الصراع حول الحقوق الفلسطينية. وهذا لا يبرر أي أخطاء قد ترتكبها الجماعات الجهادية؛ لكنه يوضح أن إدانة الفعل لا تكفي لتفسير الظاهرة التي أنتجته. فإذا أردنا منع تكرار العنف، فلا يكفي أن نسأل كيف نطارد الفاعلين، بل علينا أن نسأل أيضًا: ما الظروف التي تجعل هذا العنف ممكنًا أصلًا؟ فالدعم اللامحدود للاحتلال الإسرائيلي من القوى الغربية هو الذي صنع هجوم أكتوبر، والاستمرار في اضطهاد الشعب الفلسطيني هو بالأساس الذي أحدث الحادي عشر من سبتمبر، ولا يزال قسم الشيخ أسامة بن لادن الشهير يوثق هذه الحقبة بشكل جيد جدا، لكن الولايات المتحدة وحلفها المتهور إلى اللحظة – مع نجاحهم في إخراج آلاف التقارير والدراسات، لا يزالون عاجزين أو مكابرين، للاعتراف بأن سياساتهم المجحفة والعدوانية والظالمة هي التي أحدثت الإرهاب وأوجبته. وإلا فلا يوجد قوى تتشكل بهذه المرونة والإصرار والصبر الكبير والطويل، من فراغ إلا أن يكون خلفها مظالم كبيرة وحقوق مهدرة، وصراعات وجودية هي التي تغذي بقاءها منذ ربع قرن! ولا تزال أسباب هجوم الحادي عشر من سبتمبر هي نفسها التي تندلع لها الهجمات في كل مرة لأن التحالف الدولي الغربي لا يريد أن ينصت ولا يستمع لضحاياه، تماما كما فعل مع العبيد الأفارقة الذين نقلهم لبلاده ليستعبدهم، ولم يفهم لماذا كانوا يثورون ولو بحجر يحملونه ولو كان في ثورتهم حتوفهم. لأنه أعمى البصر والبصيرة، ولا يرى إلا نفسه.

وهنا تظهر مشكلة أوسع تتعلق بمفهوم «الإرهاب» نفسه. فقد أظهرت حروب السنوات الأخيرة أن استهداف المدنيين أو التسبب في مقتلهم ليس سلوكًا حصرًا على الجماعات غير الحكومية كما يزعمون؛ فقد شهدت غزة والسودان وغيرها من النزاعات انتهاكات جسيمة ارتكبتها أطراف دولية ومحلية مختلفة. تصرفت كعصابات قطاع طرق ومجرمين بهيئة دول وحكومات؛ وهذا يكشف أن العنف ضد المدنيين وحده لا يصلح بوصفه مفتاحًا تفسيريًا كافيًا كما يدعي ويزعم المصنفون للجماعات الجهادية، بتشويه للحقائق وتحريف لها، وأن تصنيف الفاعل يجب أن يخضع لمعايير عادلة ودقيقة، لا لموقعه من المعادلة الدولية.

والأهم أن عالم ما بعد 11 سبتمبر لم يعد عالمًا بسيطًا تقف فيه «الدولة» في جهة و«الإرهابي» في الجهة الأخرى. لقد تداخلت الحرب الأهلية مع التمرد، والإرهاب مع حرب العصابات، والصراع الداخلي مع التدخل الخارجي، واستخدمت الدول والجماعات المسلحة أدوات متشابهة أحيانًا. والدراسة نفسها تقترب من الاعتراف بهذا التداخل حين تناقش تحولات الحرب الحديثة، لكنها لا تستثمر هذه النتيجة بما يكفي لإعادة التفكير في الإطار الذي قامت عليه مكافحة الإرهاب بعد 11 سبتمبر.

