عرو في تل أبيب.. أين أهل صوماليلاند؟

لم تكن زيارة رئيس إدارة صوماليلاند، عبد الرحمن “عرو”، إلى كيان الاحتلال حدثاً دبلوماسياً عادياً يمكن إدراجه ضمن محاولات البحث عن الاعتراف الدولي. فالتوقيت وحده كفيل بجعل الزيارة موضع محاسبة شديدة، ناهيك عن رفض شعبي ديني وأخلاقي لدى كثير من الصوماليين المسلمين.

جاءت الزيارة في وقت يواجه فيه الاحتلال الإسرائيلي واحدة من أكثر مراحل العزلة والانتقادات الدولية حدة منذ عقود، بسبب الحرب المستمرة على قطاع غزة وما خلفته من دمار واسع وخسائر بشرية هائلة بين المدنيين. وفي الوقت الذي كانت فيه شعوب كثيرة حول العالم تخرج في مظاهرات تضامناً مع الفلسطينيين، اختارت قيادة صوماليلاند أن تشق طريقها نحو تل أبيب، وأن تقدم نفسها شريكاً محتملاً لدولة تواجه اتهامات بالإبادة الجماعية وجرائم مخزية وثقها أسطول الحرية بشهادة ضحايا العدوان الصهيوني أنفسهم.

قد يقول البعض إن السياسة لا تعرف العواطف، وإن الهدف هو الحصول على اعتراف دولي طال انتظاره. لكن السؤال الذي لا يمكن تجاوزه هو: هل يجوز أن يكون السعي إلى الاعتراف مبرراً للارتماء في أحضان طرف صهيوني محارب يعيش هذه العزلة الأخلاقية والسياسية؟ وهل يمكن لمشروع سياسي أن يكسب شرعية خارجية إذا كان ثمن ذلك خسارة دينه وموقفه الأخلاقي، داخل محيطه الطبيعي؟

ومن بين جميع مشاهد الزيارة، يبقى أكثرها إثارة للسخرية،  وقوف عرو أمام قبر تيودور هرتزل. وهرتزل ليس شخصية تاريخية عابرة، بل هو الأب الفكري للحركة الصهيونية الحديثة وصاحب المشروع السياسي الذي مهّد الطريق لقيام دولة الاحتلال الإسرائيلية. ولذلك فإن أي تكريم له لا يُقرأ باعتباره مجاملة بروتوكولية فقط، بل باعتباره موقفاً رمزياً يحمل دلالات سياسية وفكرية عميقة.

لقد حاول البعض التقليل من أهمية هذا المشهد، لكن الرموز في السياسة كثيراً ما تكون أبلغ من الكلمات. فعندما يختار مسؤول منتسب للإسلام وممثل لإقليم مسلم، أن يؤدي تحية رسمية أمام قبر الشخصية التي تُعد المؤسس الأبرز للمشروع الصهيوني، فإن كثيرين سيرون في ذلك رسالة تتجاوز حدود المجاملة الدبلوماسية إلى منح شرعية رمزية لمشروع ساقط محارب، يستوجب الجهاد والخلع، لا يزال محل رفض واسع في العالم الإسلامي.

وما يزيد الجدل أن الزيارة لا تأتي في فراغ جغرافي أو استراتيجي. فصوماليلاند تقع على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، عند مدخل البحر الأحمر وخليج عدن. ولذلك فإن أي تقارب مع الاحتلال الإسرائيلي لن يُنظر إليه بوصفه علاقة سياسية فحسب، بل كجزء من صراع النفوذ الإقليمي والدولي في منطقة شديدة الحساسية.

لكن القضية في جوهرها ليست قضية عرو وحده، بل قضية مجتمع بأكمله. فالشعوب هي التي تمنح الشرعية للسياسات أو تسحبها منها. وأبناء صوماليلاند، الذين ينتمون إلى شعب مسلم عُرف تاريخياً بتضامنه مع قضايا الأمة وفي مقدمتها فلسطين، مطالبون اليوم بطرح الأسئلة الصعبة على قيادتهم: ما الذي جرى باسمهم؟ وما قيمة أي مكاسب في مثل هذا المسار المخرج من الملة؟ وهل يستحق حلم الاعتراف السياسي أن يُربط بمشروع صهيوني تتوعده الأمة الإسلامية؟

إن الموقف الديني والأخلاقي لا يفرض على الناس تبني رأي سياسي واحد، لكنه يفرض عليهم محاسبة من يتخذ القرارات باسمهم. فالقضية ليست مجرد زيارة عابرة إلى تل أبيب، بل اختبار لموقع صوماليلاند من قضايا الأمة، ولمدى استعداد شعبها للدفاع عن مبادئه وهويته حين توضع على طاولة الحسابات السياسية.

فهل سيكون أهل صوماليلاند على مستوى النصرة لدينهم والشجاعة لمحو هذا العار من صفحات تاريخ يكتب اليوم حجة وامتحانا .. سيكون عاقبته سنة الاستعمال او الاستبدال؟!

فعلى عقلاء صوماليلاند أن يخلعو هذا الرئيس المرتد، ويستقيموا على دينهم يعزهم الله ويكفيهم ويغنيهم.

 

عبد الغني أحمد