خطاب عرّو في واشنطن.. بين عرض «الشريك الاستراتيجي» وموجة السخرية على منصات التواصل
في واحدة من أبرز محطات حملتها الدبلوماسية في واشنطن، حاولت أرض الصومال أن تقدم نفسها للولايات المتحدة بصورة مختلفة: ليس فقط ككيان يطلب الاعتراف باستقلاله، وإنما كشريك أمني واستراتيجي يمكن أن يخدم المصالح الأمريكية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
جاء ذلك خلال كلمة رئيس أرض الصومال، عبد الرحمن محمد عبد الله «عرّو»، في معهد هدسون بواشنطن يوم 14 سبتمبر/أيلول 2026، في فعالية حملت عنوانًا واضحًا في دلالته: «أرض الصومال كشريك استراتيجي في القرن الأفريقي». وكان اللقاء أول زيارة لعرّو إلى الولايات المتحدة منذ فوزه في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وتحدث بعد كلمته في حوار مباشر مع الباحث في المعهد جوشوا ميسيرفي.
لكن ما كان يفترض أن يكون منصة لعرض قضية أرض الصومال أمام دوائر السياسة الخارجية الأمريكية، تحول بعد انتهاء اللقاء إلى مادة واسعة للنقاش والسخرية على منصات التواصل، ولا سيما بسبب بعض إجابات عرّو خلال الحوار.
ففي منشور حظي بتفاعل واسع، انتقد أحد المتابعين أداء الرئيس، واعتبره غير مستعد بما يكفي لمقابلة بهذا المستوى، مستشهدًا بإجاباته عن أسباب عدم حصول أرض الصومال على الاعتراف الدولي، والموارد المعدنية، وحماية السواحل من القرصنة، إضافة إلى بعض الأسئلة المتعلقة بالصومال والسودان. وتبنى آخرون هذا الانتقاد، فيما رد آخرون من أنصار إِعرو بأن ما وصفوه بـ “أسلوبه الهادئ وروحه المرحة”، لا ينبغي تفسيرهما باعتبارهما ضعفًا أو عدم استعداد.
والجدل لم ينشأ أساسًا من مضمون خطاب عرّو المكتوب، بل من الطريقة التي ظهر بها عندما انتقل الحوار من الخطاب المعد مسبقًا إلى الأسئلة المباشرة.
من «قضية الاعتراف» إلى «ماذا تستطيع أرض الصومال أن تقدم لواشنطن؟»
حاول عرّو تغيير طريقة تقديم قضية أرض الصومال.
فبدل الاكتفاء بالحديث عن تاريخ الانفصال، أو الانتخابات، أو بناء المؤسسات المحلية منذ إعلان استعادة الاستقلال عام 1991، ركز على القيمة الاستراتيجية للموقع الجغرافي.
وهذا يتناسب بصورة مباشرة مع أجندة معهد هدسون نفسه؛ إذ قدم المعهد اللقاء في سياق التوترات في البحر الأحمر، وتهديدات جماعة الحوثيين، وتوسع النفوذ الصيني في أفريقيا، إلى جانب النشاط الروسي والإيراني في شرق أفريقيا.
الرسالة التي أراد عرّو إيصالها إلى واشنطن كانت بسيطة في جوهرها: أرض الصومال تقع على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وتملك ميناء بربرة وساحلًا طويلًا على خليج عدن، وتقدم نفسها كطرف مستقر وموالٍ للغرب في منطقة مضطربة.
وبذلك يحاول عرّو نقل النقاش من سؤال: لماذا ينبغي الاعتراف بأرض الصومال؟ إلى سؤال آخر أكثر ارتباطًا بالمصالح الأمريكية: ماذا يمكن أن تكسب الولايات المتحدة من شراكة استراتيجية مع أرض الصومال؟
وقد أكد عرّو نفسه بعد اللقاء أن رسالته في هدسون كانت أن أرض الصومال بنت خلال 35 عامًا مؤسساتها وأمنها وحوكمتها، وأنها مستعدة لشراكة أعمق مع الولايات المتحدة في الأمن البحري والاستقرار والتجارة.
