أجمل ذكرياتي في الولايات الإسلامية.. يوم ملحمة داينيلي التاريخية
استيقظت فجر الخميس من النوم كالمعتاد مسرورا بالإجازة الأسبوعية، لقد كان هذا اليوم مميزا بالنسبة لعائلتنا فقد كان والدي يأمر الجميع بالصيام حتى الصغار، وكانت لدينا مناسبة ساعة الإفطار، حيث يزدحم البيت بالأقرباء وتقوم النساء بتجهيز البيت والطعام للصائمين. بينما نتولى نحن الفتيان الخدمات الخارجية اليسيرة. كان الوقت قبل الظهيرة بساعة أو ساعتين لما قررت أن أفتح الراديو الذي اشتهرت في البيت بالاهتمام به، لقد كنت الوحيد الذي يستمع لإذاعة الأندلس رغم صغر سني آنذاك، فتحت الراديو لأتفاجأ ببث مباشر من الإذاعة من أرض المعركة حيث كان المذيع ينقل بشكل مباشر الأحداث من ساحة القتال لزملائه في الأستوديو. وصادف أن طلب المذيع من المستمعين أن يدعوا لإخوانهم في ساحة المعركة، قمت من مكاني ورفعت يدي إلى السماء ودعوت للمجاهدين. ولصغر سني لعلي ،لم أنتبه أن اخفض صوت الراديو أثناء الدعاء، وبعد دقائق قليلة رجعت لمكاني وكان الوضع كالآتي:
البث المباشر يشرح ساحة المعركة بتفاصيلها الدقيقة ويروي لنا الحقائق كما هي. والفتى الصغير في مكانه يتخيل نفسه مع الأبطال يصول ويجول معهم بخياله، ويكبّر ويتوتر، واستمر الوضع هكذا، حتى أتت البشارة ودخل المذيع من ساحة المعركة على الخط وبدأ يسرد لنا ما حدث في الساحة من انتصارات مهيبة، وما أصاب العدو من هزيمة وخذلان ويبشر بعدد الخسائر المهولة والغنائم الكثيرة وجيف الصليبيين الملقاة على الطرق، وتفاصيل فرار العدو يجر أذيال الهزيمة المثخنة، لا أستطيع أن أصف لكم فرحتي وقتها، لقد كنت متحمسا جدا لسماع المزيد من الأخبار السارة وأتفاعل معها بخيالي الواسع كما أسلفت.
ثم نادتني الوالدة – أطال الله في عمرها- وأرسلتني لخدمة خارج البيت، كنت مستاءً جدا لأنني كنت أخشى أن يفوتني البث وينقطع عني الحماس. وللأسف كان الراديو يعمل بالكهرباء وليس له بطارية، فذهبت مسرعا للدكان لكن في الوقت نفسه وقع في خاطري أن أمُرّ من جانب مركز الشرطة القريب من بيتنا، وأرى ماذا يفعل الرجال هناك. هل يستمعون إلى البث بشكل جماعي أم قاموا بتشغيل أناشيد جهادية احتفالا بالنصر العظيم؟ لكن كان الوضع صامتا والمكان مغلقا ثم ذهبت ورجعت إلى البيت بسرعة وسلمت أمي أغراضها وذهبت لمكان الراديو أسابق خطواتي، وكما كنت أتوقع ولله الحمد كانت البشائر تأتي واحدة تلو الأخرى والعدو دخل في فوضى عارمة لا يعرف ماذا يحدث له والأبطال مستمرون في سحقهم والتنكيل بهم، كنت أستمع للبث إلى آخر لحظة، كنت أتمنى أن لا ينقطع هذا البث وهذه الفرحة، لقد تحمست جدا، وهكذا تفعل الانتصارات بالمسلمين! وكأننا في العيد، وهو كذالك فعلا . فقد كان يوم عيد للمؤمنين ويوم بؤس وحزن للصليبيين ومن وقف في صفهم، فقد تم جلب بعض جيف الصليبيين الأفارقة لساحة عالمذا وهي منطقة قريبة من أفجويي ليشارك المسلمون في مشهد النصر، لكن فاتتني مشاهدة هذا المشهد لأني كنت صائما، وفي وقت الإفطار كان هناك ضيوف في بيتنا. وفي الواقع لم أكن أهتم بكل ما يدور حولي، فكل همي كان أن أستمع إلى أخبار الساعة السابعة مساء. وهكذا انقضى الليل ولم يكن أحد في بيتي يفهم ما أشعر به وما يجول في خاطري، فقد كنت أفكر بما حدث إلى منتصف الليل حيث غلبني النعاس بعد أن عشت استرق لحظات البطولة عبر بث الإذاعة. وفي صباح اليوم التالي وهو يوم الجمعة كان لدينا نشاط عائلي صغير، لكني حاولت الهروب منه والذهاب لعالمذا حتى أرى الجيف، إلا أن المحاولة باءت بالفشل ثم جاء وقت صلاة الجمعة وذهبت إلى أحد المساجد الكبيرة في المنطقة. فصلينا الجمعة وبعدها قام الشيخ فؤاد خلف إذا لم تخني الذاكر، ولم أكن أعرف عنه شيئا إلا في برامج إذاعة الأندلس، فألقى خطبة حماسية جدا، أثرت علي بشكل مختلف حين أكد أن عدد الغزاة كان بالآلاف وعدد المجاهدين أقل من الخمسمائة، شباب صغار بالمئات وقفوا في وجه الصليبيين وصدوا عدوانهم وانتصروا بقوة إيمانهم ويقينهم على قوة العتاد والمدرعات!.
