إثيوبيا على حافة تصعيد واسع.. قوات موالية للحكومة تعلن السيطرة على مطار ميكيلي وسط قطيعة مع إريتريا وأزمة مع مصر
تتسارع التطورات العسكرية والسياسية في إثيوبيا مع تجدد المواجهات في إقليم تيغراي شمالي البلاد، وإعلان قوات موالية للحكومة الفيدرالية السيطرة على المطار الرئيسي لعاصمة الإقليم ميكيلي، بالتزامن مع تصعيد دبلوماسي غير مسبوق شمل إريتريا ومصر، ما يثير مخاوف من اتساع رقعة الصراع في منطقة القرن الإفريقي.
وأفادت وكالة رويترز، السبت 3 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بأن «قوات سلام تيغراي»، المتحالفة مع الحكومة الفيدرالية الإثيوبية، أعلنت استعادة السيطرة الكاملة على مطار ألولا أبا نيغا في ميكيلي، وقالت إنها بدأت عمليات داخل المدينة، في تطور قد يغير مسار المواجهات الدائرة في شمال البلاد.
ولم تتمكن رويترز من التحقق بصورة مستقلة من إعلان السيطرة على المطار حتى نشر تقريرها، كما لم يصدر تعليق من الحكومة الفيدرالية الإثيوبية، ولم تعلن الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي موقفها من التصريح. ويأتي ذلك بعد أيام من تصاعد المعارك بين القوات الحكومية وتحالف مسلح تقوده الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، التي كانت قد شنت هجومًا واسعًا على القوات الفيدرالية.
ويمثل مطار ميكيلي موقعًا استراتيجيًا مهمًا، نظرًا إلى ارتباطه بحركة النقل والإمدادات والوصول إلى عاصمة الإقليم. وإذا تأكدت السيطرة عليه واستمرت، فقد تؤثر في قدرة الأطراف المتحاربة على التحرك داخل المدينة ومحيطها، لكن الإعلان وحده لا يكفي للجزم بأن القوات الموالية للحكومة باتت تسيطر على ميكيلي بأكملها.
عودة الحرب إلى تيغراي وتهديد اتفاق السلام
تأتي المواجهات الحالية بعد أقل من أربع سنوات على اتفاق بريتوريا للسلام، الذي أنهى الحرب الكبرى بين الحكومة الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي في نوفمبر/تشرين الثاني 2022. ورغم الاتفاق، ظلت الخلافات السياسية والأمنية قائمة، إلى جانب النزاعات على الأراضي والترتيبات المتعلقة بإدارة الإقليم ومستقبله.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الخلافات التي لم تُحسم عبر التسوية السياسية عادت إلى الواجهة في صورة مواجهات مسلحة، مع اتساع نطاق الاشتباكات وظهور تحالفات معارضة للحكومة الفيدرالية.
ولا يقتصر القتال على تيغراي وحده؛ فقد امتدت المواجهات والتوترات إلى مناطق أخرى، بينها إقليم عفر، حيث تحدثت تقارير عن اشتباكات بين قوات حكومية ومجموعات مسلحة. كما تأثرت الحركة الجوية في مناطق من البلاد بسبب تدهور الوضع الأمني، وسط مخاوف السكان من عودة حرب واسعة النطاق.
وكانت الحرب بين عامي 2020 و2022 قد خلّفت أزمة إنسانية واسعة النطاق، ولذلك فإن تجدد القتال يهدد بتفاقم أوضاع المدنيين، وتعطيل الخدمات الأساسية وحركة التجارة، وزيادة النزوح في المناطق المتضررة.
قطيعة إثيوبية إريترية وسط اتهامات متبادلة
بالتوازي مع التطورات العسكرية، دخلت العلاقات الإثيوبية الإريترية مرحلة جديدة من التصعيد. ففي الأول من أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت وزارة الخارجية الإثيوبية إغلاق سفارتها في العاصمة الإريترية أسمرة، واعتبار عشرة دبلوماسيين إريتريين في أديس أبابا أشخاصًا غير مرغوب فيهم، مع منحهم 48 ساعة لمغادرة البلاد.
وبررت أديس أبابا القرار باتهام إريتريا بممارسة أعمال عدائية مباشرة وغير مباشرة ضدها، وبالانخراط في أنشطة تهدد أمنها القومي. وردّت أسمرة بإعلان قطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا، ورفضت الاتهامات الإثيوبية، متهمةً بدورها الحكومة الإثيوبية باتباع سياسات عدائية.
وتكتسب هذه القطيعة أهمية خاصة لأن البلدين كانا قد تقاربا عام 2018، بعد سنوات من العداء الذي أعقب الحرب الحدودية بينهما. كما أن إريتريا شاركت إلى جانب القوات الإثيوبية في الحرب السابقة ضد جبهة تيغراي، قبل أن تتدهور العلاقات بين الطرفين مجددًا.
ويزيد الخلاف الحالي من تعقيد الوضع العسكري؛ إذ لم تعد الحكومة الإثيوبية تواجه تحديات داخلية فحسب، بل باتت علاقاتها مع جارتها الشمالية في أدنى مستوياتها الدبلوماسية. وقد حذرت تقارير من أن ارتباط أطراف الصراع بتحالفات إقليمية متنافسة قد يوسع دائرة المواجهة خارج الحدود الإثيوبية.
