سويسرا تنضم إلى عقوبات الاتحاد الأوروبي على ذهب السودان.. تشديد الخناق على اقتصاد الحرب
في خطوة تستهدف أحد أهم مصادر تمويل الحرب في السودان، أعلنت سويسرا انضمامها إلى العقوبات التي أقرها الاتحاد الأوروبي على تجارة الذهب السوداني، وحظرت شراء واستيراد ونقل الذهب القادم من السودان، بالتزامن مع منع تصدير عدد من المواد المستخدمة في عمليات استخراج الذهب وتعدينه.
وقالت الحكومة السويسرية، الأربعاء 9 سبتمبر/أيلول 2026، إن الإجراءات الجديدة تأتي في ظل استمرار القلق من الوضع الإنساني المتدهور في السودان، مشيرة إلى أن الذهب يُعد، بحسب التقارير، من الموارد الرئيسية التي تغذي الصراع الدائر في البلاد.
وتدخل العقوبات حيز التنفيذ اعتبارًا من الخميس، وتشمل حظر شراء الذهب السوداني واستيراده وعبوره عبر الأراضي السويسرية، إضافة إلى حظر تقديم الخدمات والمساعدات المالية المرتبطة بهذه العمليات.
كما تحظر سويسرا بيع أو توريد بعض السلع إلى السودان التي تُستخدم في تعدين الذهب واستخراجه، ومن بينها مواد كيميائية تدخل في عمليات التعدين.
السير على خطى الاتحاد الأوروبي
وتأتي الخطوة السويسرية لتوحيد موقف برن مع الإجراءات التي اتخذها الاتحاد الأوروبي في 13 يوليو/تموز الماضي، والتي استهدفت تجارة الذهب السوداني باعتبارها أحد مصادر الإيرادات التي تساعد على استمرار الحرب.
وفرض الاتحاد الأوروبي حظرًا على شراء الذهب القادم من السودان أو استيراده أو نقله، كما منع توريد أو تصدير مواد كيميائية مثل الزئبق والسيانيد إلى السودان، وهما من المواد المستخدمة على نطاق واسع في عمليات تعدين الذهب واستخراجه.
وتشمل العقوبات الأوروبية كذلك تقديم المساعدة التقنية وخدمات الوساطة والمساعدات المالية المرتبطة بهذه الأنشطة.
وبذلك توسع سويسرا نطاق العقوبات المطبقة لديها لتشمل الإجراءات الأوروبية الجديدة المتعلقة بذهب السودان، في إطار سياستها القائمة على مواءمة عدد من تدابيرها العقابية مع العقوبات التي يفرضها الاتحاد الأوروبي.
الذهب.. مورد استراتيجي في اقتصاد الحرب
تكمن أهمية هذه العقوبات في الدور الذي يلعبه الذهب داخل الاقتصاد السوداني منذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023.
فمع تراجع قطاعات اقتصادية واسعة نتيجة الحرب، أصبح الذهب موردًا بالغ الأهمية بالنسبة إلى أطراف الصراع وشبكات مرتبطة به، فيما تتنافس القوى المختلفة على مناطق التعدين وطرق التجارة والأسواق الخارجية.
ويرى الاتحاد الأوروبي أن الذهب يمثل مصدرًا رئيسيًا للإيرادات التي تساعد على استمرار الحرب، ولذلك اتجهت العقوبات الجديدة إلى استهداف ما وصفه بـ«اقتصاد الحرب»، بدلًا من الاكتفاء بالعقوبات الفردية على المسؤولين والقادة.
وتأمل بروكسل أن يؤدي تقييد تجارة الذهب والمواد المستخدمة في استخراجه إلى تقليص قدرة الجهات المستفيدة من الحرب على الحصول على موارد مالية يمكن استخدامها لتمويل العمليات العسكرية.
