مجموعة الأزمات الدولية: «أوصوم» أمام خطر التوقف.. مهلة واشنطن تؤجل أزمة الدعم وتفتح مخاوف تمدّد حركة الشباب المجاهدين
عام إضافي لا يعالج فجوة التمويل والإمداد، وبدائل محدودة أمام القوات الإفريقية، وتساؤلات بشأن جاهزية الجيش الصومالي لتسلّم المواقع المهددة بالانسحاب.
حذّرت مجموعة الأزمات الدولية «ICG» من أن المهلة الإضافية البالغة 12 شهرًا لإنهاء الدعم الأممي للقوات الإفريقية في الصومال لن تحلّ المشكلات التي تهدد بقاء بعثة الاتحاد الإفريقي للدعم والاستقرار «أوصوم»، مؤكدة أن توقف الإسناد اللوجستي قد يفرض انسحابات من مواقع عسكرية، ويتيح لحركة الشباب المجاهدين توسيع سيطرتها على حساب الحكومة الصومالية.
وبحسب التحليل المنقول عن المجموعة، فإن منظومة الدعم الأمني التي اعتمدت عليها الحكومة الفيدرالية قرابة عقدين تدخل مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، مع اتجاه الولايات المتحدة إلى إنهاء دعم الأمم المتحدة للعملية الإفريقية، وغياب بديل واضح يستطيع تحمّل أعباء التمويل والإمداد وإدارة قوة متعددة الجنسيات.
وتأتي هذه التحولات بينما لا تزال حركة الشباب المجاهدين تسيطر على مساحات واسعة من جنوب الصومال ووسطه، في حين لم تبلغ القوات الصومالية، وفق تقييم المجموعة، مستوى الجاهزية اللازم لتسلّم كامل مسؤوليات القوات الإفريقية.
مهلة للانسحاب المنظم.. لا ضمانة لاستمرار المهمة
بدأ التحول الأمريكي يتضح في مطلع يوليو/تموز، حين أبلغت واشنطن الاتحاد الإفريقي أنها لن تؤيد استمرار مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال «UNSOS» بعد نهاية عام 2026.
لكن الموقف أصبح أكثر مرونة خلال سبتمبر/أيلول. وينقل التحليل عن دبلوماسيين أمريكيين إبلاغهم الاتحاد الإفريقي بأن واشنطن يمكن أن تنظر في تمديد مدته 12 شهرًا، قبل وقف أي دعم أممي إضافي.
وتتيح هذه المهلة، بحسب المجموعة، مزيدًا من الوقت للتحضير لإنهاء منظم للعملية العسكرية الإفريقية، أو وضع ترتيبات انتقالية أخرى. لكنها لا تعني التراجع عن الاتجاه نحو إنهاء صيغة الدعم القائمة.
وترى المجموعة أن منظومة الإسناد والحماية الأمنية التي استندت إليها الحكومة الفيدرالية طوال نحو عشرين عامًا تقترب من نهايتها، وأن الحضور العسكري الدولي الذي شارك في مواجهة حركة الشباب المجاهدين منذ عام 2007 يبدو آخذًا في الانحسار.
وتتمثل خلاصة تحذيرها في أن منح مزيد من الوقت قد يؤجل التحديات المقبلة، لكنه لا يعالج أسبابها.
الغذاء والوقود والنقل.. مقومات البقاء مهددة
تتجاوز أهمية «UNSOS» كونه جهة تمويل؛ فهو يوفر للقوات الإفريقية المياه والغذاء والوقود ووسائل النقل، ويؤمّن خدمات أساسية لاستمرار انتشارها وعملياتها. كما يدعم الميليشيات الصومالية، ما يجعل أثر إغلاقه أوسع من حدود البعثة الإفريقية.
وبحسب التحليل، يُرجّح ألا تستطيع «أوصوم» مواصلة عملها إذا فقدت هذا الإسناد، لأن توقف الخدمات الأساسية سيقوّض قدرتها على البقاء في مواقعها وتنفيذ مهامها.
ورغم بحث الاتحاد الإفريقي وشركائه الدوليين والحكومة الصومالية سبل الحفاظ على العملية، لا يظهر حتى الآن حلّ يمكن تطبيقه بسهولة.
كما لا يتوافر بديل واضح لمكتب تقارب ميزانيته نصف مليار دولار، يمتلك القدرة على تنظيم الدعم اللوجستي لقوة متعددة الجنسيات وإدارته وتمويله. ولذلك، فإن تعويضه يتطلب موارد مالية وقدرات تشغيلية وإدارية معًا.
