كينيا تتراجع عن لهجة التصعيد.. مهلة 90 يومًا للأجانب لتسوية أوضاعهم التجارية
أثارت تصريحات الرئيس الكيني ويليام روتو بشأن إغلاق المشروعات الصغيرة التي يديرها أجانب حالة من الذعر بين جاليات مهاجرة، ولا سيما البورونديين والكونغوليين، قبل أن تسارع الحكومة إلى توضيح موقفها ومنح الأجانب مهلة 90 يومًا لتسوية أوضاعهم القانونية والتجارية.
وكان روتو قد وجّه في الثاني من سبتمبر/أيلول بإعادة تنظيم مشاركة الأجانب في قطاع التجارة الصغيرة والأعمال غير الرسمية، استجابةً لشكاوى تجار كينيين قالوا إن تزايد حضور الأجانب في هذه الأنشطة يضغط على مصادر رزق المواطنين. كما وجّه بتوسيع مشروع قانون المحتوى المحلي لعام 2025 ليشمل التجارة والمشروعات الصغيرة، مع بحث إمكانية تخصيص بعض الأنشطة للمواطنين الكينيين.
لكن اللهجة الأولى للقرار فُهمت على نطاق واسع باعتبارها أمرًا بإغلاق الأعمال التي يديرها الأجانب، ما دفع مئات البورونديين في نيروبي إلى التوجه نحو سفارة بلادهم للحصول على وثائق تمكنهم من العودة إلى بوروندي. وأفاد بعضهم بأنهم شعروا بالخوف من تعرضهم للمضايقة أو العنف، فيما ظهرت تقارير عن تعرض بعض المتاجر المملوكة لأجانب للاعتداء.
الحكومة: لسنا بصدد طرد الأجانب
مع تصاعد المخاوف، حاولت الحكومة الكينية احتواء الأزمة عبر إعلان فترة سماح مدتها 90 يومًا للأجانب الذين يمارسون الأعمال التجارية، من أجل استكمال أو تحديث وثائق الإقامة وتصاريح العمل وتسجيل الأعمال والتراخيص المطلوبة.
وأكد المتحدث باسم الرئاسة، حسين محمد، أن العملية تهدف إلى تنظيم أوضاع العاملين الأجانب وإدخال من يعملون خارج النظام القانوني إلى الإطار الرسمي، وليس إلى استهداف الأجانب أو طردهم من البلاد. كما شددت الحكومة على أن إنفاذ القانون من اختصاص المؤسسات الحكومية المختصة، ولا يحق للأفراد أو الجماعات مضايقة الأجانب أو تهديدهم أو الاعتداء على أعمالهم.
وقالت الحكومة إن كل شخص يمارس نشاطًا تجاريًا في كينيا مطالب بالامتثال لقواعد الهجرة وتصاريح العمل والتسجيل والترخيص، وإن فترة التسعين يومًا ستتيح تنظيم هذه الأوضاع بصورة تدريجية قبل بدء إجراءات أكثر صرامة ضد المخالفين.
كما زار وكيل وزارة الخارجية الكينية، كورير سينغوي، عددًا من البورونديين في سفارة بلادهم، مؤكدًا أن الحكومة تريد معرفة أماكن وجود الأجانب وأنشطتهم حتى تتمكن من توفير الحماية الأمنية لهم، ومعتذرًا عن سوء فهم أو تصوير التوجيهات الرئاسية بطريقة أثارت الخوف.
لماذا أثار القرار كل هذا الذعر؟
تكمن حساسية القضية في أن كينيا تعد مركزًا اقتصاديًا رئيسيًا في شرق إفريقيا، وتستقطب أعدادًا كبيرة من العمال والتجار والمستثمرين من دول المنطقة، خصوصًا في ظل حرية الحركة التي يوفرها مجتمع شرق إفريقيا لمواطني الدول الأعضاء.
وتضم كينيا نحو 16 ألف لاجئ وطالب لجوء بوروندي وفق بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ويعمل كثير منهم في التجارة الصغيرة في نيروبي، بما في ذلك بيع القهوة والملابس المستعملة وغيرها من السلع. ولذلك فإن أي قرار مفاجئ يمس التجارة الصغيرة يمكن أن تكون له آثار مباشرة على شريحة واسعة من المهاجرين.