هذا الكلام لم أكن لأصدقه لو قاله أحد آخر غير المجاهدين !
بدأت أفكر في هؤلاء الشباب وبأسهم وكيف لهم أن يصدوا كل هذه القوة والعتاد هل هذا معقول؟ نعم وهو كما قال الشيخ .. انتصروا بقوة إيمانهم ويقينهم بالله عز وجل. وهو سبحانه الذي وعد عباده بالنصر، وصدق الله وعده ونصر عباده وهزم أعداءه.
استمر تفكيري في الفئة المؤمنة المنصورة كم هم كرماء؟ لقد ضحوا بأغلى ما يملكون حتى يدفعوا عنا عدو ديننا ودنيانا، كم هم عظماء؟ لقد وقفوا في وجه عدو أكثر منهم عدة وعتادا، لقد وقفوا في وجه العالم الظالم الذي لا يقبل شرع الله منهاجا لحياتنا، وأحسبهم صدقوا مع الله وقاتلوا لإعلاء كلمته ولم يريدوا بذلك إلا وجهه سبحانه كما نحسبهم، وكلما تذكرت هذا اليوم أعيش نفس الشعور وأرجع إلى نفس التفكير وأدعو اللمجاهدين بشكل عام ومن شارك في تلك الملحمة بشكل خاص. من عاش منهم ومن استشهد منهم واسأل الله أن يتقبل منهم جميعا جهادهم. لا يمكن لكلام أن يصف بطولتهم ولا لكتابة أن تسع تضحيتهم، ولا الحروف تستطيع أن تصف لكم مكانتهم في قلبي وقلب كل مؤمن موحد يأمل أن يدرك سمو هدفهم وعظم مبتغاهم، وهكذا جميع المجاهدين في سبيل الله عز وجل.
وبعض المرات أتذكر أبيات أبو حفص الموريتاني في إصدار “داينيلي الحمام البورندي”:
فأيقظتم التاريخ بعد رقاده … فعاد إلى أمجاده يتذكر
فهذا صلاح الدين يحمل سيفه … تسيل دماء الكفر منه وتقطر
فعادت لنا حطين بعد غيابها … وعادت إلى الأذهان بدر وخيبر.
نعم لقد أعاد هذا اليوم بالفعل إلى ذهني الفتوحات العظيمة والبطولات التي خطها أجدادنا المسلمون بدمائهم وأذاقوا فيها ملل الكفر الويلات.
فلما التقى الجمعان جمع محمد … أبطال بسم الله هبوا وكبروا
وجمع من الكفار جيش يقودهم … بحقد صليبي المنابع قيصر
ودارت رحى الحرب التي لم تكن سوى … ثواني رعب بل أقل وأقصر
وكان مع النصر المحقق موعد … فلم يتقدم ولم يتأخروا
فطارت رؤوس الكفر في كل وجهة … وأشلاؤها من حولها تتبعثر
فلو شهدت عيناك من ذاك منظرا … تقر به أو اسعد القلب منظر.
وهذه الأبيات تصف ما حدث، وكيف التقى الجمعان وكيف صارت المعركة التاريخية. فجيف البورنديين كانت ملقاة في أنحاء داينيلي حتى أنه بعد أيام، تم العثور على بعض الجيف بعد المعركة بأيام بسبب تعفنها وريحتها النتنة. ما يكشف حجم القتال والفتك بصفوف الكافرين في هذه المعركة.
فهل سمع التاريخ عن مثل صحبنا … وهل أبصرت عيناه أو سوف تبصر
وقفتم وما للموت شك لواقف … وحطمتم الأوهام والوهم يكسر
شفيتم صدور المؤمنين وأمة … على عتبات الكفر تُسبى وتُنحر
رفعتم لدين الله أرفع راية … شعاركم التوحيد والله أكبر
هذه الأبيات الرائعة كأنها تصفهم وتصف يوم تلك الملحمة، لكن في مقصدها كانت تتكلم عن أبطال عملية مدمرة كول .
وفي النهاية أود أن أعتذر منكم إن خلطت بعض الأحداث، فقد كنت صغيرا ولكنني ما زلت أعيش نفس الشعور والذكريات التي لا أنساها، وأثرت في نفسي كثيرا، واعتذر عن التقصير فمثل هذا اليوم لا يستحق سطورا بل كتابا ومئات الصفحات والمقالات ولعل القارئ يتساءل ألم يعش كاتب هذه السطور معارك أخرى يمكن أن تكون أشد وأعتى وأكثر إيلاما لعدو الله، فأقول: نعم، ولكن كلما سمعت عن معارك ضارية لنصرة الإسلام، أتذكر داينيلي بدون مقدمات، لقد ملكت هذه المعركة جزءا من قلب فتى عاش تفاصيلها وأحداثها بشعوره . فبقي هذا الشعور في القلب لا يضاهيه حدث آخر ولا يعني هذا أني لا أفرح بانتصارات المجاهدين، بل على العكس، إن كل نصر للمسلمين له فرحته الخاصة، وهو عيد لنا. وهذه السطور القليلة لا توفي حق أبطال حركة الشباب المجاهدين الذين يقفون سدا منيعا أمام مطامع الكفار والصليبيين في بلادنا، فجزاهم الله خيرا.
ما أصبت فيه فهو من الله عز وجل وما أخطأت فيه فمن نفسي ومن الشيطان، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.