اليمن أمام تصعيد جديد.. الحوثيون يتقدمون على الساحل والقوات الحكومية المدعومة من السعودية تفتح جبهات مضادة
دخل الصراع اليمني خلال سبتمبر/أيلول 2026 مرحلة تصعيد هي الأشد منذ هدنة 2022، مع عودة المعارك الواسعة بين جماعة الحوثيين والقوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والمدعومة من السعودية، بالتزامن مع توسع العمليات على الساحل الغربي وتصاعد الهجمات الحوثية باتجاه الأراضي السعودية.
وتقول الأمم المتحدة إن خطر العودة إلى حرب واسعة النطاق، الذي حذر منه المبعوث الأممي هانس غروندبرغ في أغسطس، تحول بالفعل إلى واقع، بعدما اشتدت المعارك على عدة جبهات، وفي مقدمتها الساحل الغربي.
الحوثيون يحققون اختراقًا على الساحل الغربي
كان التطور الأبرز خلال التصعيد الأخير هو الهجوم الحوثي على الساحل الغربي، والذي أدى إلى سيطرة الجماعة على مدينة المخا ومناطق وجزر استراتيجية في جنوب البحر الأحمر، بحسب الأمم المتحدة ومصادر دولية.
وتكتسب المخا أهمية خاصة بسبب موقعها القريب من باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تقع المدينة على بعد نحو 75 كيلومترًا من المضيق الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن.
وأكد المبعوث الأممي أن الحوثيين تمكنوا خلال الهجوم من السيطرة على المخا، بينما بقي الوضع الميداني متحركًا مع استمرار القتال. كما تحدثت تقارير دولية عن سيطرة الحوثيين على جزيرتي حنيش الكبرى والصغرى في البحر الأحمر.
ويعني هذا التقدم أن الحوثيين باتوا يتمتعون بوجود أوسع على الساحل الجنوبي للبحر الأحمر، في وقت تحاول فيه القوات الحكومية المدعومة من السعودية منع توسع الجماعة باتجاه مناطق أخرى على الساحل.
القوات الحكومية تفتح جبهات مضادة
في المقابل، لم يقتصر رد القوات الحكومية على الدفاع عن مواقعها على الساحل الغربي، بل اتسعت المواجهات إلى محافظات أخرى، خصوصًا تعز ولحج والجوف.
وفي تعز، أعلنت القوات الحكومية تنفيذ عمليات جوية وبرية ضد مواقع للحوثيين، بينما تركز القتال في غرب المحافظة وحول خطوط الإمداد والمرتفعات.
وبحسب مصادر عسكرية يمنية نقلتها الجزيرة، شهدت تعز ولحج خلال الأيام الأخيرة مواجهات وُصفت بأنها من الأعنف منذ بدء التصعيد على الساحل الغربي. كما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ ضربات ضد مواقع وآليات للحوثيين في منطقة الأعروق بمديرية حيفان جنوب تعز.
أما في الجوف، فقد استمرت الاشتباكات بين القوات الحكومية والحوثيين، مع ظهور مؤشرات على محاولة القوات الحكومية استعادة زمام المبادرة بعد الخسائر التي تعرضت لها على الساحل الغربي.
لكن المعطيات المتاحة حتى نهاية سبتمبر لا تشير إلى حسم استراتيجي لأي طرف في هذه الجبهات؛ إذ بقيت خطوط القتال متحركة، بينما استمرت الضربات والاستنزاف المتبادل.
السعودية تدخل المواجهة بصورة أكثر مباشرة
التصعيد لم يعد محصورًا داخل الأراضي اليمنية. فمنذ منتصف سبتمبر، تعرضت السعودية لهجمات بصواريخ وطائرات مسيرة أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن بعضها، بينما أعلنت الرياض اعتراض عدد من الصواريخ.
