بربرة في قلب صراع البحر الأحمر.. الإمارات توسّع حضورها وإثيوبيا تطلب منفذًا وقواعد كيان الاحتلال تدخل حسابات صوماليلاند

تتصاعد أهمية مدينة بربرة في التنافس على النفوذ بمنطقة البحر الأحمر، مع تداخل الاستثمارات الإماراتية في مينائها، والتوسّع في المنشآت العسكرية المحيطة بها، ومساعي إثيوبيا إلى الحصول على منفذ بحري، إلى جانب احتمالات إقامة قاعدة لكيان الاحتلال. وفي هذا المشهد، تراهن شخصيات سياسية في صوماليلاند على توظيف الموقع الاستراتيجي للمدينة للحصول على اعتراف دولي، رغم ما قد يحمله ذلك من مخاطر انتقال صراعات المنطقة إلى أراضيها.

وسلّط موقع «ميدل إيست آي» البريطاني، الضوء على تحوّل بربرة إلى نقطة تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية والحسابات العسكرية، مستعرضًا تاريخها التجاري، ودورها خلال الحرب الباردة، وموقعها اليوم ضمن التنافس على الموانئ والقواعد وطرق الملاحة.

وتقع بربرة في شمال غرب الصومال، على الساحل الجنوبي لخليج عدن، مقابل اليمن، ما يمنح ميناءها ومطارها أهمية تتجاوز خدمة التجارة المحلية إلى التأثير في حركة النقل والانتشار العسكري في المنطقة الممتدة نحو باب المندب والبحر الأحمر.

توسّع إماراتي تحت أنظار الحوثيين

بحسب التقرير، أنشأت الإمارات قاعدة عسكرية في بربرة عام 2017، فيما تشير صور حديثة للأقمار الصناعية، نشرها محللون متخصصون في المصادر المفتوحة، إلى توسيع حضورها في مطار المدينة.

وتشمل المنشآت التي رصدتها تلك التحليلات مواقع جديدة لمنظومات صواريخ أرض–جو، ومرافق للرادار، وحظائر للطائرات. كما يتحدث التقرير عن إنشاء منشأة بحرية إماراتية على مسافة بضعة كيلومترات من الميناء التجاري.

ويأتي هذا النشاط في ظل تصاعد التوتر بين كيان الاحتلال والحوثيين المتحالفين مع إيران على الضفة الأخرى من خليج عدن. ووفق التقرير، يراقب الحوثيون تنامي الحضور الإماراتي والتحركات المرتبطة بكيان الاحتلال في بربرة، لما قد تعنيه من تغير في موازين الانتشار العسكري قبالة السواحل اليمنية.

ويربط التقرير هذه التطورات أيضًا بتداعيات المواجهة الأمريكية ومواجهة كيان الاحتلال مع إيران، مشيرًا إلى أن آثار صراعات الشرق الأوسط تصل إلى بربرة، رغم وقوعها على الجانب الإفريقي من الخليج.

لكن الاضطرابات نفسها تفتح، في نظر بعض الأوساط الاقتصادية في شرق إفريقيا، فرصًا أمام المدينة؛ إذ يزيد اضطراب طرق النقل القائمة الحاجة إلى منافذ تجارية بديلة. ويضع التقرير توسّع استثمارات دبي في الموانئ خارج الخليج ضمن هذا السياق، مع التأكيد على أن دخول «موانئ دبي العالمية» إلى بربرة تزامن أيضًا مع تغيّر الأولويات الأمنية في المنطقة.

بربرة في مسارات حرب السودان وأزمة جنوب اليمن

لا يقتصر الدور الإقليمي لبربرة على التجارة أو مراقبة الممرات البحرية؛ فقد ورد اسم مطارها في تقارير تتعلق بمسارات الإمداد المرتبطة بحرب السودان.

وينقل التقرير عن تحقيق نشرته وكالة رويترز في ديسمبر/كانون الأول 2024 معلومات بشأن استخدام مطار بربرة محطة عبور لطائرات تحمل معدات عسكرية يُشتبه في توجيهها إلى قوات الدعم السريع، التي تقاتل الجيش السوداني. وتنفي الإمارات تسليح قوات الدعم السريع.

