جرافات الحكومة الصومالية تهدم بيوت مقديشو وتهجّر سكانها.. مقاتلات تركية فوق الأحياء وشهادات تربط أسرة الرئيس بالاستيلاء على الأراضي

تتسع أزمة هدم المنازل وإخلاء السكان في العاصمة الصومالية مقديشو وضواحيها، مع استمرار عمليات تنفذها السلطات الحكومية وتطول أحياء سكنية ومواقع عامة وممتلكات خاصة. وبين خسارة المأوى والاعتراض على انتزاع الأراضي، يتصاعد غضب الأهالي، فيما تضع شهادات صحفية أسماء مرتبطة بأسرة الرئيس حسن شيخ محمود ضمن المستفيدين من بعض المواقع التي أُخرج سكانها منها.

ويمثل حي طوكيو في مديرية ياقشيد إحدى حلقات هذه الأزمة الممتدة، حيث تزامنت عملية إخلاء مع مواجهات بين القوات الحكومية والسكان، وتحليق منخفض لمقاتلات تركية من طراز «إف-16». ووصف أهالٍ التحليق بأنه مصدر ترهيب إضافي، بينما كانوا يواجهون القوات على الأرض وخطر فقدان منازلهم.

هدم يتنقل بين الأحياء

تتجاوز قضية الأراضي حدود طوكيو إلى مناطق متعددة من بنادر. وتشمل المواقع مديريات دينيلي وبونطيري، إلى جانب مناطق «أفريكان فيليج» والإطفاء ومصنع الحليب وترابُونكا والمستشفى العسكري والمعرض الوطني السابق.

وتشير المعلومات إلى اتساع عمليات التصرف في الأراضي منذ عام 2023، خلال رئاسة حسن شيخ محمود، لتشمل عقارات كانت تابعة للدولة المركزية، وأحياء مأهولة يتمسك سكانها بحقوق الملكية والإقامة.

وتعود بعض التعاملات، إلى الولاية الأولى للرئيس، مع شراء مئات قطع الأراضي قرب مطار مقديشو الدولي عام 2015. لكن الأزمة الحالية أكثر اتصالًا بحياة السكان اليومية، بسبب وصول الإخلاء والهدم إلى مناطق سكنية وفقدان أسر لمساكنها.

وتؤكد شهادات نقلتها الصحافة المحلية أن المتضررين يشملون أصحاب عقارات يحملون وثائق ملكية، وأن النزاع لا يقتصر على الإقامة في أراضٍ حكومية أو تجمعات غير مخططة.

أسرة الرئيس ومصير الأراضي بعد الإخلاء

في قلب الأزمة سؤال يتكرر بين المتضررين: إلى من تنتقل الأرض بعد خروج سكانها؟

في طوكيو، أكد السكان وصحفيين أن أراضي المنطقة بيعت لأثرياء ذوي صلات سياسية، بينهم قريب للرئيس. كما ترتبط بالشخص نفسه بعملية هدم سابقة في سوق سيناي، حيث قالوا إن الأرض انتهت أيضًا إلى جهات خاصة.

وتورد الصحافة الصومالية تفاصيل أوسع عن أدوار لأفراد من أسرة الرئيس، بينهم زوجاته، إلى جانب نواب ووسطاء وتجار مرتبطين بالقصر الرئاسي. وتنسب إليهم تلقي تخصيصات عقارية وإعادة توزيعها على أطراف أخرى، كما تربط بعض المنح بتفاهمات سياسية مع نواب مقابل عدم معارضة الرئيس.

ويجعل تداخل القرارات الحكومية مع مصالح أشخاص مقربين من السلطة الكشف عن أسماء المستفيدين وعقود التصرف في الأراضي مسألة أساسية لفهم ما يجري وتحديد المسؤوليات.

أراضٍ عامة ووثائق ملكية تُسقط

تحدد الصحافة أربع فئات رئيسية للأراضي المشمولة بهذه العمليات.

تضم الأولى مواقع للمصلحة العامة، منها قواعد عسكرية ومصانع ومستشفيات ومقار وزارات وسفارات وأسواق. ويثير التصرف فيها أسئلة بشأن حماية أصول الدولة، وقيمة بيعها، والجهات التي تتلقى عائداتها.

وتشمل الثانية أراضي منحتها الحكومة في عهد الرئيس الأسبق عبد القاسم صلاد حسن. وأُلغي الاعتراف بمستنداتها، وطُلب من مالكيها دفع مبالغ للاحتفاظ بها، فيما انتُزعت أراضٍ ممن لم يدفعوا ونُقلت إلى تجار.

أما الثالثة فتضم عقارات تحمل وثائق ملكية أو تخصيص تعود إلى عهد محمد سياد بري، بين عامي 1975 و1990. وتفيد المعلومات نفسها بتعرض أصحابها لمطالبات مالية، وانتقال بعض العقارات إلى وسطاء أعادوا التصرف فيها لتحقيق أرباح.

وتشمل الرابعة مناطق غير مخططة تُعرف محليًا باسم «أوباسيبو»، انتقلت ملكيات فيها إلى السكان بالإرث أو الشراء، ويحمل أصحابها وثائق من إدارات محلية متعاقبة، لكنها لم تستكمل إجراءات التخطيط وفتح الطرق.

