اليمن على حافة تصعيد واسع.. الحوثيون يضيّقون الخناق على تعز والحكومة المدعومة من السعودية تعلن عملية عسكرية لاستعادة الأراضي

دخل الصراع في اليمن مرحلة جديدة من التصعيد العسكري، مع اتساع تحركات جماعة الحوثيين في محافظة تعز، وتقدمها نحو طرق الإمداد الرئيسية، بالتزامن مع إعلان الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، والمدعومة من السعودية، إطلاق عملية عسكرية واسعة لاستعادة المناطق الخاضعة للجماعة، في تطور يهدد بفتح جبهات قتال جديدة وإنهاء سنوات من الهدوء النسبي الذي أعقب هدنة عام 2022.

تعز في قلب المواجهات

شهدت محافظة تعز، جنوب غربي اليمن، تصعيدًا ميدانيًا خلال الأيام الأخيرة، مع تقدم الحوثيين في مناطق استراتيجية بمحيط المدينة. وفي 4 أكتوبر، أفادت مصادر أمنية وعسكرية وشهود عيان، نقلت عنهم وسائل إعلام، بأن الحوثيين سيطروا على منطقة الصافية ومركز الشرطة فيها، وتمكنوا من قطع الطريق الرئيسي الذي يربط تعز بمدينة عدن، مقر الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.

كما امتدت المواجهات إلى مناطق السمسرة والصافية، وسط اشتباكات على المحور الرابط بين تعز ومحافظتي لحج وعدن. وأشارت تقارير إلى أن الهجمات استهدفت مناطق في مديرية الشمايتين، بما فيها مواقع قريبة من طرق رئيسية، الأمر الذي زاد المخاوف من إحكام الحصار على المدينة.

ولا يعني هذا التطور سقوط مدينة تعز نفسها في يد الحوثيين؛ إذ لا تزال المدينة تحت سيطرة القوات الحكومية، بينما يسيطر الحوثيون على مناطق واسعة تحيط بها من الشمال والشرق والغرب. غير أن قطع طريق تعز–عدن، إذا استمر، قد يعزل المدينة عن أحد أهم مسارات الإمداد، ويزيد صعوبة وصول المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية إليها.

وتكتسب تعز أهمية استراتيجية بسبب موقعها الذي يربط المناطق الشمالية الخاضعة للحوثيين بالمناطق الجنوبية الواقعة تحت سيطرة الحكومة، فضلًا عن قربها من الساحل الغربي وممرات الحركة والإمداد. ولذلك، فإن أي تغيير في خطوط السيطرة حولها يمكن أن ينعكس على ميزان القوى في جنوب غربي البلاد.

من المخا إلى باب المندب.. اتساع المكاسب الحوثية

لا يقتصر التصعيد الحالي على جبهة تعز. ففي سبتمبر/أيلول الماضي، سيطر الحوثيون على مدينة المخا الساحلية، وفق تقارير لوكالة أسوشيتد برس ووسائل إعلام دولية، في تقدم مثّل تحولًا مهمًا في خريطة السيطرة على الساحل الغربي لليمن.

وترافقت هذه التطورات مع تقدم حوثي على امتداد الساحل المطل على البحر الأحمر، ووصول الجماعة إلى مواقع مرتبطة بمضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة الدولية ونقل الطاقة. وأفادت رويترز في 4 أكتوبر بأن الحوثيين سيطروا على أجزاء استراتيجية من المضيق ونحو 150 كيلومترًا من الساحل خلال هجومهم الأخير.

وتمنح هذه المكاسب الجماعة نفوذًا جغرافيًا أكبر، وتزيد قدرتها على التأثير في حركة الملاحة البحرية. كما تضع القوى المناهضة للحوثيين أمام تحدٍ يتجاوز استعادة المدن والمواقع العسكرية، ليشمل استعادة السيطرة على شريط ساحلي ذي أهمية إقليمية ودولية.

وتكشف التطورات كذلك عن تراجع ميداني للقوات المناهضة للحوثيين في بعض المواقع، في وقت تتعدد فيه التشكيلات المسلحة والجهات الداعمة لها، وتتباين أولويات القوى المحلية والإقليمية المنخرطة في الصراع.

الحكومة اليمنية تعلن عملية عسكرية واسعة

في مواجهة هذه التطورات، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، الأحد 4 أكتوبر، إطلاق عملية عسكرية واسعة تهدف إلى استعادة الأراضي الخاضعة للحوثيين.

وقال العليمي، في خطاب متلفز، إن القوات الحكومية ستواصل عملياتها حتى استعادة المناطق التي تسيطر عليها الجماعة، داعيًا الحوثيين إلى إلقاء السلاح. كما طالب حلفاء الحكومة الإقليميين والشركاء الدوليين بتقديم الدعم للقوات والمؤسسات اليمنية.

وجاء الإعلان بعد تراجع فرص احتواء التصعيد، وفق تصريحات العليمي، وبعد المكاسب الميدانية التي حققها الحوثيون خلال الأسابيع السابقة. وكانت تقارير قد أشارت إلى استعداد السعودية وحلفائها اليمنيين لشن عمليات ضد الجماعة، مع تولي القوات اليمنية العمليات البرية وتقديم الرياض دعمًا عسكريًا وجويًا.