لكن الحوار المباشر كشف مشكلة أخرى
عندما بدأ ميسيرفي بطرح الأسئلة التفصيلية، انتقل اللقاء من الرسالة السياسية العامة إلى اختبار أكثر صعوبة.
ومن أبرز ما أثار السخرية على منصات التواصل إجابات عرّو حول الموارد المعدنية، إذ انتقد متابعون قوله إنه ليس جيولوجيًا ولا يستطيع تحديد ما تملكه أرض الصومال من معادن بصورة دقيقة.
واللافت أن هذا السؤال تحديدًا يمس أحد الجوانب التي تحاول أرض الصومال تسويقها أمام المستثمرين وصناع القرار: الموارد الطبيعية.
فإذا كانت هرجيسا تريد إقناع واشنطن بأن موقعها الجغرافي وموانئها ومواردها الطبيعية تجعلها شريكًا استراتيجيًا، فإن عدم امتلاك إجابات دقيقة عن حجم الموارد أو طبيعتها أو مدى جاهزية القطاع للاستثمار يمكن أن يحول الخطاب الاستراتيجي إلى مجرد عرض سياسي ما لم يتبعه ملف اقتصادي وفني موثق.
وهذا ما أشارت إليه تحليلات لاحقة للقاء أيضًا، إذ رأت أن الحديث عن الموارد المعدنية يحتاج إلى بيانات جيولوجية ومسوح موثوقة وأطر قانونية واستثمارية، وليس مجرد الإشارة إلى وجود احتياطيات محتملة.
والسؤال الأصعب: ماذا عن الصومال؟
كان الجانب الأكثر حساسية في خطاب عرّو هو حديثه عن الحكومة الفيدرالية الصومالية.
فقد قال إن الحكومة الفيدرالية لا تملك الشرعية والقدرة على الحكم خارج مقديشو، وقدمها باعتبارها أحد مصادر عدم الاستقرار في القرن الأفريقي. ونقلت تقارير محلية هذه التصريحات بوصفها جزءًا أساسيًا من خطابه في هدسون.
وهنا يظهر الهدف السياسي بوضوح: عرّو لا يريد أن يناقش قضية أرض الصومال باعتبارها نزاعًا دستوريًا أو تاريخيًا فقط؛ بل يريد أن يضع أمام واشنطن مقارنة سياسية بين كيان يقول إنه مستقر ويمتلك مؤسسات، ودولة مركزية يقول إنها تعاني من ضعف القدرة على بسط سلطتها.
لكن هذه المقارنة تحمل مخاطرة سياسية أيضًا، لأنها تجعل الخطاب الموجه إلى الأمريكيين يبدو في جزء منه وكأنه حجة ضد مقديشو أكثر من كونه حجة لصالح هرجيسا.
فإثبات ضعف الحكومة الفيدرالية، حتى لو قبلنا بعض عناصر هذا التقييم، لا يؤدي تلقائيًا إلى إثبات حق أرض الصومال في الاعتراف الدولي؛ وهما مسألتان منفصلتان.
القرصنة والساحل.. سؤال كشف الفجوة بين الخطاب والواقع
ومن الأسئلة التي أثارت تعليقات ساخرة كذلك سؤال حماية السواحل والقرصنة، حيث انتقد بعض المتابعين إجابات عرّو المتعلقة بقدرات خفر السواحل.
وهذه النقطة حساسة تحديدًا لأن الساحل هو أحد أهم الأصول التي تحاول هرجيسا تحويلها إلى ورقة استراتيجية أمام واشنطن.
فإذا كانت أرض الصومال تعرض نفسها بوصفها بوابة مستقرة إلى خليج عدن وبوصف ميناء بربرة عنصرًا في أمن الملاحة الإقليمية، فإن السؤال التالي يصبح طبيعيًا: ما القدرات الفعلية التي تستطيع تقديمها في مجال الأمن البحري؟
عرّو تحدث في السابق عن الحاجة إلى التكنولوجيا والتدريب لتعزيز القدرات البحرية، وهو ما يوضح أن الفجوة بين الطموح الاستراتيجي والقدرات المتاحة ليست سرًا حتى داخل خطاب القيادة نفسها.