وتتهم أديس أبابا إريتريا بدعم قوى معارضة لها، فيما تنفي أسمرة الاتهامات. ولا تتوافر أدلة مستقلة كافية تسمح باعتبار هذه الاتهامات حقائق محسومة، لكن تبادل الاتهامات والقطيعة الدبلوماسية يزيدان من مخاطر سوء التقدير والتصعيد.
مصر تدخل دائرة التوتر الدبلوماسي
لم تتوقف الإجراءات الإثيوبية عند إريتريا؛ ففي الأول من أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت وزارة الخارجية الإثيوبية اعتبار الدبلوماسي المصري أحمد محرم أحمد سليمان شخصًا غير مرغوب فيه، وأمهلته 48 ساعة لمغادرة البلاد، وفق مذكرة رسمية أُرسلت إلى السفارة المصرية في أديس أبابا.
ولم توضح المذكرة أسباب القرار بصورة تفصيلية. وجاءت الخطوة وسط اتهامات إثيوبية لمصر وإريتريا والسودان بدعم تحالف معارض تقوده الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وهي اتهامات نفتها الدول المعنية.
وردّت القاهرة بالمثل، وأعلنت اعتبار مستشار في السفارة الإثيوبية لديها شخصًا غير مرغوب فيه، مع مطالبته بمغادرة البلاد خلال 48 ساعة، وفق تقارير إعلامية نقلت عن مسؤولين مصريين.
وتتجاوز خلفية التوتر بين القاهرة وأديس أبابا هذه الإجراءات الدبلوماسية، إذ لا يزال سد النهضة الإثيوبي أحد أبرز ملفات الخلاف بين البلدين. وتتمسك إثيوبيا بحقها في استغلال موارد النيل لتوليد الكهرباء والتنمية، بينما تطالب مصر بترتيبات تضمن حماية مصالحها المائية وعدم تعرضها لأضرار نتيجة تشغيل السد وإدارته.
ومع ذلك، لا يوجد ما يكفي لإثبات أن قرار طرد الدبلوماسي المصري اتُّخذ بسبب سد النهضة تحديدًا، إذ لم تكشف المذكرة الإثيوبية عن مبررات تفصيلية للقرار. ويظل الربط بين الأزمة الدبلوماسية والخلافات الإقليمية الأوسع تفسيرًا للسياق، وليس دليلًا قاطعًا على دوافع القرار.
القرن الإفريقي أمام معادلة أمنية أكثر تعقيدًا
تتقاطع هذه التطورات مع تنافس إقليمي أوسع على النفوذ والأمن والوصول إلى البحر الأحمر. فإثيوبيا دولة غير ساحلية منذ استقلال إريتريا عام 1993، وقد شددت قيادتها في السنوات الأخيرة على أهمية تأمين منفذ بحري، وهو ما أثار مخاوف في أسمرة من أن تتحول المطالب الإثيوبية إلى مصدر تهديد لسيادتها.
وفي الوقت نفسه، تشهد المنطقة أزمات متداخلة، من الحرب في السودان إلى النزاعات الداخلية الإثيوبية والتنافس بين الدول على الموانئ والممرات التجارية. ويجعل هذا التشابك أي مواجهة جديدة بين إثيوبيا وإريتريا قابلة للتأثير في حسابات دول أخرى، خصوصًا إذا ترافقت مع دعم عسكري أو سياسي لأطراف الصراع.
لكن اتساع التوتر لا يعني أن اندلاع حرب إقليمية أصبح أمرًا حتميًا؛ إذ سيعتمد المسار المقبل على تطورات الميدان، ومواقف الحكومات المعنية، ومدى استمرار الاتصالات الدبلوماسية والجهود الرامية إلى منع المواجهة.
ما الذي تعنيه السيطرة المعلنة على مطار ميكيلي؟
إذا تأكد إعلان قوات سلام تيغراي، فسيكون المطار نقطة تحول محتملة في المعركة على ميكيلي، لكنه لن يحسم وحده مصير الإقليم أو الحرب. فالمشهد يتوقف أيضًا على قدرة القوات المتحالفة مع الحكومة على تثبيت وجودها داخل المدينة، وموقف الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، واستمرار الاشتباكات في المناطق المحيطة.
أما سياسيًا، فإن تزامن التطور العسكري مع القطيعة الإثيوبية الإريترية والتوتر مع مصر يكشف عن أزمة متعددة المسارات، تتداخل فيها الحرب الداخلية مع العلاقات الخارجية والخلافات الاستراتيجية.
وتبقى المخاطر الأكبر مرتبطة باحتمال امتداد القتال، وتزايد معاناة المدنيين، وانهيار ما تبقى من فرص التسوية. وفي ظل هذه الظروف، سيكون احتواء الأزمة عبر الحوار والوساطة الإقليمية عاملًا أساسيًا لمنع تحول تجدد الحرب في تيغراي إلى صراع أوسع يهدد استقرار القرن الإفريقي.