وهنا تبرز مفارقة أفغانستان. فقد أمضت الولايات المتحدة نحو عشرين عامًا في حرب استهدفت طالبان، ثم انتهى المسار بالانسحاب الأمريكي وعودة طالبان إلى حكم البلاد. وهذا يطرح سؤالًا استراتيجيًا لا يمكن تجاهله: إذا كان المآل النهائي في النهاية سياسيًا، فلماذا استغرق الوصول إليه عقدين من الحرب؟ ولماذا كبّد الأفغان الآلاف من القتلى وتدمير بلادهم وتهجير أهلها؟ وذاكرة مثقلة من فواجع الحرب؟ السؤال ليس عن طالبان وحدها، بل عن جدوى تحويل صراعات سياسية طويلة الأمد إلى حروب أمنية مفتوحة. وعن حقيقة أن أمريكا تصرفت بتهويل وتهور كبير، ولم تبالي بشعب كامل ودولة كاملة، لأنها لا تهتم أساسا لحقوق الشعوب والدول. وقد فشلت الدراسة إذ أنها لم تذكر نموذج طالبان في سياق تتبعها للحركة الجهادية، ولم تعترف ولو بخجل، أن سياسات الغرب هي التي تولد المزيد من نماذج الإمارة الإسلامية في أفغانستان. وهو ما يجب لكل شعب يريد أن يعيش حرا كريما بدينه ومعتقده وأخلاقه، تلك الحقوق التي لا يريد الغرب أن يعترف بها ولا أن يحترمها ويفرض بدلا من ذلك، قوالبه الليبرالية عليها بقوة السلاح وصفاقة الأساليب السياسة الساقطة.

وتقدم التحولات في سوريا، وإن لم تكن محورًا في هذه الدراسة مع أنه كان يجب أن تكون محورا لتكتمل صورة الدراسة، تقدم مثالًا آخر على ضرورة عدم التعامل مع الجماعات المسلحة بوصفها كيانات ثابتة إلى الأبد؛ فقد تتحول جماعات كانت في موقع التمرد أو الصراع المسلح إلى أطراف سياسية أو سلطات حاكمة، فتتغير طبيعة العلاقة معها جذريًا. وهذا يفرض على التحليل الأمني أن يضع التحولات السياسية وإمكانات التسوية في قلب الصورة، لا على هامشها. كما يكشف تناقضات الغرب في تعريف الإرهاب بين الصرامة والتحالف!

ومن هنا يمكن القول إن المشكلة الأعمق في أكثر أدبيات مكافحة الإرهاب هي أنها قد تنظر إلى «الجماعة» باعتبارها المشكلة، بينما تكون الجماعة في أحيان كثيرة عرضًا لصراع أكبر. وإذا كان الصراع على الأرض والسلطة والموارد والهوية والنفوذ مستمرًا، فإن القضاء على جماعة واحدة قد يترك المجال مفتوحًا لظهور جماعة أخرى تحمل مظلمة جديدة أو الاسم نفسه بأدوات مختلفة.

حتى صعود الجماعات الجهادية في إفريقيا، الذي تحذر منه الدراسة، يحتاج إلى هذه العدسة الأوسع. فالساحل والقرن الإفريقي لا يصبحان بيئة خصبة للعنف لمجرد وجود جماعات جهادية؛ بل بسبب ضعف الدولة، والنزاعات المحلية، والتهميش، والفقر، والصراعات على الأرض والموارد، والحدود الهشة، والتدخلات الخارجية وجرائم المرتزقة الدوليين، وفقدان الثقة بالمؤسسات. ولذلك فإن التعامل مع إفريقيا باعتبارها «المسرح الجديد للإرهاب» دون تفكيك هذه العوامل قد يقود إلى إعادة إنتاج المشكلة نفسها: مطاردة النتيجة وترك أسبابها لأنها في الواقع تحرم التحالفات الغربية قواعد الهيمنة وأسباب استعباد الشعوب التي تبحث عن حريتها واستقلاليتها بدينها وثقافاتها.

ومن المفارقات أيضًا أن الدراسة تنتقد بعض ما تصفه بـ”مبالغات مرحلة ما بعد 11 سبتمبر”، لكنها تنتهي إلى التأكيد على ضرورة الحفاظ على الحد الأدنى من البنية الاستخباراتية ومكافحة الإرهاب والذاكرة المؤسسية الأمريكية. وهذا يترك سؤالًا أكبر بلا إجابة كافية: هل يكفي أن تصبح الولايات المتحدة أفضل في مراقبة الظاهرة، أم أن المطلوب أن تصبح أفضل في فهم السياسة التي تنتجها؟

فالتهويل الأمني قد يصنع تصورًا حادًا وضيقًا للمشكلة؛ يجعل العالم يبدو وكأنه ساحة مواجهة بين دول تحمي الأمن وجماعات تهدده، بينما الواقع أكثر تعقيدًا بكثير: هناك صراعات على السلطة، ونفوذ إقليمي، ومصالح دولية، وانهيار دول، واحتلالات، وحروب بالوكالة، ومجتمعات تحمل مظالم متراكمة. وبعبارة أخرى، لسنا دائمًا أمام حرب بين «الدولة» و«الإرهاب» بقدر ما نحن أمام صراعات على العروش وموازين القوة، يتخذ الإرهاب في بعضها شماعة لتبرير العنف الدولي.