وبالتالي، فإن تقديم أرض الصومال باعتبارها «شريكًا استراتيجيًا» لا يتوقف على موقعها الجغرافي فقط، بل على قدرتها على تحويل هذا الموقع إلى قدرات أمنية وموانئ وخدمات ومؤسسات قابلة للعمل مع الشركاء الدوليين.
دولة الاحتلال الإسرائيلي حاضرة في خلفية المشهد
ولا يمكن فصل زيارة عرّو إلى واشنطن عن التحول الكبير في علاقة أرض الصومال بالاحتلال الإسرائيلي.
فمعهد هدسون نفسه أشار في تقديمه للفعالية إلى أن إسرائيل أصبحت أول دولة تعترف بأرض الصومال، وربط ذلك بالتغيرات الجيوسياسية في المنطقة. كما أن عرّو كان قد زار تل أبيب في يونيو/حزيران 2026، وتحدث عن توسيع التعاون في مجالات الأمن والتكنولوجيا والزراعة والاستثمار.
تريد هرجيسا أن تدخل إلى واشنطن، ليس بوصفها قضية انفصال صومالية فحسب، وإنما بوصفها قطعة في معادلة الأمن البحري والمنافسة الإقليمية والدولية.
لماذا كانت السخرية مهمة؟
السخرية التي ظهرت على منصات التواصل لا تعني بالضرورة أن اللقاء فشل، ولا تعكس رأي جميع المشاهدين.
بل إن بعض المؤيدين برروا لعرّو أسلوبه المثير للسخرية هادئ، وأنه لا ينبغي قياس الأداء الدبلوماسي من خلال نبرة الصوت أو الضحك.
لكن الجدل يكشف حجم الاضطراب الذي أوصل زعيم أرض الصومال لهذا الأداء في مقابلة عكست ضعف مهاراته الدبلوماسية والتعبيرية.
منصة مهمة.. لكنها ليست اعترافًا
معهد هدسون مؤسسة بحثية أمريكية مؤثرة في نقاشات الأمن والسياسة الخارجية، واللقاء منح عرّو فرصة لعرض قضية أرض الصومال أمام جمهور أمريكي متخصص. لكن الحدث نفسه لم يكن قرارًا حكوميًا أمريكيًا، ولم يصدر عنه اعتراف أمريكي بأرض الصومال.
ولهذا فإن القيمة الحقيقية للزيارة ستظهر في ما بعدها: هل تتحول الرسالة إلى اتصالات مع الكونغرس؟ هل تتطور إلى تعاون اقتصادي أو أمني؟ هل تحصل قضية الاعتراف على دعم سياسي رسمي؟ وهل تستطيع هرجيسا تقديم إجابات عملية عن الموارد والموانئ والأمن البحري والحكم والعلاقة مع بقية الصومال؟
عرّو ذهب إلى واشنطن ليقول إن الموقع الجغرافي والاستقرار يجعلان أرض الصومال شريكًا تستحقه الولايات المتحدة.
لكن منصات التواصل ذكّرته، بطريقة ساخرة أحيانًا وقاسية أحيانًا أخرى، بأن تقديم هذا العرض أمام واشنطن بالطريقة التي تصدر بها، يكشف ضعف موقفه وعدم كفاءته لتمثيل طموحاته التي يتحدث عنها؛ ثم حين تنتهي الكلمات وتبدأ الأسئلة التفصيلية، يصبح على الدبلوماسية أن تقدم الأرقام والقدرات والإجابات، لا الشعارات وحدها.
ويبقى السؤال الأكبر: هل كانت زيارة هدسون بداية انتقال قضية أرض الصومال من حملة الاعتراف التقليدية إلى صفقة جيوسياسية تقوم على الموانئ والأمن البحري والموقع الاستراتيجي؟ أم أنها مجرد منصة أخرى لعرض القضية أمام واشنطن؟
الإجابة لن يقدمها اللقاء نفسه، بل ما ستفعله واشنطن وهرجيسا بعد مغادرة القاعة.