أزمة تمويل سبقت القرار الأمريكي
توضح مجموعة الأزمات الدولية أن العملية الإفريقية تعاني ضغوطًا مالية متراكمة منذ سنوات، وأن التحول الأمريكي جاء ليزيد أزمة قائمة بالفعل.
فقد خفّض ممولون تقليديون، بينهم الاتحاد الأوروبي، مساهماتهم، ودفعوا في الوقت نفسه باتجاه إنهاء العملية، التي واجهت عجزًا ماليًا كبيرًا رغم إجراءات تقليص النفقات.
ويشير التحليل إلى انخفاض أعداد القوات بنحو النصف مقارنة بالأعداد السابقة التي يستند إليها، وإلى تركّز نشاطها بصورة متزايدة على التمركز داخل قواعدها المحصنة، مع تضاؤل قدرتها على التحرك خارجها.
ولم تقتصر الضغوط على ميزانية البعثة، بل طالت أيضًا الدعم اللوجستي الأممي، المموّل من الاشتراكات الإلزامية للدول الأعضاء في الأمم المتحدة.
وهكذا، تواجه المهمة أزمتين متداخلتين: نقص الأموال اللازمة لتغطية نفقات القوات، واحتمال فقدان المنظومة التي تؤمّن احتياجاتها اليومية وتشغيلها الميداني.
من التحفظ على التمويل إلى إنهاء الدعم
بحسب التحليل، سبقت التحفظات الأمريكية على هذه الترتيبات عودة الرئيس دونالد ترامب إلى السلطة. فقد كان مسؤولون أمريكيون يعترضون على استخدام أموال الأمم المتحدة لتمويل عملية لا تتبع لها مباشرة، خشية أن يصبح ذلك سابقة تُطبّق على عمليات أخرى.
وفي مطلع عام 2025، عرقلت واشنطن مقترحًا لإتاحة تمويل للبعثة الإفريقية من الاشتراكات الإلزامية للأمم المتحدة، مستندة جزئيًا إلى أن المنظمة الدولية تنفق بالفعل مبالغ كبيرة عبر مكتب «UNSOS».
ويضيف إلى أن الولايات المتحدة أوقفت في سبتمبر/أيلول 2025 خططًا مرتبطة بتمويل عمليات حفظ السلام الأممية، بما يشمل المكتب العامل في الصومال. ومن هذا المنطلق، ترى المجموعة أن الموقف الأمريكي اللاحق من استمرار المكتب لم يكن مفاجئًا بالكامل.
ويخلص التحليل إلى أن واشنطن تتجه إلى إنهاء منظومة أدّت دورًا مهمًا في مواجهة حركة الشباب المجاهدين، بعدما باتت مقتنعة بأن الوضع السابق غير قابل للاستمرار.
كما ينقل عنها رغبتها في الانسحاب من صيغة الدعم الدولي الجماعي للعملية في الصومال، التي تعتبرها مرتفعة التكلفة ولا تحقق النتائج المطلوبة، رغم ما يقارب عقدين من الجهد والإنفاق.
واشنطن تضغط.. ومقديشو أمام مسؤوليات أكبر
يشير التحليل إلى أن العمليات الدولية متعددة الأطراف لم تعد تتمتع بالفاعلية نفسها التي كانت لها سابقًا، ويؤكد أن الحكومة الصومالية مطالبة بتحمّل المسؤولية الرئيسية عن قيادة الحرب على حركة الشباب المجاهدين.
وينقل عن دبلوماسيين أمريكيين تقييمًا مفاده أن قادة الحكومة الفيدرالية يتقاعسون عن أداء التزاماتهم، مع إدراكهم أنهم لا يستطيعون مواجهة الحركة من دون الإسناد الخارجي.
وفي المقابل، يقرّ بعض المسؤولين الأمريكيين بخطورة إنهاء «UNSOS»، لأن ذلك يهدد استمرار بعثة الاتحاد الإفريقي ذاتها.
وترجّح المجموعة أن هذه المخاوف أسهمت في تليين الموقف الأمريكي والقبول بمهلة أطول لإنهاء الأنشطة تدريجيًا. غير أن تعديل الجدول الزمني لا يوفّر، بحد ذاته، حلًا لمشكلة استمرار العملية أو تمويل البديل.
