«لندن ريفيو أوف بوكس»: غارات ترامب لم تحسم حرب الصومال.. أكثر من 200 ضربة وحركة الشباب المجاهدين تستعيد مكاسبها
المجلة البريطانية تنتقد حصيلة العمليات الأمريكية، وتسلّط الضوء على سقوط مدنيين ومحدودية سلطة الحكومة، وتحذّر من احتمال هجوم على مقديشو إذا انقطع تمويل القوات الإفريقية.
اعتبرت مجلة «لندن ريفيو أوف بوكس» البريطانية أن الولايات المتحدة لم تحقق النتائج المرجوة من حملتها العسكرية في الصومال، رغم سنوات طويلة من العمليات وتصاعد وتيرة الضربات الجوية خلال الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، مشيرة إلى أن القصف لم يُحدث تحولًا حاسمًا في مواجهة حركة الشباب المجاهدين أو يمنعها من استعادة مناطق خسرتها سابقًا.
وبحسب المجلة، تجاوز عدد الغارات الأمريكية في الصومال 200 غارة منذ بدء ولاية ترامب الثانية عام 2025، في وقت لا تزال فيه الحركة تسيطر على مساحات واسعة، بينما تعتمد الحكومة الفيدرالية على الحماية العسكرية الخارجية.
ويربط المقال بين محدودية نتائج الحملة الجوية وأزمة مستقبل القوات الإفريقية، محذرًا من أن فقدان التمويل اللازم لاستمرارها قد يزيد احتمال شن حركة الشباب المجاهدين هجومًا يستهدف السيطرة على العاصمة مقديشو.
تصعيد جوي غير مسبوق.. ونتائج موضع تساؤل
يُرجع المقال العمليات العسكرية الأمريكية في الصومال إلى عام 2003، ويصف حملة القصف الحالية بأنها أوسع من الحملات السابقة خلال الحرب الأمريكية على الجماعات الجهادية في البلاد.
ويورد أن أكثر من 200 غارة نُفذت منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض عام 2025، وأن معظم البيانات الصحفية التي أصدرتها القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا «أفريكوم» خلال العام الجاري تعلقت بضربات في الصومال.
وبحسب قراءة المجلة، احتلّت الحملة الجوية موقعًا بارزًا ضمن اهتمامات ترامب خلال ولايتيه، أو على الأقل ضمن أولويات كبار القادة العسكريين الأمريكيين.
لكن اتساع الحملة، وفق المقال، لم يقابله تأثير استراتيجي حاسم على حركة الشباب المجاهدين. وتستشهد المجلة باستعادة الحركة مناطق انتُزعت منها في الهجوم الذي بدأ عام 2022، معتبرة أن تراجع تلك المكاسب يكشف حدود قدرة الغارات على تغيير مسار الحرب بصورة مستدامة.
من جيبوتي إلى الساحل الكيني.. قواعد انطلاق المسيّرات
يتناول المقال البنية العسكرية التي تستند إليها العمليات الجوية الأمريكية في المنطقة، ويرجّح أن جانبًا كبيرًا من الطائرات المسيّرة ينطلق من قاعدة «كامب ليمونييه» في جيبوتي، التي يصفها بأنها أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في إفريقيا.
ويشير كذلك إلى انطلاق بعض المسيّرات من «كامب سيمبا» في منطقة ماندا باي الساحلية بمقاطعة لامو الكينية.
وترد هذه المعلومات في سياق تقديرات المقال بشأن مواقع انطلاق الطائرات، وليست تحديدًا مؤكدًا لمسار كل غارة أو القاعدة التي أقلعت منها الطائرات المشاركة فيها.
جمامي.. ضحايا مدنيون خلف بيانات الغارات
ينتقد المقال تعامل «أفريكوم» مع سقوط المدنيين، معتبرًا أن الخسائر البشرية لا تحظى بالاهتمام المطلوب، ومستشهدًا بضربة أمريكية استهدفت مدينة جمامي في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وأسفرت عن مقتل 12 مدنيًا على الأقل، بينهم ثمانية أطفال.
وتتوافق هذه الحصيلة مع تحقيق نشرته صحيفة «الغارديان» بشأن ضربة وقعت في 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2025. وأفادت الصحيفة بأن الولايات المتحدة لم تقرّ بسقوط مدنيين في الهجوم، رغم الأدلة والشهادات التي جمعتها.