وفي 24 سبتمبر، قالت السعودية إنها اعترضت ستة صواريخ باليستية أُطلقت من اليمن، في حين تحدث الحوثيون عن هجمات استهدفت مواقع داخل السعودية.
وردت السعودية بغارات جوية على مواقع الحوثيين في اليمن، وشملت الضربات مناطق عدة وفق بيانات الحوثيين، بينما أعلنت مصادر سعودية ويمنية عن استهداف مواقع مرتبطة بالجماعة.
وفي 29 سبتمبر، أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن الغارات السعودية على محافظة صعدة كانت من بين أكثر الضربات كثافة خلال الأسابيع الأخيرة.
كما حذرت الوكالة الأوروبية لسلامة الطيران في 30 سبتمبر شركات الطيران من مخاطر التحليق في المجال الجوي السعودي، على خلفية التصعيد الأخير والهجمات المرتبطة بالحوثيين.
تعبئة حكومية واستعداد لمعركة أطول
التصعيد دفع الحكومة اليمنية إلى رفع مستوى التعبئة.
وفي 29 سبتمبر، دعا مجلس الدفاع الوطني اليمني المواطنين إلى الابتعاد عن مواقع وتجمعات الحوثيين، وحثهم على الإبلاغ عن التحركات العسكرية، معلنًا توجيهات مرتبطة بالتعبئة العامة.
وقال المجلس إن القوات الحكومية ستواصل عملياتها حتى إزالة مصادر التهديد، بينما أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي في 24 سبتمبر أن القوات الحكومية والتشكيلات العسكرية التابعة لها انتقلت، بحسب وصفه، من احتواء الهجمات إلى محاولة استعادة المبادرة.
وتكشف هذه التصريحات عن تحول في الخطاب الحكومي؛ فبعد سنوات من التركيز على تثبيت خطوط التماس، باتت الحكومة تتحدث بصورة أكثر وضوحًا عن استعادة الأراضي والمبادرة العسكرية.
باب المندب في قلب التصعيد
المعركة الحالية لا تتعلق فقط بالسيطرة على مدن يمنية، إذ أصبح البحر الأحمر وباب المندب جزءًا أساسيًا من الحسابات العسكرية والسياسية.
فالسيطرة الحوثية على المخا والجزر القريبة من باب المندب تمنح الجماعة موقعًا متقدمًا بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية العالمية. وقد حذر المبعوث الأممي من أن التصعيد يهدد كذلك حركة التجارة والسفن التجارية.
وكانت الأمم المتحدة قد طالبت الحوثيين بوقف الهجمات داخل اليمن والهجمات عبر الحدود على السعودية، إضافة إلى وقف الهجمات والتهديدات ضد السفن التجارية.
وتأتي هذه التطورات في وقت يتداخل فيه الصراع اليمني مع التوتر الإقليمي الأوسع، ما يجعل أي تصعيد على الساحل الغربي قابلًا للانعكاس على أمن الملاحة في البحر الأحمر.
السعودية تواجه ضغطًا متزايدًا
بالنسبة للسعودية، لا يتعلق الأمر فقط بدعم الحكومة اليمنية؛ فالتصعيد الحوثي بات يفرض تهديدات مباشرة على الأراضي والمنشآت السعودية.
وفي سبتمبر، تعرض خط أنابيب نفطي سعودي رئيسي لهجوم بطائرات مسيرة، وأعلنت السعودية لاحقًا إعادة تشغيله بعد توقفه، فيما جاءت الهجمات في سياق تصعيد إقليمي أوسع نسبت فيه هجمات مختلفة إلى جماعات مدعومة من إيران.
كما أفادت أسوشيتد برس بأن السعودية طلبت دعمًا من حلفائها لمواجهة الضغوط على دفاعاتها الجوية، في ظل تصاعد الهجمات الحوثية.