وبالفعل، أظهرت مشاهد طوابير طويلة أمام السفارة البوروندية في نيروبي حجم القلق الذي أحدثته تصريحات روتو؛ إذ حمل بعض الأشخاص حقائبهم وأغراضهم الشخصية استعدادًا للعودة إلى بلادهم، بينما قال آخرون إنهم لم يكونوا يغادرون باختيارهم وإنما خوفًا من المستقبل.
بين حماية المواطن والانفتاح على الاستثمار
تقول الحكومة الكينية إن سياستها الجديدة لا تستهدف الاستثمار الأجنبي المشروع، بل تهدف إلى حماية الفرص الاقتصادية للكينيين، خصوصًا في قطاع المشروعات متناهية الصغر والصغيرة الذي تعتمد عليه ملايين الأسر.
وفي الوقت نفسه، تؤكد الرئاسة أن حماية مصالح المواطنين لا تتعارض مع السماح للأجانب المقيمين بصورة قانونية بالعمل والاستثمار، وأن كينيا ستظل ملتزمة بالتكامل الإقليمي وبحرية حركة الأشخاص والعمالة والخدمات ورؤوس الأموال وفق القوانين المعمول بها.
لكن التناقض بين اللهجة الأولى للقرار والتوضيح الحكومي اللاحق ترك تساؤلات حول الشكل النهائي للسياسة.
فمن جهة، تحدث روتو عن إغلاق أعمال صغيرة يديرها أجانب وحصر بعض الأنشطة في المواطنين الكينيين. ومن جهة أخرى، جاءت الاستجابة الحكومية اللاحقة في صورة مهلة لتسوية الأوضاع بدلًا من الإغلاق الفوري.
وهذا يعني أن المعركة الحقيقية لم تُحسم بعد، بل انتقلت من الشارع إلى البرلمان والتشريع؛ إذ يتوقع أن تحدد التعديلات المقترحة على قانون المحتوى المحلي القطاعات التي يمكن أن تُخصص للكينيين، وما الذي سيظل متاحًا للأجانب وفق شروط محددة.
ملف الهجرة يتحول إلى قضية سياسية
ويأتي هذا الجدل في وقت تواجه فيه حكومة روتو ضغوطًا اقتصادية وسياسية، بينما يستعد الرئيس لخوض الانتخابات المقبلة.
وقد اتهم منتقدون الحكومة باستخدام المنافسة بين التجار المحليين والأجانب لتفسير بعض المشكلات الاقتصادية، محذرين من أن تحميل المهاجرين مسؤولية الضغوط الاقتصادية قد يغذي المشاعر المعادية للأجانب. وفي المقابل، تقول الحكومة إن شكاوى التجار المحليين حقيقية، وإن من واجب الدولة حماية فرص العمل والدخل للكينيين.
وتزداد حساسية الملف مع انتشار خطاب معادٍ للبورونديين على منصات التواصل، وهو ما دفع وزير الخارجية البوروندي إدوار بيزيما إلى التحذير من تداعيات استمرار خطاب الكراهية، مطالبًا الحكومة الكينية بتحمل مسؤولية حماية مواطني بلاده.
الخلاصة
ما بدأ بتوجيه رئاسي حاد لإغلاق بعض الأعمال الأجنبية تحول خلال أيام إلى أزمة دبلوماسية ومجتمعية دفعت مهاجرين إلى التفكير في مغادرة كينيا.
لكن الحكومة الكينية سعت إلى احتواء الموقف بمنح الأجانب 90 يومًا لتسوية أوضاعهم، مؤكدة أن الهدف هو تنظيم النشاط التجاري والهجرة، وليس شن حملة ضد الأجانب.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: هل ستكون هذه المهلة مجرد إجراء لتنظيم الوضع القانوني، أم أنها مقدمة لإعادة رسم سوق التجارة الصغيرة في كينيا بحيث تُحجز قطاعات واسعة منه للمواطنين؟
الإجابة ستتضح مع صياغة التشريعات الجديدة، وعندها فقط يمكن معرفة ما إذا كانت كينيا قد تراجعت عن لهجة التصعيد، أم أنها اختارت طريقًا أكثر تدريجًا نحو توطين قطاعات من اقتصادها الصغير.