إثيوبيا وإريتريا على شفا حرب

 في عام 1870، بدأ الإيطاليون في النزول إلى سواحل إريتريا. في حين دعمت الحكومة البريطانية الاستيطان الإيطالي في إريتريا بهدف منع الفرنسيين من التوسع على سواحل البحر الأحمر، وذلك بعد انسحاب المصريين من تلك السواحل عقب ثورة المهدي في السودان.
وفي عام 1890، أعلنت الحكومة الإيطالية رسميًا استعمارها لإريتريا، وأطلقت عليها اسم “البحر الأحمر” وهو اسم ذو أصل يوناني، وجعلت مدينة مصوع عاصمة لها، قبل أن تُنقل العاصمة إلى أسمرا عام 1897.
وقد اعترف ملك إثيوبيا منليك الثاني بالاحتلال الإيطالي لإريتريا.

شنّ الإيطاليون هجومًا على إقليم تيغراي في إثيوبيا، إلا أنهم انهزموا في معركة عدوة عام 1896. بعدها، أجبرت إثيوبيا إيطاليا على الاعتراف باستقلالها، مقابل تخلي إثيوبيا عن أي مطالبة بإقليم إريتريا الذي احتلوه.
وفي عام 1932، تبنى الزعيم الإيطالي موسوليني سياسة توسعية، وأرسل قوات جديدة إلى القرن الإفريقي لاحتلال إثيوبيا.
وفي عام 1936، سيطر الإيطاليون على صومالي لاند، الصومال، إريتريا، وإثيوبيا، وأعلنوا قيام الإمبراطورية الإيطالية في شرق إفريقيا.

وفي عام 1941، هزمت القوات البريطانية القوات الإيطالية، مما مهد الطريق لانقسام الشعب الإريتري إلى ثلاث فئات: دعاة الاستقلال، ودعاة الوحدة مع إثيوبيا، ومؤيدو الاتحاد الفدرالي معها.
قاد حركة الاستقلال الإريتري إبراهيم سلطان، بينما اقترحت بريطانيا تقسيم إريتريا بين إثيوبيا والسودان على أساس ديني. أما الدول العربية فدعت إلى استقلال فوري لإريتريا، فيما اقترح الاتحاد السوفييتي إعادة إريتريا إلى الإدارة الإيطالية. أما ملك إثيوبيا فطالب بضم إريتريا إلى إثيوبيا دون قيد أو شرط.

وفي عام 1950، أقرت الأمم المتحدة قرارًا ينص على أن تكون إريتريا دولة فدرالية ضمن إثيوبيا، على أن تتمتع بحكم ذاتي في شؤونها الإدارية والقضائية، وأن يكون لها علمها الخاص، ولغتاها الرسميتان التيغرينية والعربية.
وطلب القرار من بريطانيا تنظيم انتخابات برلمانية في إريتريا ثم الانسحاب منها بحلول سبتمبر 1952.

بعد ذلك، ألغى الإمبراطور هيلا سيلاسي علم إريتريا، وبدأ بنشر اللغة الأمهرية في مناطقها، كما استولى على مواردها الاقتصادية، ما أدى إلى اندلاع حركة احتجاجية قادها المثقفون الإريتريون.

 

تصميم خاص - خريطة إثيوبيا وارتريا

 

قاد هذه الحركة محمد نود المقيم في السودان، وأسّس المثقفون حركة تحرير إريتريا (ELM) عام 1957.
وفي القاهرة، أُعلن عن تأسيس جبهة تحرير إريتريا (ELF) عام 1960 بقيادة إدريس محمد آدم، كما بدأ حميد إدريس الكفاح المسلح في جبال إريتريا، حيث أُطلقت أول رصاصة في حرب التحرير الإريترية التي استمرت ثلاثين عامًا.

وفي نوفمبر 1962، حلت القوات الإثيوبية البرلمان الإريتري، وأعلنت إريتريا الإقليم الرابع عشر في الدولة الإثيوبية.
وبعد عامين، توفي حميد إدريس، فانضم مقاتلوه إلى جبهة ELF التي تلقت دعمًا محدودًا من السودان وسوريا والعراق عام 1963.
وكان معظم المقاتلين الإريتريين من المسلمين، مما أثار قلقًا شديدًا في الولايات المتحدة وكيان “إسرائيل”.

وفي عام 1971، انشق جناح عن جبهة ELF وأسس ما سُمي بـ”التيار التصحيحي” بقيادة أبرهام تيوولدي وأسياس أفورقي.
وفي عام 1973، أصبح اسم الحركة الجديد الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا  (EPLF)، وتولى رمضان محمد نور منصب الأمين العام، وأسياس أفورقي قائدًا عسكريًا.
وفي عام 1975، سيطرت الجبهتان ELF وEPLF  على نحو 95% من الأراضي الإريترية، ثم عُقد مؤتمر عام 1977 انتُخب فيه رمضان محمد نور أمينًا عامًا وأسياس أفورقي نائبًا له.

ومع تصاعد قوة الجبهات، تلقت الحكومة الإثيوبية دعمًا عسكريًا واسعًا من الاتحاد السوفييتي، مما مكنها من سحق مواقع المقاتلين، فاضطرت الجبهات إلى اتباع حرب العصابات.
لكن سرعان ما اندلعت معارك بين الجبهتين ELF وEPLF، وانتهى الأمر بالقضاء على الأولى عام 1981، لتبقى EPLF وحدها في الميدان.