وأفادت رويترز بأن الولايات المتحدة تقدم معلومات استخباراتية لدعم العمليات السعودية في اليمن، في حين توفر دول إقليمية وأوروبية مساعدات عسكرية ذات طابع دفاعي للمملكة.

لكن إعلان العملية لا يعني أن الحكومة استعادت المبادرة بالفعل؛ فالنتيجة ستتوقف على قدرتها على تنسيق القوات المختلفة، ومنع المزيد من التراجعات، وتأمين طرق الإمداد، فضلًا عن مدى استمرار الدعم الخارجي.

ضربات متبادلة وتوسّع دائرة المواجهة

بالتزامن مع الإعلان الحكومي، تحدثت تقارير عن غارات جوية استهدفت مواقع في صنعاء ومحافظة صعدة شمالي البلاد. وقالت القوات اليمنية المدعومة من السعودية إنها استهدفت مواقع وصفتها بالحيوية، بينما أفادت وسائل إعلام حوثية بوقوع ضربات قرب العاصمة.

وفي المقابل، أعلن الحوثيون إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة باتجاه منشآت تابعة لشركة أرامكو السعودية في الرياض ومنطقة خريص. وادعت الجماعة أن الهجمات تسببت في حرائق، وربطتها بما وصفته بغارات جوية وصاروخية استهدفت اليمن. ولم يكن هناك تأكيد سعودي فوري لتلك الادعاءات بشأن نتائج الهجمات.

ويشير تبادل الضربات إلى أن المواجهة لم تعد محصورة في خطوط القتال داخل اليمن، بل باتت تمتد إلى الأراضي السعودية والمنشآت المرتبطة بقطاع الطاقة. كما أن تزامن التصعيد مع التوترات الإقليمية الأوسع يزيد مخاطر اتساع نطاق المواجهة، ويجعل مستقبل العمليات اليمنية مرتبطًا جزئيًا بحسابات إقليمية تتجاوز حدود البلاد.

أزمة إنسانية تتفاقم

تأتي التطورات العسكرية في بلد يعاني أصلًا من أزمة إنسانية طويلة الأمد، فيما تهدد المعارك الجديدة بتعطيل طرق النقل والإمداد، ودفع مزيد من السكان إلى النزوح، وزيادة صعوبة وصول المساعدات إلى المناطق المتضررة.

وحذّر برنامج الأغذية العالمي من تفاقم انعدام الأمن الغذائي مع اتساع القتال، مشيرًا إلى أن نحو ثلاثة من كل أربعة أسر في بعض المناطق اليمنية تعاني الجوع أو لا تستطيع تلبية احتياجاتها الغذائية بصورة كافية. كما أدى تجدد المواجهات إلى نزوح عشرات الآلاف وتعطيل الإمدادات لملايين الأشخاص، وفق ما نقلته رويترز.

وتواجه تعز مخاطر إضافية بسبب موقعها الجغرافي واعتمادها على الطرق التي تربطها بالمناطق الأخرى. فاستمرار قطع الطرق الرئيسية قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف نقل السلع، ونقص الإمدادات، وزيادة الضغط على السكان والمرافق الصحية والخدمات الأساسية.

ماذا تعني التطورات لمستقبل اليمن؟

تكشف المكاسب الحوثية الأخيرة عن تحول مهم في مسار الحرب؛ إذ لم تعد المعركة تدور حول تثبيت خطوط السيطرة القائمة فحسب، بل باتت تشمل الساحل الغربي وممرات الملاحة وطرق الربط بين المدن الرئيسية.

وإذا تمكن الحوثيون من إحكام السيطرة على الطرق المحيطة بتعز، فقد تتعرض المدينة لعزلة أشد، بينما سيمنحهم استمرار التقدم الساحلي أوراق ضغط إضافية في مواجهة الحكومة والسعودية والمجتمع الدولي. وفي المقابل، قد يؤدي نجاح العملية الحكومية في وقف تقدمهم واستعادة المواقع الاستراتيجية إلى تغيير ميزان القوى، لكن ذلك لا يزال احتمالًا يتوقف على نتائج المعارك المقبلة.

كما يطرح التصعيد سؤالًا حول قدرة القوى المناهضة للحوثيين على تجاوز الانقسامات وتوحيد جهودها تحت قيادة أكثر تنسيقًا. فالدعم الخارجي وحده لا يضمن استعادة الأراضي ما لم يقترن بقدرة ميدانية متماسكة وإدارة فعالة للمناطق الخاضعة للحكومة.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو تعز والساحل الغربي وباب المندب أبرز ساحات الصراع في المرحلة المقبلة. وبينما تحاول الحكومة وقف التقدم الحوثي، تسعى الجماعة إلى تثبيت مكاسبها وتوسيع نفوذها الجغرافي. أما المدنيون، فيبقون الأكثر عرضة لتبعات التصعيد، مع تزايد مخاطر النزوح والجوع وتعطل الخدمات، في بلد لم يتعافَ بعد من سنوات الحرب.