الحوثيون يعيدون رسم معادلة البحر الأحمر.. باب المندب يتحول إلى ورقة ضغط على أفريقيا والعالم

لم تعد هجمات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر مجرد امتداد للصراع اليمني، بل تحولت إلى عامل يعيد تشكيل البيئة الأمنية والاقتصادية في أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ومع تجدد الهجمات منذ يوليو/تموز 2026، برزت المخاوف من أن يتحول النفوذ الحوثي على الساحل اليمني إلى قدرة مستدامة على الضغط على حركة السفن عبر باب المندب، بما يطال مصالح دول أفريقيا والشرق الأوسط والاقتصاد العالمي.

ويحذر مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية من أن احتمال تمكن الحوثيين من إحكام السيطرة على نقاط استراتيجية حول باب المندب يرفع الكلفة الاقتصادية للملاحة، ويغير بصورة جوهرية طبيعة التحديات الأمنية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

 

Map of Eastern Africa and the Arabian Peninsula, showing locations of maritime attacks and hijackings in the Red Sea, the Gulf of Aden, and the western Indian Ocean in 2026. Also indicates ports, the Saudi Arabian East-West Oil Pipeline, Houthi-controlled land and AQAP presence in Yemen, and Al Shabaab-controlled land in Somalia.

خريطة لشرق أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، توضح مواقع الهجمات البحرية وعمليات الاختطاف في البحر الأحمر وخليج عدن وغرب المحيط الهندي خلال عام 2026. كما توضح الخريطة الموانئ، وخط أنابيب النفط السعودي (شرق-غرب)، والمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، ومواقع وجود تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية في اليمن، والمناطق الخاضعة لسيطرة حركة الشباب المجاهدين في الصومال.

 

الحوثيون وباب المندب.. من الهجمات إلى النفوذ الجغرافي

تتمثل أهمية التطور الأخير في أن الحوثيين لا يعتمدون فقط على إطلاق الهجمات من داخل اليمن، بل باتوا يمتلكون، وفق التقرير، نفوذًا جغرافيًا يعزز قدرتهم على التأثير في باب المندب.

ويشير مركز أفريقيا إلى سيطرة الحوثيين على مدينة المخا وجزيرة بريم، المعروفة أيضًا باسم جزيرة ميون، ومناطق استراتيجية أخرى، الأمر الذي عزز قدرتهم على الضغط على المضيق الذي لا يتجاوز عرضه نحو 32 كيلومترًا في أوسع نطاق مشار إليه في التقرير.

ويربط باب المندب البحر الأحمر بالمحيط الهندي عبر خليج عدن، ما يجعله حلقة أساسية في الطريق البحري بين أوروبا وآسيا.

وتزداد أهمية المضيق بالنظر إلى موقعه بين الساحل اليمني من جهة، وسواحل جيبوتي وإريتريا من جهة أخرى؛ أي أنه يقع مباشرة أمام منطقة القرن الأفريقي التي تعاني أصلًا من تحديات أمنية متعددة.

وبالنسبة للحوثيين، فإن هذه الجغرافيا تمنحهم ورقة ضغط تتجاوز حدود اليمن، لأن أي اضطراب مستمر في حركة السفن يمكن أن يفرض تكاليف على شركات النقل والأسواق العالمية ويجبر السفن على تغيير مساراتها.

 

 

 

 

12 هجومًا على السفن منذ يوليو

يقول مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية إن الحوثيين نفذوا أو حاولوا تنفيذ 12 هجومًا على سفن تجارية في جنوب البحر الأحمر منذ يوليو/تموز 2026.

وشملت الهجمات استهداف ناقلات نفط سعودية بالصواريخ الباليستية، بينها الناقلة Amzan في 24 أغسطس/آب، بينما استُهدفت الناقلة Ghazal في 28 يوليو/تموز دون إصابتها.

وفي 22 يوليو/تموز، استُهدفت السفينتان Encelia وLayla باستخدام مزيج من الطائرات المسيّرة والصواريخ المجنحة والباليستية.

كما أطلق الحوثيون صاروخين باليستيين على سفينة الشحن المصرية Tihamah في باب المندب يوم 11 أغسطس/آب، ما أدى، وفق التقرير، إلى مقتل أربعة بحارة.

ولم تتوقف الهجمات عند السفن التجارية؛ إذ أعقب ذلك استهداف زورق تابع لخفر السواحل اليمني، ما أدى إلى مقتل اثنين من عناصر الإنقاذ.