بدائل تصطدم بسؤال المال والإمداد
عند بحث إمكان تعويض المكتب الأممي، ترى مجموعة الأزمات الدولية أن تقليص القوات الإفريقية ثم إغلاق «UNSOS» سيجعلان استمرار المهمة وفق ترتيباتها الحالية غير قابل للاستدامة.
وينقل التحليل عن مسؤولين في الاتحاد الإفريقي إقرارهم بأن العملية لا تستطيع الاستمرار من دون دعم الأمم المتحدة، فيما وصف أحدهم الموقف الأمريكي من مستقبل المكتب بأنه تهديد لوجود المهمة.
وحتى مع المهلة الإضافية، يُتوقع أن ينصبّ جانب كبير من العمل خلال العام التالي على تقليص أنشطة المكتب الواسعة وإنهائها تدريجيًا.
أما المقترحات المطروحة للإبقاء على الإسناد اللوجستي، فتواجه عقبات كبيرة. وحتى إذا أمكن تجاوز صعوباتها التنظيمية والتشغيلية، ستظل فجوة التمويل قائمة.
وتشير المجموعة إلى أن العملية الإفريقية عاجزة حاليًا عن دفع بدلات الجنود كاملة، ما يجعل قدرتها على تحمّل تكاليف الإمداد والنقل والوقود وسائر الخدمات موضع شك أكبر.
تمويل محتمل لقوة أصغر.. لكن إلى متى؟
لا ترى المجموعة أن الجهات القادرة نظريًا على تقديم المال تملك استعدادًا واضحًا لتعويض الفجوة. فالاتحاد الأوروبي ودول الخليج العربية، رغم مخاوفها من تدهور الوضع الأمني في الصومال، تواجه أزمات والتزامات متزاحمة في مناطق أخرى من العالم.
وحتى إذا حصل الاتحاد الإفريقي على تمويل إضافي، فقد يسمح ذلك فقط بإبقاء القوات لفترة محدودة في عدد قليل من المواقع المهمة، خصوصًا مقديشو وعواصم الولايات الفيدرالية.
لكن تقليص الانتشار لا يضمن بقاء قوة قادرة على حماية نفسها. فقد سبق للدول المساهمة بقوات أن حذّرت من أن أعداد أفرادها غير كافية حتى لتأمين سلامتهم، فضلًا عن تنفيذ عمليات خارج القواعد.
وبحسب التحليل، قد يؤدي المزيد من التخفيض إلى بلوغ «أوصوم» حدًا تعجز عنده عن الدفاع عن مواقعها المحصنة أمام هجمات حركة الشباب.
ومع محدودية التمويل المتاح لعام 2026 وغياب موارد مضمونة لما بعده، سيواجه الاتحاد الإفريقي صعوبة في إقناع المانحين بتمويل نسخة أصغر وأضعف من العملية.
مقترح أديس أبابا: تغيير الإطار لا يحلّ الأزمة
في مقر الاتحاد الإفريقي بأديس أبابا، يجري بحث خيار آخر يقوم على إعادة تنظيم العملية ضمن إطار إقليمي جديد، مع استمرارها تحت مظلة الاتحاد.
ويستلهم المقترح نموذجًا لعملية إقليمية في منطقة بحيرة تشاد. إلا أن مجموعة الأزمات الدولية ترى أنه لا يقدم معالجة كافية لمشكلات التمويل والإمداد التي تواجه «أوصوم«.
فهذا النموذج يعيد القسم الأكبر من المسؤوليات اللوجستية والمالية إلى الدول المساهمة بالقوات، وهي أعباء يصعب عليها تحمّلها.
وعليه، فإن إعادة تسمية العملية أو تغيير إطار إدارتها لا يضمنان توفير الاحتياجات اللازمة لبقائها. ووسط هذه البدائل المحدودة، ترى المجموعة أن مرحلة الانتقال أصبحت قريبة، رغم ما يحيط بها من عدم يقين واسع.
14 ألف جندي… إعلان الجاهزية أمام اختبار الميدان
تضع هذه التطورات الميليشيات الصومالية أمام مهمة تسلّم المواقع والمسؤوليات التي ستتخلى عنها القوات الأجنبية، في وقت يشكك فيه التحليل بقدرتها على التعويض الكامل عن البعثة الإفريقية.