وفي عام 1982، شنّت إثيوبيا هجومًا ضخمًا على الجبهة بمشاركة أكثر من 100 ألف جندي، ونقل الزعيم الإثيوبي مكتبه الرئاسي إلى أسمرا للإشراف المباشر على المعركة.

وفي مارس 1987، أصبح أسياس أفورقي الأمين العام للجبهة. وسرعان ما عقدت الجبهة تحالفًا مع جبهة تحرير تيغراي (TPLF)  وجبهة تحرير أورومو  (OLF)، وقدمت دعمًا عسكريًا كبيرًا لـTPLF  في حربها ضد قوات الحكومة الإثيوبية.

وفي 21 مايو 1991، أُطيح بالزعيم الإثيوبي من أديس أبابا، وبعد ثلاثة أيام، سيطرت قوات EPLF على أسمرا، لينتهي بذلك صراع الثلاثين عامًا بين إريتريا وإثيوبيا.
وفي 20 يونيو 1991، أعلن أسياس أفورقي قيام حكومة انتقالية لإدارة البلاد حتى إجراء استفتاء عام، وهو ما رحبت به جبهة TPLF  التي سيطرت على أديس أبابا.
وفي 23 أبريل 1993، أُجري الاستفتاء، فصوّت نحو 99.8% من الشعب الإريتري لصالح الاستقلال، وأُعلنت إريتريا دولة مستقلة رسميًا في 24 مايو 1993، ثم انضمت إلى الأمم المتحدة بعد أربعة أيام كالدولة رقم 182.

بعد انفصال إريتريا، أصبحت إثيوبيا دولة بلا منفذ بحري، مما سبّب أزمات اقتصادية وسياسية حادة.
وتصاعدت الخلافات حول استخدام الموانئ الإريترية، والضرائب، وتبديل العملات، إلى أن اندلعت حرب حدودية بين ميليس زيناوي وأسياس أفورقي.
وقد أشعلها نزاع على مدينة بادمي الحدودية.

وخلفت حرب 1998 أكثر من 100  ألف قتيل من الجانبين، ورفض ميليس زيناوي قرارات التحكيم الدولية، مما أطال أمد النزاع.

وخلال السنوات التالية، خاضت إريتريا مواجهات حدودية مع السودان واليمن وجيبوتي، كما فرض الغرب عليها عزلة سياسية واقتصادية بدعوى انتهاجها سياسة “عدوانية”.
في المقابل، أقامت إريتريا علاقات وثيقة مع الصين وروسيا وكوريا الشمالية، التي قدمت لها دعمًا اقتصاديًا وعسكريًا طويل الأمد.

وفي عام 2018، وبعد سقوط جبهة EPRDF/TPLF  في إثيوبيا وتعيين آبي أحمد رئيسًا للوزراء، شهدت العلاقات بين البلدين تحولًا كبيرًا، إذ أعلنت إثيوبيا استعدادها لتسليم منطقة بادمي إلى إريتريا، واستؤنفت العلاقات السياسية بين أديس أبابا وأسمرا.
وتبادل الزعيمان الزيارات وأعلنا نهاية الحرب، واعتبرا أن عدوهما المشترك هو جبهة تيغراي (TPLF).

وفي نوفمبر 2020، شنت القوات الإثيوبية هجومًا واسعًا على إقليم تيغراي، شاركت فيه وحدات من الجيش الإريتري وطائرات حربية تابعة للإمارات، إلى جانب ميليشيات أمهرا الثأرية.

وانتهت المرحلة الأولى من الحرب بسحق  TPLF، لكنها خلّفت أكثر من 500  ألف قتيل وملايين النازحين.

وبعد حرب استمرت عامين، جرى اتفاق سلام بين آبي أحمد و TPLF  في جنوب إفريقيا، غير أن أسياس أفورقي لم يكن طرفًا فيه رغم مشاركة قواته في الحرب، ما أدى إلى توتر جديد بينه وبين آبي.
ومنذ ذلك الحين، بدأت أسمرا بالتقارب مع TPLF  ودعم جبهتي فانو (الأمهرية) وجيش تحرير أورومو (الأورومي) وكلاهما يخوض معارك عنيفة داخل إثيوبيا.
من جهتها، بدأت أديس أبابا بالمطالبة بأجزاء من الأراضي الإريترية، خصوصًا مدينة عصب الساحلية، معلنة نيتها استعادتها.

 

كومبو لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد والرئيس الارتري أسياس أفورقي

 

وخلال الأشهر الأخيرة، حشد الطرفان قوات ضخمة على الحدود المشتركة، وسط تهديدات إعلامية وتحالفات إقليمية ودولية متشابكة.
وأكدت إريتريا أن أي هجوم إثيوبي على أراضيها سيواجه بـ”هزيمة تاريخية”.
وتشير وسائل الإعلام الدولية إلى بوادر حرب وشيكة بين النظامين في أديس أبابا وأسمرا، مع مخاوف من أن يؤدي انفجار النزاع إلى تدخل أطراف خارجية، وتحوله إلى صراع إقليمي أو دولي يؤثر بشدة على البحر الأحمر ونهر النيل ومضيق باب المندب.

 

بقلم نغيي خليف – أكتوبر 2025