وفي تطور سياسي وعسكري آخر، أعلنت باكستان في نهاية سبتمبر استعدادها للدفاع عن السعودية في مواجهة التهديد الحوثي، في إطار اتفاق الدفاع المشترك الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في أغسطس، مع عدم تأكيد مشاركة باكستان في العمليات العسكرية داخل اليمن.
التصعيد يحدث أزمة نزوح جديدة
الخسائر العسكرية ليست التطور الوحيد. فقد أدت المعارك إلى موجة نزوح واسعة، خصوصًا في تعز ولحج والحديدة.
وقالت المنظمة الدولية للهجرة في 13 سبتمبر إن عدد النازحين جراء التصعيد بلغ أكثر من 85 ألف شخص، بينهم أكثر من 82 ألفًا نزحوا منذ بداية سبتمبر وحده، بينما فر أكثر من ألفي شخص إلى سواحل جيبوتي.
وبحسب الأمم المتحدة، كانت تعز الأكثر تضررًا، مع نزوح عشرات الآلاف من مناطق جبل حبشي والمعافر ومقبنة وموزع والوازعية، بينما شهدت لحج أيضًا موجة نزوح كبيرة.
وبحلول 23 سبتمبر، قالت منظمة الصحة العالمية إن عدد النازحين بسبب التصعيد تجاوز 122 ألف شخص، بينما أُبلغ عن 3672 حالة وفاة وإصابة خلال الفترة من 6 أغسطس إلى 18 سبتمبر. وسجلت لحج تصاعدًا كبيرًا في الإصابات خلال الأيام الأخيرة من تلك الفترة.
الأمم المتحدة تتحرك لمنع اتساع الحرب
في ظل التصعيد، يحاول المبعوث الأممي منع تحول المعارك الحالية إلى حرب شاملة جديدة.
والتقى غروندبرغ في مسقط بالمفاوض الحوثي محمد عبدالسلام، كما أجرى اتصالات مع مسؤولين سعوديين، في محاولة للبحث عن طرق لوقف التصعيد.
وقال المبعوث إن هدف التحرك هو معرفة ما إذا كان بالإمكان منع الوضع من التدهور أكثر، مؤكدًا ضرورة العودة إلى مسار سياسي تقوده الأطراف اليمنية.
لكن مهمة الوساطة أصبحت أكثر صعوبة بعد التغيرات الميدانية الكبيرة، خصوصًا على الساحل الغربي، وتصاعد الهجمات المتبادلة بين الحوثيين والسعودية.
اليمن أمام مرحلة جديدة
المشهد اليمني في نهاية سبتمبر 2026 لم يعد يشبه مرحلة الهدوء النسبي التي أعقبت هدنة 2022.
فالـحوثيون تمكنوا من تحقيق مكاسب مهمة على الساحل الغربي والوصول إلى مواقع وجزر قريبة من باب المندب، بينما تحاول القوات الحكومية المدعومة من السعودية فتح جبهات مضادة في تعز ولحج والجوف، بالتزامن مع تدخل جوي سعودي أكثر وضوحًا.
وفي الوقت نفسه، أصبحت السعودية نفسها طرفًا مباشرًا في موجة التصعيد بعد تعرض أراضيها لهجمات، بينما بات البحر الأحمر وباب المندب جزءًا رئيسيًا من الصراع.
ومع ذلك، لا تشير المعطيات الحالية إلى أن طرفًا حسم الحرب؛ فالقوات الحكومية لم تتمكن حتى الآن من استعادة المكاسب الحوثية على الساحل، والحوثيون يواجهون في المقابل ضربات جوية وضغطًا عسكريًا متزايدًا.
وبذلك يدخل اليمن مرحلة دقيقة: جبهات داخلية تتوسع، حدود سعودية تحت التهديد، ساحل غربي تغيرت فيه خريطة السيطرة، وباب المندب أصبح أكثر ارتباطًا بالصراع الإقليمي، بينما تتسابق الأمم المتحدة مع التصعيد لمنع تحول المعارك الجديدة إلى حرب أوسع.