وتضع المجلة هذه الواقعة ضمن انتقاد أوسع للحملة، يتناول حصيلتها على الأرض وتبعاتها على السكان، إلى جانب مدى نجاحها في تحقيق الأهداف العسكرية المعلنة.
حركة الشباب المجاهدين تحتفظ بالأرض وتدير مناطق نفوذها
بحسب المجلة تسيطر حركة الشباب المجاهدين على مساحات واسعة ضمن النطاق الجغرافي الممتد من مناطق جنوبي غالكعيو إلى جنوب الصومال، وقد أقامت هياكل حكم وإدارة في مناطق سيطرتها.
ولا يعني ذلك أن الحركة تسيطر على كامل هذا النطاق بصورة متصلة، بل إن المقال يشير إلى اتساع نفوذها داخله، في مقابل محدودية قدرة الحكومة على بسط سلطتها.
وترى المجلة أن استمرار هذا النفوذ، واستعادة مناطق خُسرت في حملات سابقة، يضعفان القول إن تصعيد الضربات الجوية أحدث تغييرًا جوهريًا في ميزان القوة.
وفي هذا السياق، يعرض المقال المكاسب التي تحققت منذ عام 2022 بوصفها مكاسب لم تُصن، بعدما تمكنت الحركة من العودة إلى مناطق كانت قد انسحبت منها وزيادة.
حكومة محدودة السلطة وتعتمد على الحماية الخارجية
يتبنى المقال موقفًا نقديًا حادًا من الحكومة الصومالية، ويرى أن انتقادات ترامب لمحدودية وجودها الفعلي تستند إلى ضيق نطاق سلطتها واعتمادها على الحماية العسكرية داخل مقديشو. ويذهب إلى وصفها بأنها حكومة اسمية تفتقر إلى مقومات السيطرة الفعلية على البلاد.
كما يتناول سجل القوات الإفريقية التي تسند الحكومة، مشيرًا إلى اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق السكان، شملت في بعض الحالات قتل مدنيين عمدًا.
ويورد هذه الانتهاكات ضمن تقييمه لحصيلة التدخل العسكري الخارجي، الذي لم ينجح، في تمكين الحكومة من فرض سيطرة أمنية مستقرة ومستقلة عن الدعم الدولي.
واشنطن تمهّد لإنهاء الدعم.. ومهلة إضافية لترتيب الانتقال
يشير المقال إلى إعلان الولايات المتحدة في مطلع يوليو/تموز أنها ستعارض استمرار الدعم الأممي للقوات الإفريقية ابتداءً من العام التالي، مستندة إلى إخفاق الحكومة الصومالية في تولّي مسؤولياتها رغم سنوات من الإسناد الخارجي.
كما يورد تعديل الموقف الأمريكي خلال سبتمبر/أيلول باتجاه إتاحة مهلة إضافية مدتها 12 شهرًا لترتيب الانتقال وإنهاء الدعم بصورة تدريجية.
وهذه المهلة تتعلق بإنهاء الدعم الأممي تدريجيًا؛ ولا تعني بذاتها وجود جدول نهائي متفق عليه لانسحاب جميع القوات الإفريقية من الصومال.
ويضع المقال هذا التحول أمام مفارقة واضحة: استمرار التصعيد الجوي الأمريكي، بالتزامن مع تقليص الالتزام بمنظومة الإسناد التي تعتمد عليها القوات المنتشرة على الأرض.
مقديشو أمام خطر مشروط بانقطاع التمويل
في تقديره للتداعيات المحتملة، يرجّح المقال أن يؤدي غياب التمويل اللازم لاستمرار القوات الإفريقية إلى زيادة احتمال شن حركة الشباب المجاهدين هجومًا جديدًا بهدف السيطرة على مقديشو.
وتتمثل خلاصة تقييم المجلة في أن كثافة القصف الأمريكي لم تُترجم إلى حسم مستدام، بينما تظل الحكومة معتمدة على دعم خارجي يواجه خطر التراجع. وبين استمرار الغارات واحتمال انكماش الحضور الإفريقي، يبقى السؤال الأساسي متعلقًا بمن يستطيع الاحتفاظ بالأرض وتأمينها عندما يتراجع الإسناد الدولي.