انفجارات غامضة تهز مستودعات السلاح في سوريا.. تخريب أم خلل في التخزين؟
تتزايد التساؤلات في سوريا بشأن سلسلة انفجارات طالت مواقع ومستودعات عسكرية خلال الأسابيع الأخيرة، بعد انفجار جديد وقع فجر الاثنين 21 سبتمبر/أيلول في مستودع للذخيرة قرب بلدة العيس بريف حلب الجنوبي، في حادثة أعادت فتح ملف سلامة تخزين الذخائر ومخلفات الحرب، إلى جانب فرضيات التخريب أو الاستهداف الخارجي.
وأعلنت وزارة الدفاع السورية فتح تحقيق في أسباب الانفجار، مؤكدة أن الجهات المختصة تواصل التحقيق في سلسلة الحوادث التي شهدتها مواقع عسكرية خلال الأسابيع الماضية، وأنها ستتخذ الإجراءات اللازمة لحماية العسكريين والمدنيين ومنع تكرار مثل هذه الوقائع.
وبحسب الدفاع المدني السوري، أصيب أربعة أشخاص في الانفجارات التي وقعت في منطقة الهضبة غربي العيس، بينهم مدني أصيب بشظايا، فيما تعرض شخصان لضيق تنفس مؤقت، وأصيب رابع في حادث سير أثناء محاولته الابتعاد عن المنطقة. كما جرى إخلاء ثلاث عائلات من محيط الموقع وإغلاق الطرق المؤدية إليه.
سلسلة انفجارات خلال أسابيع
لا يأتي انفجار العيس بمعزل عن حوادث مشابهة شهدتها مناطق سورية أخرى خلال سبتمبر/أيلول.
ففي الأول من سبتمبر، أدى انفجار ذخائر أثناء نقلها من مركبة إلى مستودع في بلدة بنش بريف إدلب إلى مقتل خمسة أشخاص على الأقل. وبعد ثمانية أيام، وقع انفجار آخر في منشأة مؤقتة لتخزين الأسلحة والمواد المتفجرة قرب سرمدا في إدلب، وأسفر، وفق تقارير محلية، عن مقتل 14 شخصًا وإصابة 11 آخرين.
وفي 12 سبتمبر، وقع انفجار في مستودع للذخيرة بمنطقة الضمير في ريف دمشق، متسببًا بأضرار مادية دون تسجيل ضحايا، بحسب التقرير الذي نشرته The Cradle.
ثم السبت الماضي، انفجر مخزن للذخائر في موقع للجيش السوري بمنطقة عياش في محافظة دير الزور، ما أدى إلى مقتل 11 من العسكريين، وفق ما أوردته تقارير إعلامية.
وبذلك أصبحت سلسلة الحوادث المتقاربة زمنيًا موضع اهتمام متزايد، خصوصًا مع انتقالها بين إدلب وريف دمشق ودير الزور وحلب.
لماذا تتكرر الانفجارات؟
حتى الآن، لم تعلن وزارة الدفاع السورية نتيجة نهائية للتحقيق، ولذلك لا يمكن الجزم بسبب واحد لهذه الحوادث.
لكن العميد السوري محمد البقاعي طرح عدة احتمالات بشأن انفجار العيس، من بينها سوء التعامل مع الذخائر والمتفجرات المتبقية من المعارك السابقة، أو عمليات تخريب متعمدة، أو زرع متفجرات داخل المنشآت.
وقال البقاعي، وفق The Cradle، إنه شبه متأكد من أن انفجار العيس كان عملًا تخريبيًا متعمدًا، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى احتمال تعرض الموقع للاستهداف من طائرات مجهولة، بما في ذلك طائرات إسرائيلية.
خلفية تزيد الشكوك
تأتي هذه الانفجارات في مرحلة حساسة بالنسبة للمؤسسة العسكرية السورية، التي تعمل على إعادة تنظيم قواتها ومواقعها العسكرية بعد سنوات من الحرب، في وقت ما تزال فيه البلاد تحتوي على كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر ومخلفات القتال المنتشرة في مناطق مختلفة.
وفي هذا السياق، يمكن أن يشكل سوء التخزين أو التعامل مع ذخائر قديمة أحد التفسيرات الممكنة لبعض الحوادث، خصوصًا أن عددًا من الانفجارات وقع في منشآت مؤقتة أو أثناء عمليات نقل وتخزين.
لكن تزامن عدة انفجارات في مواقع عسكرية خلال فترة زمنية قصيرة فتح الباب أمام فرضيات أخرى. وقد أشار محللون إلى أن تكرار الحوادث يستدعي التحقيق في ما إذا كانت مرتبطة بخلل في إجراءات التخزين أم بعوامل أمنية متعمدة.
كيان إسرائيل في خلفية المشهد
يزيد من حساسية فرضية الاستهداف الإسرائيلي أن كيان إسرائيل نفذ خلال أغسطس/آب غارة على مطار أبو الظهور العسكري في إدلب، وقال آنذاك إن الموقع كان يُستخدم في إطار تعزيز الوجود العسكري التركي في سوريا. وأسفرت الضربة عن أضرار مادية في المدرج دون تسجيل قتلى، وفق التقارير التي أوردها المصدر.
لكن الربط بين تلك الضربة والانفجارات الأخيرة يحتاج إلى أدلة مستقلة، ولا توجد حتى الآن معلومات معلنة تثبت أن الاحتلال يقف وراء انفجار مستودع العيس.
في المقابل، فإن وقوع الانفجار بالقرب من منطقة مأهولة دفع السلطات السورية إلى اتخاذ إجراءات احترازية واسعة؛ إذ أغلقت قوات الأمن الداخلي طريق حلب–دمشق والطرق المؤدية إلى موقع الانفجار، بينما حذرت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السكان من الاقتراب بسبب احتمال وجود ذخائر غير منفجرة ومخلفات خطرة.
خطر لا ينتهي بانتهاء الانفجار
تكشف هذه الحوادث عن مشكلة تتجاوز الانفجار نفسه. فوجود مخازن للذخائر ومخلفات الحرب بالقرب من المناطق السكنية يعني أن الخطر قد يستمر حتى بعد توقف التفجيرات، بسبب احتمال بقاء أجسام خطرة أو ذخائر غير منفجرة في محيط المواقع.
وفي حادثة العيس تحديدًا، قالت السلطات إن استمرار الانفجارات أعاق وصول فرق الإسعاف والإنقاذ في البداية، قبل أن تتمكن فرق الدفاع المدني من دخول المنطقة وإجلاء المصابين. كما بدأت فرق إزالة مخلفات الحرب والهندسة العسكرية عمليات مسح للموقع والمناطق المحيطة به.
وتضع سلسلة الانفجارات الأخيرة السلطات السورية أمام اختبار مزدوج: كشف أسباب هذه الحوادث وتحديد المسؤوليات من جهة، وتشديد إجراءات تأمين المواقع العسكرية ومخازن الذخيرة من جهة أخرى.
وفي انتظار نتائج التحقيقات، تظل عدة احتمالات مفتوحة، من أخطاء التخزين والتعامل مع مخلفات الحرب إلى التخريب أو الاستهداف الخارجي. وما سيحسم هذه الفرضيات ليس تتابع الانفجارات وحده، وإنما الأدلة التي ستكشفها التحقيقات الفنية والأمنية في المواقع التي شهدتها.