بينما تنشغل المنطقة باليمن والسعودية.. الاحتلال يصعّد قصف غزة واعتداءات المستوطنين في الضفة

في وقت تتجه فيه الأنظار إلى التصعيد في اليمن والسعودية والتوترات المتنامية في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، تتواصل الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة، بالتزامن مع تصاعد اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة الغربية المحتلة، في مشهد يكشف استمرار استهداف الفلسطينيين على جبهات متعددة، رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

قصف غزة.. منازل مدمرة وضحايا جدد

قُتل خمسة فلسطينيين على الأقل في غارتين إسرائيليتين استهدفتا قطاع غزة يوم السبت 10 أكتوبر، وفق مسؤولين صحيين نقلت عنهم وكالة رويترز. وقُتل أربعة أشخاص قرب مركز باندا التجاري في مدينة غزة، بينما سقط قتيل آخر في حي التفاح. وقال الجيش الإسرائيلي إن الضربتين استهدفتا مسلحين، من دون تقديم تفاصيل إضافية بشأن هويات القتلى.

وفي تطور آخر، أفادت تقارير نُشرت الأحد بأن غارات إسرائيلية أوقعت قتلى وجرحى إضافيين، فيما أُصيب ثمانية فلسطينيين، بينهم امرأة حامل، بنيران القوات الإسرائيلية في القطاع، بحسب وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا».

كما أُعلن عن وفاة طفل متأثرًا بإصابته السابقة برصاص القوات الإسرائيلية في شمال غزة، في وقت تتواصل فيه عمليات القصف والهدم رغم اتفاق وقف إطلاق النار.

ووفق وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، ارتفع عدد القتلى منذ بدء الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 74,377 شخصًا بحلول 11 أكتوبر 2026، بينما تجاوز عدد المصابين 175 ألفًا. وتقول الوزارة إن الهجمات الإسرائيلية منذ بدء وقف إطلاق النار أسفرت أيضًا عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى.

ولا تقتصر التداعيات على الضحايا المباشرين؛ فقد أدت الضربات الأخيرة إلى تدمير منازل وإجبار عائلات على النزوح مجددًا، في قطاع لا يزال معظم سكانه يواجهون أزمة سكن حادة، ونقصًا في الخدمات الأساسية، وتعثرًا في إعادة الإعمار.

المستوطنون يستهدفون موسم الزيتون

في الضفة الغربية المحتلة، تصاعدت اعتداءات المستوطنين بالتزامن مع انطلاق موسم قطف الزيتون، الذي يشكل مصدر دخل رئيسيًا لآلاف الأسر الفلسطينية، فضلًا عن مكانته الاقتصادية والاجتماعية المتجذرة في حياة الفلسطينيين.

وأفادت وكالة «وفا» بأن مستوطنين سرقوا محاصيل زيتون من أراضٍ فلسطينية في قرية المغير شمال شرقي رام الله يوم الأحد، تحت حماية قوات الاحتلال. وشملت الاعتداءات المتكررة في القرية إتلاف أشجار وسرقة محاصيل، في محاولة لحرمان المزارعين من الاستفادة من أراضيهم.

وفي المنطقة الواقعة بين بلدتي قصرة وجالود جنوب نابلس، هاجم مستوطنون مزارعين أثناء قطف الزيتون وسرقوا معداتهم الزراعية، بحسب مصادر محلية نقلت عنها «وفا». كما منعت قوات الاحتلال فلسطينيين من مواصلة قطف الزيتون في بلدتي الزاوية ومردا بمحافظة سلفيت، واحتجزت عددًا من النساء أثناء عملهن في الأراضي الزراعية.

وكانت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان قد وثقت 19 اعتداءً للمستوطنين يوم 9 أكتوبر، شملت الاعتداء على المزارعين، وإحراق واقتلاع أشجار الزيتون، وسرقة المحاصيل والمواشي، فضلًا عن الاعتداء على الفلسطينيين ومركباتهم. وأشارت الهيئة إلى اقتلاع أكثر من 50 شجرة زيتون في قصرة.

وتتجاوز خطورة هذه الممارسات الخسائر الزراعية المباشرة؛ إذ يؤدي منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، أو تخويفهم وإجبارهم على مغادرتها، إلى إضعاف مصادر رزقهم وتهيئة الظروف لفرض وقائع جديدة على الأرض، بما يخدم توسع المستوطنات والبؤر الاستيطانية.