لهذا فإن أهم ما ينقص الدراسة، ليس مزيدًا من المعلومات عن التنظيمات، بل سؤال: ماذا لو عولجت جذور الصراع قبل أن تتحول إلى بيئة للعنف؟ ماذا لو عولج الاحتلال، والظلم السياسي، وانهيار الدولة، والتهميش، والحروب الأهلية، والتدخلات الخارجية وتداعيات الهيمنة الغربية، باعتبارها قضايا أمنية أيضًا؟ ربما يكون الحل في بعض الحالات أبسط من الصورة التي رسمتها «الحرب على الإرهاب»: ليس دائمًا مزيدًا من المطاردة، ولا مزيدًا من القوة، ولا مزيدًا من الأجهزة؛ بل تسوية سياسية عادلة تعيد للمسلمين حقهم في العيش بحرية وكرامة.

فالخلاصة التي تتركها الدراسة، حتى من حيث لا تقصد، هي أن الحركة الجهادية لم تختفِ؛ لقد تكيفت وتغيرت وانتقلت إلى بيئات جديدة. لكن السؤال الذي ينبغي أن يضاف إلى ذلك هو: لماذا تتكيف هذه الظاهرة أصلًا؟ فإذا ظللنا ندرس قدرتها على البقاء دون أن ندرس الصراعات التي تمنحها أسباب البقاء، فقد نصبح أكثر براعة في وصف الإرهاب، من دون أن نصبح أقرب إلى فهمه وإنصافه.

كما أن هذه الدراسة تصمت تماما عن الطغيان الغربي في مطاردة الإرهاب، وعن جرائمه بحق المدنيين وعن إهماله لحقوق ضحايا قصوفاته المستهترة بدماء المسلمين، تماما كما أهلمت طغيان الاحتلال الإسرائيلي حليف الغرب “المدلل”، فهذا ملف لا يملك الباحثون في هذه الدراسة شجاعة لتناوله بشفافية، ولكشف كيف يوظف أدرباب مؤسساتهم الفاسدين واللصوص والعصابات وأمراء الحروب لقيادة الحكومات العميلة، والميليشيات الحليفة، وكيف تهدر حقوق الشعوب المسلمة، كأنها لا تستحق الحياة! ولو طبقنا الأساليب هذه نفسها على الشعوب الغربية لما كانت ستقبل أن تتدخل دول إسلامية في خصوصيات حكمها وثقافتها وحياتها وإدارة شؤون دولها، ولخرجت منها جماعات مسلحة تطالب بالاستقلال! فكيف يطالب المسلمون بالرضوخ للهيمنة الغربية وفي المقابل من ينتفض أو يرفض الاحتلال والهيمنة يطارد كإرهابي؟ ولا بأس من سحق قطاع غزة كاملا، لأجل قتل الإرهابيين من أبناء هذا القطاع المحاصر منذ سنوات؟ وإن كان فيه ملايين البشر فلابد وفق منطق الغرب أن يدفعوا الثمنن هذه حقيقة سياسات الغرب العنصرية.

ويستحق موقع الباحث نفسه في هذه المنظومة بعض التأمل. فآرون زيلين ليس باحثًا عابرًا في موضوع الإرهاب، بل أمضى القسم الأكبر من مسيرته العلمية والمهنية في دراسة الجهادية ومكافحة الإرهاب، وهو اليوم زميل أول في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى ومدير مشروع يتتبع نشاط تنظيم الدولة عالميًا، إلى جانب عمله الأكاديمي في جامعة برانديز. كما أن قائمة إنتاجه البحثي تكاد تتمحور بالكامل حول الجهادية والإرهاب والمقاتلين الأجانب والحكم الجهادي وما يسميه التطرف. ولا أتهمه بشكل مباشر أن مصالحه الشخصية تقف وراء استنتاجاته، وإن كان يحق لي أن أضعه كتساؤل قابل للدراسة، لكن هذه الخلفية المؤسسية والتخصصية تستحق أن تؤخذ في الاعتبار عند قراءة الدراسة. فالباحث الذي قضى سنوات طويلة داخل منظومة معرفية مكرسة لمراقبة الإرهاب ومكافحته قد يكون أكثر ميلًا إلى النظر إلى العالم من سؤال «كيف نحافظ على القدرة على رصد التهديد؟» من سؤال «كيف نزيل الظروف السياسية التي تنتج التهديد؟». وهنا يأتي النقد كمساءلةً للإطار الذي يحدد الأسئلة التي تُطرح والأسئلة التي تبقى خارج مركز الصورة.