وتشير هذه التطورات إلى عودة الهجمات الحوثية على الملاحة بعد توقف استمر قرابة نصف عام.

 

 

أكثر من 530 هجومًا خلال عامين

لم تبدأ علاقة الحوثيين بأمن الملاحة البحرية في 2026.

فقد بدأ الحوثيون استهداف السفن العابرة للبحر الأحمر في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، عقب اندلاع الحرب بين إسرائيل وحماس.

وخلال العامين التاليين، نفذ الحوثيون ما يقدره مركز أفريقيا بنحو 530 هجومًا على الملاحة البحرية، بمعدل يقارب هجومين باستخدام الطائرات المسيّرة مقابل هجوم واحد بالصواريخ.

وهكذا تحولت الهجمات البحرية إلى أحد أبرز عناصر القوة التي يمتلكها الحوثيون في معادلة الصراع الإقليمي.

فبدل أن تظل المواجهة محصورة داخل الأراضي اليمنية، أصبح بإمكان الجماعة التأثير في خطوط التجارة التي تربط آسيا بأوروبا، وإجبار القوى الإقليمية والدولية على التعامل معها باعتبارها طرفًا قادرًا على التأثير في ممر دولي حيوي.

 


سفينة غارقة في ميناء المخا غداة هجوم شنه الحوثيون في أغسطس 2026. 

 

لماذا باب المندب مهم إلى هذه الدرجة؟

يمثل البحر الأحمر أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

وبحسب مركز أفريقيا، كان الممر البحري للبحر الأحمر يستوعب تاريخيًا نحو 30% من حركة الحاويات العالمية، و15% من عمليات نقل النفط والشحن، ونحو 12% من التجارة العالمية السنوية، بقيمة تقارب تريليون دولار.

كما كان الممر يدير تاريخيًا نحو 95% من حركة الملاحة البحرية بين أوروبا وآسيا.

وهذا يعني أن تهديد الحوثيين للملاحة لا يقتصر على الدول المحيطة بالبحر الأحمر.

أي اضطراب طويل الأمد في باب المندب يمكن أن يرفع تكاليف النقل والتأمين، ويؤدي إلى إعادة توجيه السفن إلى طرق أطول، ويزيد الضغط على سلاسل الإمداد العالمية.

وتزداد حساسية الوضع لأن الأزمة في البحر الأحمر تأتي بالتزامن مع اضطرابات مرتبطة بمضيق هرمز، ما يضاعف الضغوط على طرق نقل الطاقة والتجارة الدولية.

 

 

الحوثيون والسعودية.. الضغط على طريق النفط البديل

من أبرز التطورات التي يسلط عليها التقرير الضوء استهداف الحوثيين خط أنابيب النفط السعودي الرئيسي الممتد من الشرق إلى الغرب في سبتمبر/أيلول 2026.

ويأتي ذلك في وقت أصبحت فيه السعودية أكثر اعتمادًا على نقل النفط عبر البحر الأحمر بعد القيود التي فرضتها أزمة مضيق هرمز.

فقد رفعت الرياض شحناتها النفطية عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر من نحو مليون برميل يوميًا إلى 4.9 ملايين برميل يوميًا.

وبالتالي، فإن قدرة الحوثيين على تهديد الملاحة عبر باب المندب لا تعني فقط التأثير في السفن التجارية، بل يمكن أن تضغط أيضًا على أحد المسارات التي تستخدمها السعودية لإيصال النفط إلى الأسواق العالمية.

وهنا تتضح القيمة الاستراتيجية لباب المندب بالنسبة للحوثيين: فالمضيق يقع عند نقطة يمكن من خلالها التأثير في أحد أهم البدائل البحرية أمام دول الخليج عندما تتعرض طرقها التقليدية للاضطراب.

 

ترسو سفينة تجارية قبالة الساحل اليمني عند مضيق باب المندب، المضيق الـذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن.  

 

الأخطر لأفريقيا: تزامن هجمات الحوثيين مع عودة القرصنة

ولا يقتصر القلق على الصواريخ والطائرات المسيّرة.

فعودة هجمات الحوثيين تزامنت مع ارتفاع واضح في أعمال القرصنة بخليج عدن.

ومنذ أبريل/نيسان 2026، سجلت المنطقة ما لا يقل عن 23 هجوم قرصنة، بعدما كانت ظاهرة القرصنة قد تراجعت بدرجة كبيرة بين يونيو/حزيران 2024 وأبريل/نيسان 2026، باستثناء ارتفاع قصير في نوفمبر/تشرين الثاني 2025.

ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة بالنسبة للصومال.

فمجموعات القرصنة تمتلك مصادر تمويل كبيرة، ويقدر التقرير إيراداتها السنوية بنحو 200 مليون دولار، ما يمنحها قدرة إضافية على توسيع نشاطها والتأثير في البيئة الأمنية البحرية.

كما أثارت بعض حوادث القرصنة القريبة من الساحل اليمني تكهنات بشأن وجود صلة بالحوثيين.

ويشير المركز إلى أن مجموعات القرصنة بدأت تستخدم أجهزة متطورة لتحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية، قال إنها مورّدة من الحوثيين، ما يساعدها على تعقب السفن التجارية.

وبالتالي، فإن التطور الأخطر ليس فقط أن الحوثيين يهددون السفن مباشرة، بل احتمال أن تؤدي قدراتهم وتقنياتهم إلى رفع مستوى قدرات جهات مسلحة أخرى على الجانب الأفريقي من البحر الأحمر.

 

 

بحارة يمنيون يقومون بدورية في البحر الأحمر.  

 

من الصراع اليمني إلى تهديد عابر للحدود

تكمن خطورة التطور، وفق التقرير، في أن الحوثيين لم يعودوا مجرد طرف في الحرب اليمنية.

فقد أصبح نشاطهم البحري قادرًا على التأثير في:

  • حركة التجارة بين أوروبا وآسيا.
  • صادرات النفط من الخليج.
  • أمن البحر الأحمر.
  • أمن خليج عدن.
  • القرصنة قبالة السواحل الصومالية.
  • أمن الموانئ في القرن الأفريقي.
  • الاستراتيجيات البحرية للسعودية والدول الأفريقية.

وهذا يجعل القوة التي اكتسبها الحوثيون في البحر أداة نفوذ إقليمي، وليس مجرد وسيلة عسكرية مرتبطة بالساحة اليمنية.

ارتفاع حركة السفن قبل عودة الهجمات

المفارقة أن أزمة مضيق هرمز دفعت بعض حركة الملاحة إلى الاتجاه نحو باب المندب.

فبين يناير/كانون الثاني ويوليو/تموز 2026، ارتفع حجم العبور الأسبوعي عبر المضيق من نحو 1.1 مليون طن متري إلى 1.5 مليون طن، بينما ارتفع عدد عمليات عبور السفن من نحو 32 إلى 38 سفينة أسبوعيًا.

لكن تجدد الهجمات الحوثية أعاد المخاطر إلى الواجهة، ما يعني أن المسار الذي كان يُنظر إليه باعتباره بديلًا عن طرق بحرية أخرى قد يتحول هو نفسه إلى نقطة اختناق استراتيجية.

تحالف بحري لمواجهة تهديد الحوثيين

في مواجهة هذا الوضع، أطلقت السعودية في أغسطس/آب 2026 التحالف متعدد الجنسيات للأمن البحري.

ويضم التحالف 15 دولة، بينها ست دول أفريقية هي: مصر، والصومال، وجيبوتي، والسودان، وجزر القمر، ونيجيريا.

ويهدف التحالف، بحسب التقرير، إلى حماية حرية الملاحة في باب المندب من خلال تبادل المعلومات الاستخبارية وتنسيق عمليات الدفاع البحري.

ويكشف تشكيل التحالف عن حجم التحول في النظرة إلى تهديد الحوثيين؛ فالمواجهة لم تعد قضية تخص اليمن أو السعودية وحدهما، وإنما أصبحت قضية أمن بحري تشارك فيها دول من جانبي البحر الأحمر وخارجه.

مصر وجيبوتي والصومال في قلب المعادلة

تكتسب مشاركة الدول الأفريقية أهمية خاصة بسبب موقعها الجغرافي.

فمصر ترتبط مباشرة بأمن قناة السويس والبحر الأحمر.

وجيبوتي تقع عند المدخل الأفريقي لباب المندب وتستضيف موانئ وقواعد عسكرية دولية.

والصومال يمتلك ساحلًا طويلًا على خليج عدن والمحيط الهندي، ما يجعله طرفًا أساسيًا في أي استراتيجية لمواجهة التهديدات البحرية.

أما السودان، فيمتلك موقعًا استراتيجيًا على البحر الأحمر، رغم أن الحرب الداخلية تجعل قدرته على أداء دور أمني مستقر أكثر تعقيدًا.