واعتبر مختص في قوانين الأراضي أن هذه الممتلكات تعود للسكان، وأن حاجتها إلى التخطيط تستدعي تنظيمها عمرانيًا، ولا تجعلها تلقائيًا أملاكًا للدولة يجوز انتزاعها.

مقار حكومية تُباع وإدارات تبحث عن الإيجار

يمتد الملف، إلى بيع مقار لإدارات مديريات بنادر، وانتقال إدارات إلى مبانٍ مستأجرة، بينها فنادق وعقارات خاصة.

وتطرح هذه التعاملات سؤالًا عن مبررات التخلي عن أصول تحتاج إليها المؤسسات، ثم تحمل كلفة استئجار بدائل. كما تستدعي نشر قوائم العقارات التي جرى التصرف فيها، وقيمتها، وأسماء المشترين، وأوجه استخدام حصيلة البيع.

طوكيو.. تصعيد بالقوة داخل الأحياء

في 23 أغسطس 2026، شهد حي طوكيو مواجهات أثناء تحرك الميليشيات الحكومية لإخلائه. وأكد السكان استخدام أسلحة ثقيلة، بينها رشاشات «دوشكا»، فيما أظهرت مقاطع متداولة قوات مدججة بالسلاح في المنطقة.

وتحدثت شهادات عن قتلى وجرحى، وصلت إلى العشرات، كما عبّر سكان عن خشيتهم من امتداد العملية نحو سوق بعاد، الذي تعتمد عليه أعداد كبيرة من صغار التجار.

وأكد شهود عيان اقتحام منازل والاعتداء على سكان، بينهم نساء وأطفال ومسنون، خلال عملية واجه فيها بعض الأهالي تقدم القوات بالحجارة للدفاع عن بيوتهم.

المقاتلات التركية تدخل مشهد الإخلاء

بالتزامن مع المواجهات، حلقت مقاتلات تركية من طراز «إف-16» على ارتفاع منخفض فوق أجزاء من العاصمة، بينها مناطق متأثرة بالعملية، وفق شهادات ومقاطع متداولة.

ووصف سكان التحليق بأنه مخيف، خصوصًا مع وجود القوات المسلحة داخل الأحياء. واعتبر صحفيون وشخصيات معارضة الطلعات استعراضًا للقوة يستهدف ترهيب الأهالي. ولم تكن السلطات الصومالية أو التركية قد قدمت، تفسيرًا للطلعات أو توضيحًا لعلاقتها بالإخلاء.

وسبق أن حلقت مقاتلات تركية على ارتفاع منخفض فوق مقديشو في 10 مايو 2026، بالتزامن مع احتجاجات معارضة على انتزاع الأراضي والتهجير والخلاف بشأن ولاية الحكومة. وفسر محللون ذلك الظهور بأنه رسالة دعم للرئيس وضغط على خصومه السياسيين.

ويثير تكرر التحليق خلال توترات داخلية أسئلة بشأن حدود الدور العسكري التركي، خصوصًا أن المهمة المعلنة للمقاتلات، بحسب مسؤولين صوماليين، تتعلق بتعزيز العمليات ضد حركة الشباب.

اعتراضات في دينيلي ومطالبات مالية في بونطيري

في دينيلي، حظي رفض السكان للإخلاء بمساندة سياسيين من المنطقة. وقالت النائبة فايزو جيتي، في تصريحات ادلت بها، إن سياسيين ونوابًا حصلوا على تعاقدات من الرئيس يقفون وراء تهجير الأهالي، مؤكدة رفضها وشخصيات أخرى إخراج السكان من مناطقهم.

وفي بونطيري، شهدت المنطقة واقعة هدم منازل أعقبتها مطالبات بدفع آلاف الدولارات، وتضع هذه المطالبات الأسر أمام أعباء إضافية، إلى جانب فقدان المأوى وكلفة البحث عن سكن بديل.

رواية الحكومة وحقوق السكان

تقول الحكومة إن بعض العمليات تستهدف استعادة أراضٍ عامة، فيما يؤكد سكان ومعارضون أن الإخلاء يجري دون إجراءات قانونية أو تعويضات. ويتعلق جوهر النزاع بإثبات ملكية كل موقع، وسند قرار إخلائه، وحقوق من يقيمون فيه.

وأكد الرئيس الأسبق شريف شيخ أحمد أن الممتلكات المعنية تشمل منازل توارثتها الأسر جيلًا بعد جيل. كما انتقد استخدام القوات القوة ضد المدنيين في طوكيو.

وحذر النائب المعارض عبد الرحمن عبد الشكور، من أن فقدان الممتلكات والنزوح يفاقمان انعدام الأمن لدى المواطنين، وقد يدفعان العاصمة نحو انتفاضة واسعة.

ومع انتقال عمليات الهدم بين الأحياء، تتراكم على الحكومة مسؤولية توضيح قراراتها وحماية السكان والكشف عن المستفيدين من الأراضي. وتزيد صلات بعض المستفيدين المروية بأسرة الرئيس، والتحليق التركي المصاحب للمواجهات، من حدة الأسئلة بشأن توظيف النفوذ والقوة في هذا الملف، بينما تتحمل الأسر المتضررة الكلفة المباشرة: منزل يُهدم، وأرض تفقدها، ومستقبل بلا مأوى مضمون.