واشنطن تخفّض وجودها العسكري والدبلوماسي في الشرق الأوسط وسط مخاوف من استئناف الحرب على إيران
تزامناً مع تحركات عسكرية أمريكية وإسرائيلية لاحتمال شنّ هجمات جديدة على إيران، تسحب واشنطن بعض قواتها وتقلّص طواقمها الدبلوماسية، بينما تتسع دائرة المواجهة مع تصاعد الهجمات الحوثية على السعودية.
أفادت شبكة «إن بي سي نيوز» الأمريكية، في تقرير نشرته الأربعاء 21 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بأن الولايات المتحدة بدأت تقليص وجودها العسكري في عدد من القواعد بالشرق الأوسط، بالتزامن مع إجراءات لخفض أعداد الموظفين في بعثات دبلوماسية بالمنطقة، وسط تزايد المؤشرات على احتمال استئناف الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران.
وبحسب مصادر مطلعة تحدثت للشبكة، شملت التحركات نقل جنود أمريكيين من قواعد في الأردن والكويت وقطر، في إطار إجراءات احترازية لحمايتهم من هجمات محتملة. وأشارت المصادر إلى أن تحركات مماثلة سبقت الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، عندما تعرضت منشآت أمريكية في المنطقة لهجمات إيرانية خلال المواجهة التي أعقبت اندلاع الحرب.
ونقلت الشبكة عن مسؤول أمريكي أن إبعاد القوات عن المواقع المعرضة للخطر جزء من التخطيط العسكري، في وقت يدرس فيه الرئيس دونالد ترامب استئناف ما وصفه التقرير بـ«العمليات القتالية الكبرى» ضد إيران، سواء قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني أو بعدها.
وفي إسرائيل، يبدو رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو معنياً أيضاً باستئناف الحملة العسكرية، وفق التقرير، في ظل اقتراب الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي. ويثير تزامن الحسابات السياسية في واشنطن وتل أبيب مع الاستعدادات العسكرية تساؤلات بشأن احتمال تأثير الانتخابات في توقيت أي تصعيد جديد.
تقليص الوجود العسكري لا يعني بالضرورة بدء هجوم
تكتسب التحركات الأمريكية أهمية لأنها تأتي في ظل تهديدات متبادلة وتراجع الثقة في فرص التوصل إلى تسوية بين واشنطن وطهران. ومع ذلك، فإن نقل الجنود وتقليص الطواقم الدبلوماسية لا يشكلان دليلاً قاطعاً على اتخاذ قرار نهائي بشن هجوم؛ فقد تكون هذه الإجراءات احترازية لتقليل الخسائر المحتملة إذا اتسعت المواجهة.
وتشير التقارير إلى أن القواعد الأمريكية في المنطقة أصبحت عرضة للمخاطر خلال الحرب السابقة، وأن بعض المنشآت تعرضت لأضرار وخسائر بشرية. لذلك، فإن تقليص الوجود في مواقع معينة قد يهدف إلى الحد من تعرض القوات الأمريكية للضربات، مع إبقاء خيارات عسكرية أخرى متاحة أمام الإدارة الأمريكية.
لكن تكرار إجراءات الإبعاد التي سبقت هجوم فبراير يمنح التحركات الحالية دلالة سياسية وعسكرية تستحق المتابعة، خصوصاً مع الحديث عن إعداد خطط لضربات جديدة قد تستهدف منشآت نووية إيرانية أو قدرات الصواريخ والطائرات المسيّرة أو البنية التحتية للطاقة.
السعودية في قلب التصعيد الإقليمي
لم تقتصر الإجراءات الأمريكية على القواعد العسكرية؛ إذ أكدت وزارة الخارجية الأمريكية صدور أمر بمغادرة الموظفين الحكوميين غير الأساسيين وأفراد أسرهم من بعثاتها في السعودية، على خلفية تصاعد الهجمات المنسوبة إلى جماعة الحوثيين على أهداف مدنية وبنية تحتية حيوية داخل المملكة.