عقوبات سويسرية أوسع
وتأتي الإجراءات الجديدة ضمن نظام العقوبات السويسري المفروض على السودان، والذي تطبّق برن من خلاله عقوبات الأمم المتحدة المتعلقة بالسودان منذ عام 2005.
كما بدأت سويسرا منذ عام 2023 في استخدام النظام نفسه لتطبيق إجراءات إضافية اتخذها الاتحاد الأوروبي ضد السودان.
ويشمل نظام العقوبات الحالي حظرًا على الأسلحة، إلى جانب قيود مالية وحظر سفر يستهدف 36 فردًا وكيانًا وشركة، وفقًا للمجلس الفيدرالي السويسري.
وتقول الحكومة السويسرية إنها تطبق كذلك متطلبات صارمة للعناية الواجبة على واردات الذهب والمعادن النفيسة، بهدف منع دخول الموارد المرتبطة بالنزاعات إلى الأسواق السويسرية.
وتحظى هذه النقطة بأهمية خاصة بالنظر إلى مكانة سويسرا في تجارة الذهب العالمية؛ إذ إن تشديد الرقابة على الأسواق ومؤسسات التجارة والخدمات المالية يمكن أن يجعل تمرير الذهب المرتبط بمناطق النزاع أكثر صعوبة.
هل تضرب العقوبات مصادر تمويل الحرب؟
رغم أن العقوبات الجديدة تستهدف قطاعًا اقتصاديًا مهمًا، فإن فعاليتها ستعتمد إلى حد كبير على قدرة الجهات الأوروبية والسويسرية على تتبع مصدر الذهب ومنع التحايل على القيود.
فالسودان لا يعتمد على سوق واحدة لتصدير الذهب، كما أن الحرب أوجدت شبكات تجارية معقدة يمكن أن تستخدم دولًا وطرقًا وسيطة لإعادة تصدير الذهب أو تغيير مساره قبل وصوله إلى الأسواق العالمية.
ولهذا فإن حظر الاستيراد في سويسرا والاتحاد الأوروبي قد يرفع تكلفة تجارة الذهب المرتبط بالنزاع ويضيّق على الجهات المستفيدة منه، لكنه لن يكون وحده كافيًا لإنهاء تدفقات الذهب أو تجفيف مصادر تمويل الحرب ما لم يترافق مع رقابة دولية أوسع على سلسلة التوريد.
من العقوبات الفردية إلى استهداف اقتصاد الحرب
يعكس القرار الأوروبي ثم السويسري تحولًا في طبيعة التعامل الدولي مع الحرب السودانية.
فبدل التركيز فقط على معاقبة الأفراد والكيانات المتورطة في القتال، تتجه العقوبات بصورة متزايدة إلى البنية الاقتصادية التي تسمح للحرب بالاستمرار.
ويأتي الذهب في مقدمة هذه الموارد، نظرًا إلى قدرته على توفير إيرادات في ظل انهيار الاقتصاد الرسمي وصعوبة الوصول إلى مصادر التمويل التقليدية.
وبالنسبة إلى السودان، فإن استمرار الحرب يعني استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية، بينما يؤدي استمرار تدفق الموارد المالية إلى أطراف النزاع إلى إضعاف فرص التوصل إلى تسوية سياسية.
ومن هنا، تسعى سويسرا والاتحاد الأوروبي إلى توجيه رسالة واضحة إلى شبكات تجارة الذهب: الأرباح الناتجة عن الموارد المرتبطة بالحرب ستواجه قيودًا متزايدة في الأسواق الدولية.
لكن يبقى التحدي الأكبر في قدرة المجتمع الدولي على سد منافذ التحايل، وتتبع الذهب منذ مناطق استخراجه داخل السودان وحتى وصوله إلى الأسواق العالمية، بحيث لا تتحول العقوبات إلى مجرد حظر على الورق، بينما تستمر تجارة الذهب عبر مسارات بديلة في تمويل الصراع الذي كثيرا ما يكون خلفه حكومات وأنظمة دولية.