المسجد الأقصى والاعتقالات والإخلاء القسري

وفي القدس المحتلة، اقتحم مستوطنون باحات المسجد الأقصى صباح الأحد، بحماية قوات الاحتلال، وفق محافظة القدس ووكالة «وفا». وقالت المحافظة إن بعض المقتحمين ارتدوا شالات الصلاة اليهودية، في ممارسات اعتبرتها جزءًا من محاولات فرض طقوس دينية داخل المسجد وتغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم فيه.

وفي الضفة الغربية، اعتقلت قوات الاحتلال 18 فلسطينيًا في محافظات جنين وطولكرم وبيت لحم، وفق «وفا». كما أصدرت سلطات الاحتلال أمرًا بإخلاء مبنى سكني فلسطيني في قلنديا، في خطوة تضاف إلى سلسلة الإجراءات التي تهدد مساكن الفلسطينيين ووجودهم في القدس ومحيطها.

وفي جنوب نابلس، أطلقت القوات الإسرائيلية الغاز المسيل للدموع، ما أدى إلى إصابة خمس نساء بالاختناق، بحسب الوكالة الفلسطينية. كما أغلقت قوات الاحتلال مداخل قرية مادما، في إجراء يقيد حركة السكان ويؤثر في وصولهم إلى الخدمات والأراضي الزراعية.

وتأتي هذه التطورات ضمن سياق أوسع من هدم المنازل وفرض القيود على الحركة والتوسع الاستيطاني. وحذرت الأمم المتحدة في تقريرها الإنساني الصادر في 2 أكتوبر من استمرار عنف المستوطنين وعمليات الهدم والإخلاء، وما تسببه من نزوح وتعطيل للتعليم والوصول إلى الأراضي الزراعية ومصادر المياه.

وقف إطلاق النار لا ينهي معاناة غزة

بعد مرور عام على اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته الولايات المتحدة، لا تزال بنود أساسية تتعلق بإعادة إعمار غزة، وتشكيل إدارة فلسطينية جديدة، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وتوسيع المساعدات الإنسانية تواجه تعثرًا شديدًا.

وأفادت وكالة أسوشيتد برس بأن تل أبيب وسعت نطاق سيطرتها داخل القطاع بدلًا من تنفيذ انسحاب شامل، فيما بقيت عملية إعادة الإعمار محدودة للغاية، واستمر معظم سكان غزة في العيش داخل خيام أو مبانٍ متضررة. كما ظل دخول المساعدات والمواد الضرورية لإصلاح البنية التحتية مقيدًا، وفق تقارير الأمم المتحدة.

وفي الضفة الغربية، تواصل الاعتداءات على المزارعين ومصادرة المحاصيل وتقييد الوصول إلى الأراضي الزراعية الضغط على المجتمعات الفلسطينية، بالتزامن مع عمليات الاعتقال والهدم والتوسع الاستيطاني.

انشغال إقليمي لا يوقف التصعيد

تزامن هذه التطورات مع انشغال المنطقة بالتوترات في اليمن والسعودية لا يعني بالضرورة وجود علاقة مباشرة بين هذه الملفات، لكنه يسلط الضوء على تعدد الأزمات التي تتنافس على الاهتمام السياسي والإعلامي. ففي الوقت الذي تتركز فيه المتابعة على التهديدات الإقليمية والمواجهات العابرة للحدود، يواجه الفلسطينيون استمرار القصف في غزة، وتصاعد اعتداءات المستوطنين والقيود العسكرية في الضفة الغربية والقدس.

وتكشف الوقائع الميدانية أن وقف إطلاق النار لم يتحول إلى حماية مستدامة للمدنيين، وأن الاتفاقات السياسية لم تضع حدًا للقتل والتدمير أو تضمن عودة النازحين إلى منازلهم وأراضيهم.

وبين استمرار الغارات في غزة، وسرقة محاصيل الزيتون والاعتداء على المزارعين في الضفة، واقتحامات المسجد الأقصى، تبقى القضية الفلسطينية أمام تحدٍّ يتجاوز وقف العمليات العسكرية إلى ضمان حماية السكان، ووقف التوسع الاستيطاني، وإنهاء الإجراءات التي تقوض وجود الفلسطينيين على أرضهم.