وقال المتحدث باسم الوزارة، تومي بيغوت، إن القرار يقتصر رسمياً على السعودية، نافياً تقارير تحدثت عن صدور أمر شامل بإجلاء الموظفين من جميع السفارات الأمريكية في الخليج. غير أن مسؤولين أمريكيين أبلغوا وكالة «رويترز» بأن بعثات في دول خليجية أخرى كانت تدرس أو تستعد لإجراءات إضافية تخص أفراد أسر الموظفين.
وجاء ذلك بعد هجمات دامية طالت مطار الملك فهد الدولي في الدمام وحقل الشيبة النفطي. وأفادت تقارير بأن هجوماً على المطار أسفر عن مقتل شخص وإصابة ثمانية آخرين، فيما أدى سقوط حطام طائرة مسيّرة في منطقة حقل الشيبة إلى مقتل شخصين وإصابة آخرين.
وتقول واشنطن إن هذه الهجمات تمثل تهديداً متزايداً لأمن موظفيها ومصالحها في المنطقة، بينما تتهم الحوثيين بتلقي الدعم من إيران. وتأتي التطورات في سياق اتساع المواجهة المرتبطة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما تبعها من ضربات متبادلة وتهديدات طالت منشآت عسكرية واقتصادية في المنطقة.
اليمن يفتح جبهة إضافية
تتزامن التحركات الأمريكية مع تصعيد جديد في اليمن، بعدما استأنفت السعودية قصف مطار صنعاء الدولي، وفق التقرير الأصلي، وهو ما أعقبه تصاعد الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية.
ويذكر التقرير أن الولايات المتحدة تدعم الحملة الجوية السعودية عبر تقديم معلومات استخباراتية وخدمات تزويد الطائرات بالوقود. ويثير هذا الدعم تساؤلات بشأن دور واشنطن في توسيع دائرة المواجهة، خصوصاً عندما تتسبب العمليات العسكرية في سقوط ضحايا مدنيين أو تضرر منشآت يستخدمها السكان.
وتكشف التطورات أن التوتر لم يعد محصوراً في المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى؛ إذ باتت الأراضي السعودية والقواعد الأمريكية والممرات الاقتصادية الإقليمية جزءاً من شبكة المخاطر المتداخلة. وأي تصعيد إضافي في اليمن قد يزيد الضغط على دول الخليج ويهدد حركة الطيران وإمدادات الطاقة.
هل تقترب المنطقة من جولة حرب جديدة؟
تزداد المخاوف من استئناف الحرب مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في 3 نوفمبر، في وقت تشير فيه تقارير إلى أن واشنطن وتل أبيب تدرسان خيارات عسكرية جديدة. كما أفادت تقارير صحفية في 22 أكتوبر بأن الجيشين الأمريكي والإسرائيلي طوّرا خططاً لضربات جديدة على إيران بعد الانتخابات، مع تدريبات على تنفيذ عمليات جوية محتملة.
وفي المقابل، نقلت «رويترز» عن مسؤولين إيرانيين أن طهران لا تثق في نيات واشنطن، وتستعد لاحتمال استئناف الهجمات بدلاً من التعويل على اتفاق سريع. ويعني ذلك أن فرص التسوية ما زالت تواجه عقبات كبيرة، رغم استمرار الحديث عن المسارات الدبلوماسية.
إن خفض الوجود العسكري والدبلوماسي الأمريكي قد يكون إجراءً دفاعياً، لكنه يأتي في سياق أوسع من التحضير لاحتمال التصعيد. وإذا تحولت الخطط إلى عمليات فعلية، فقد لا تقتصر النتائج على إيران وحدها، بل قد تمتد إلى القواعد الأمريكية في المنطقة والسعودية واليمن وممرات التجارة والطاقة.
الخلاصة: تشير التحركات الأمريكية إلى ارتفاع مستوى الاستعداد لمواجهة احتمال تجدد الحرب، لكنها لا تثبت وحدها أن قرار الهجوم قد اتُّخذ. وبين تقليص الوجود العسكري، وإجلاء الموظفين غير الأساسيين من السعودية، والتقارير عن إعداد خطط أمريكية إسرائيلية لضربات جديدة، تبدو المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية، سيكون مسارها مرهوناً بقرارات واشنطن وتل أبيب وطهران، وبقدرة الجهود الدبلوماسية على منع انفجار مواجهة أوسع.