فليس من مصلحة الموظفين في مجال الإرهاب أن يتوقف السؤال عن الإرهاب، لأنه ببساطة سيقضي على مصدر للتكسب وتحصيل الألقاب الأكاديمية والمؤسساتية في مسيرتهم الوظيفية.

بل إن هؤلاء الباحثين أنفسهم جزء من المعضلة التي تعيشها دراسة الإرهاب الغربية، فهم يبنون دراساتهم على ضمان استمرار “شعور الخوف” و”الترقب” وتضخيم ما يجذب أنظار صناع القرار الغربيين وتهميش ما قد يصنع الواقعية في معالجة قضية الإرهاب التي منها يشتكون.

ولكن استمرار التعاون الحكومي مع هذه الدراسات التي كثيرا ما تكون خادمة للقرارات الحكومية الجديدة في التعامل مع الإرهاب. يقودنا منطقيا إلى حقيقة أن كل ما يجري هو منظومة قهر واضطهاد لأي صعود إسلامي ممكن، فالغرب لا يريد للمسلمين الاستقلالية بشريعتهم والحكم بأحكام دينهم. ولذلك يستخدم شماعة الإرهاب ويوظف لها “الباحثين” لتضليل الوعي العام، هؤلاء الباحثين الذين ما زالوا لا يخجلون من تحريف حقائق الحرب على الإرهاب، رغم شدة بديهيتها ووضوحها، ليكون تحريفها في خدمة المصالح الغربية في تبرير انتهاكاته وعدوانيته وتدخلاته الصفيقة في الدول المسلمة. 

فقبل أن نسأل كيف نمنع تكرار هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ليستمع هؤلاء الباحثون وصناع القرار قليلا، لصوت قادة الجهاد، وليكفوا عن تهميش جواب سؤال: لماذا يقاتلونهم بإصرار كل هذه السنوات، ويضحون بأنفسهم وما يملكون في سبيل استمرار مدافعتهم للغرب وأحلافه؟

حين ينجح الباحثون في الإجابة عن هذا السؤال، نكون قد قطعنا شوطا كبيرا جدا في دراسات الإرهاب. ونتمنى أن يكون الجيل الجديد – الذي استوعب سريعا عدالة قضية المسلمين في رسالة الشيخ أسامة بن لادن لأمريكا – أن يكون أكثر يقظة ووعيا ولا يكرر أخطاء آبائه، فإن البلادة الغربية .. أو الوقاحة الغربية، لا تزيد الصراع في العالم إلا بنزينا واشتعالا، لكن ما يفوت هؤلاء أن المسلم على أرضه مستعد أن يقاتل طويلا جدا إلى آخر رمق، ويورث الثأر لأبنائه، وأن المحتل مصيره أن يخرج كما خرج من فيتنام وأفغانستان وسيخرح من كل أرض مسلمة طوعا أو كرها يوما مقبلا. وسيقف ذليلا أمام مساءلة أبنائه!

وإن كنت سألخص حقيقة هذا الإرهاب الذي يحاربون، فما هو إلا حقبة -لابد منها- للتخلص من هيمنة الغرب واحتلال الغرب واليهود لبلاد المسلمين، ولن تنتهي هذه الحقبة إلا بتثبيت أركان الحكم الإسلامي تماما – بل وأفضل مما كان عليه – قبل دخول جيوش الغرب للبلاد المسلمة وتقسيمهم لها تقسيم الاحتلال الغاشم. فالإرهابيون اليوم يسترجعون حقوقهم التي حرمهم منها الاحتلال الغربي منذ الحرب العالمية الأولى .. ولن ينتهي هذا التدافع، حتى تسترجع البلاد المسلمة خصوصيتها الثقافية وتستقل بشريعة ربها وخصائصها الحضارية المتفردة. لذلك يبدو أن دراسات الإرهاب ستصطدم بما توجبه العدالة التي لا تسقط معها الحقوق مهما تقادم الزمن.

جهاد محمد حسن

لتحميل المقالة بصيغة PDF