فقد أعلنت مقديشو في مطلع أغسطس/آب أن لديها 14 ألف جندي جاهزين للعمليات العسكرية، ويمكن نشرهم أيضًا لتسلّم المواقع وتأمينها والاحتفاظ بها بعد خروج القوات الإفريقية.
غير أن المجموعة ترى أن الميليشيات الصومالية، رغم برامج التدريب والدعم المقدمة إليها، لا تبدو مستعدة بصورة كاملة لهذه المهمة.
ويشير التحليل إلى أنها أقل تدريبًا وتجهيزًا عمومًا من القوات الإفريقية، ما يجعل الاستبدال المباشر بين الطرفين محفوفًا بالمخاطر.
ويستشهد بما حدث في بعض المواقع التي سلّمتها القوات الإفريقية إلى القوات الصومالية خلال السنوات الماضية، ثم عادت لاحقًا إلى سيطرة حركة الشباب المجاهدين.
كما يشير إلى أن ميليشيات الولايات الفيدرالية تواجه هي الأخرى صعوبات في صدّ هجمات الحركة، ولا تمثل بديلًا مضمونًا لسدّ الفراغ.
كينيا وإثيوبيا.. أولوية الحدود قد تغيّر الانتشار
رغم الغموض المحيط بمستقبل البعثة، ترى المجموعة أن فقدان الإنفاق السنوي للمكتب الأممي على الاحتياجات الأمنية سيخلّف تداعيات واسعة، ويدفع الدول المساهمة بالقوات إلى إعادة ترتيب أولوياتها.
وتبرز كينيا وإثيوبيا بوصفهما دولتين تمنحان أمن الحدود أهمية خاصة، وتسعيان إلى الإبقاء على مناطق فاصلة بين أراضيهما ومواقع حركة الشباب المجاهدين.
وفي حال غياب دعم «UNSOS»، يرجّح التحليل أن تعيد الدولتان تجميع قواتهما في المناطق القريبة من حدودهما، للتركيز على مصالحهما الأمنية المباشرة.
لكن هذا التحول قد يأتي على حساب الانتشار في مناطق أخرى داخل الصومال. وترى المجموعة أن الانسحاب من بعض المواقع التي تتمركز فيها قوات الاتحاد الإفريقي حاليًا سيصبح، على الأرجح، أمرًا يصعب تجنّبه.
ولاية شبيلي السفلى ووسط البلاد.. مواقع معرّضة للفراغ
تضع مجموعة الأزمات الدولية القواعد الأوغندية في ولاية شبيلي السفلى ضمن المواقع التي قد يصعب الاحتفاظ بها من دون الإسناد اللوجستي الأممي.
وبحسب تقييمها، يُحتمل أن تستولي حركة الشباب المجاهدين على هذه المواقع سريعًا عقب انسحاب القوات الإفريقية، إذا لم تتوافر قوة قادرة على تسلّمها وتأمينها.
كما يشير التحليل إلى هشاشة الوضع في ولايتي شبيلي الوسطى وهيران، حيث حشدت الحركة أعدادًا كبيرة من المقاتلين منذ عام 2025.
وتخشى المجموعة أن تتيح هذه الظروف للحركة تعزيز قوتها وزيادة وتيرة عملياتها، رغم أي جهود تُبذل للحدّ من تداعيات تقليص الوجود الإفريقي.
عام إضافي أمام خطر خسارة مزيد من الأراضي
يخلص التحليل إلى أن استمرار الأزمة من دون معالجة قد يرفع احتمال خسارة الحكومة الصومالية أراضي إضافية، ويسمح لحركة الشباب المجاهدين بتوسيع نفوذها خارج المساحات الواسعة التي تسيطر عليها بالفعل.
فالخطر لا يرتبط بانتهاء مهلة زمنية فحسب، بل بتزامن ثلاثة عوامل: نقص التمويل، وفقدان منظومة الإمداد، وعدم اكتمال جاهزية القوات التي يُفترض أن تتسلّم المسؤولية.
ومن ثمّ، تمنح الأشهر الاثنا عشر الإضافية الحكومة الصومالية والاتحاد الإفريقي وشركاءهما فرصة للتحضير، لكنها لا تضمن استمرار «أوصوم» ولا تمنع الفراغ الأمني. ويظل الاختبار الحاسم هو ما إذا كان بالإمكان تحويل هذه المهلة إلى ترتيبات ممولة وقابلة للتنفيذ، قبل أن تفرض الانسحابات واقعًا ميدانيًا تستفيد منه حركة الشباب المجاهدين.