إثيوبيا.. دولة بلا ساحل أمام أزمة باب المندب

ولا تتوقف التداعيات عند الدول الساحلية.

فإثيوبيا تعتمد بدرجة كبيرة على جيبوتي للوصول إلى البحر.

ولهذا فإن إغلاق باب المندب أو تقييد حركة الملاحة فيه يمكن أن يرفع مستوى تعرض الاقتصاد الإثيوبي للمخاطر.

ويشير مركز أفريقيا إلى أن هذه الضغوط قد تدفع أديس أبابا إلى تسريع محاولاتها لتنويع خياراتها البحرية عبر أرض الصومال وإريتريا.

لكن هذه الخطوة يمكن أن تحمل وجهين: فقد تدفع نحو تعاون إقليمي أوسع، أو تزيد في الوقت نفسه من التنافس بين القوى الإقليمية والكتل السياسية المتنافسة في منطقة القرن الأفريقي.

الحوثيون يغيرون طبيعة الأمن البحري في المنطقة

طوال السنوات الماضية، ركز التعاون البحري الأفريقي في جزء كبير منه على القرصنة والصيد غير القانوني والتهريب.

لكن التهديد الحوثي يفرض نوعًا مختلفًا من التحديات.

فالقرصنة التقليدية تختلف عن جماعة مسلحة تمتلك قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة وقادرة على تهديد سفن تجارية من مسافات بعيدة.

وهذا يعني أن الدول الأفريقية لا تواجه مشكلة قرصنة فقط، بل بيئة أمنية بحرية أكثر تعقيدًا تجمع بين الهجمات الصاروخية، والطائرات المسيّرة، والتهريب، والقرصنة، وشبكات الجماعات المسلحة.

ولهذا يرى مركز أفريقيا أن البنية الأمنية الإقليمية الموجودة تحتاج إلى تطوير لتواكب طبيعة التهديد الجديد.

الخطر الأكبر: أن يصبح باب المندب مصدرًا دائمًا للابتزاز

السيناريو الذي يثير أكبر قدر من القلق في التقرير هو أن يتحول باب المندب إلى منطقة تستطيع جماعة مسلحة من خلالها فرض تكلفة مستمرة على الملاحة الدولية.

فكلما زادت قدرة الحوثيين على تهديد السفن، زادت قيمة موقعهم الجغرافي كورقة تفاوض وضغط.

ومع تزامن ذلك مع أزمة مضيق هرمز، يصبح الاقتصاد العالمي أمام احتمال وجود أكثر من نقطة اختناق بحرية معرضة للاضطراب في الوقت نفسه.

وبالنسبة لأفريقيا، فإن المشكلة أكثر مباشرة؛ لأنها تقع على الجانب الآخر من باب المندب، وتضم دولًا تعتمد على التجارة البحرية، ودولًا تعاني أصلًا من هشاشة أمنية، وشبكات مسلحة يمكن أن تستفيد من انتقال التكنولوجيا والخبرات عبر خليج عدن.

البحر الأحمر يدخل مرحلة جديدة

يخلص تقرير مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية إلى أن عودة هجمات الحوثيين لا تمثل مجرد جولة أخرى من الهجمات البحرية، بل تطورًا يمكن أن تكون له آثار طويلة المدى على أمن المنطقة والاقتصاد العالمي.

فالحوثيون يمتلكون موقعًا جغرافيًا عند أحد أهم المضائق البحرية، وأظهروا خلال السنوات الماضية قدرة على تهديد الملاحة باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة.

ومع تجدد الهجمات في 2026، وارتفاع نشاط القرصنة في خليج عدن، تصبح المخاوف أكثر ارتباطًا بالقرن الأفريقي نفسه.

وبذلك، فإن المعادلة الجديدة التي يبرزها التقرير تتمحور حول الحوثيين وقدرتهم على استثمار الجغرافيا: من الساحل اليمني إلى باب المندب، ومن البحر الأحمر إلى خليج عدن، ومن التهديد المباشر للسفن إلى احتمال انتقال القدرات والتقنيات إلى جماعات مسلحة في أفريقيا.

وفي هذه المعادلة، لم يعد باب المندب مجرد ممر بحري؛ بل أصبح نقطة تتقاطع فيها الحرب اليمنية، والتنافس الإقليمي، وأمن الطاقة، والتجارة العالمية، والقرصنة، ومستقبل الأمن في الصومال والقرن الأفريقي.