ويشير كذلك إلى علاقات الدعم التي تربط الجيش السوداني بمصر وتركيا والسعودية، بما يضع التحركات المرتبطة ببربرة ضمن شبكة أوسع من المصالح الإقليمية المتنافسة حول الحرب.

وفي الملف اليمني، يذكر التقرير أن الإمارات استخدمت بربرة، في وقت سابق من العام الجاري، لإجلاء حلفاء لها، بينهم عيدروس الزبيدي، زعيم المجلس الانتقالي الجنوبي المطالب بانفصال جنوب اليمن، عقب تحرك عسكري سعودي ضد قوات المجلس.

وتعكس هذه الاستخدامات أهمية المدينة بوصفها نقطة اتصال وإسناد بين ضفتي خليج عدن، وموقعًا يمكن توظيفه في نقل الأفراد والمعدات، إلى جانب دوره التجاري.

إثيوبيا.. السوق الكبرى التي ينتظرها الميناء

تحتل إثيوبيا موقعًا محوريًا في الحسابات الاقتصادية لميناء بربرة. فشركة «موانئ دبي العالمية» تنظر إليه باعتباره بوابة إلى جنوب إثيوبيا، حيث تتوسع الأنشطة الزراعية والصناعية، فضلًا عن حجم السوق الإثيوبية في ثاني أكبر بلدان إفريقيا من حيث عدد السكان.

ونقل التقرير عن رجل أعمال في أديس أبابا، لديه مصالح في قطاع الموانئ، قوله إن بربرة أُعدّت لتكون ميناءً لجنوب إثيوبيا.

وفي يناير/كانون الثاني 2024، وقّعت هرجيسا وأديس أبابا مذكرة تفاهم بشأن إتاحة وصول إثيوبي إلى أجزاء من ساحل صوماليلاند. وربطت سلطات صوماليلاند هذا الترتيب بالحصول على اعتراف إثيوبي باستقلالها، بينما رفضت الحكومة الصومالية المذكرة باعتبارها مساسًا بسيادة البلاد ووحدة أراضيها.

ويصف التقرير الترتيب بأنه تعثّر ولم يدخل حيز التنفيذ، في حين لا يزال الميناء يعمل بنحو 30 في المئة من طاقته، وفق ما نُقل عن جامع محمد أحمد، المدير التجاري لشركة «موانئ دبي العالمية» في القرن الإفريقي.

ومع ذلك، يشير التقرير إلى استمرار تطلع إثيوبيا إلى الحصول على منفذ بحري عبر صوماليلاند، وهو توجه ترحب به الشركة لما قد يوفره من زيادة في حركة البضائع وتعزيز العائد على استثماراتها.

كما يورد أن بربرة حازت صدارة موانئ إفريقيا جنوب الصحراء في تصنيف البنك الدولي لكفاءة الموانئ عام 2023، بما يبرز الفارق بين إمكانات الميناء التشغيلية وحجم النشاط الذي يستقطبه حاليًا.

كيان الاحتلال وحسابات الاعتراف والقواعد

إلى جانب المصالح الإماراتية والإثيوبية، يناقش التقرير احتمال توسّع التعاون العسكري بين الإمارات وكيان الاحتلال في بربرة، في ضوء العلاقات بينهما والتقارب مع سلطات صوماليلاند.

ويشير إلى تصريحات لسفير كيان الاحتلال في أديس أبابا بشأن مساندة مساعي إثيوبيا للوصول إلى البحر، وإلى علاقات أديس أبابا الوثيقة بكل من أبوظبي وكيان الاحتلال.

كما يذكر أن إثيوبيا لم تُبدِ اعتراضًا على الاعتراف والعلاقات الدبلوماسية بين كيان الاحتلال وصوماليلاند، بقيادة عبد الرحمن محمد عبد الله «عرو»، وحكومة بنيامين نتنياهو.

وفي قراءته لهذه التطورات، يرجّح التقرير أن يسعى كيان الاحتلال إلى إقامة قاعدة عسكرية في بربرة. ويظل ذلك طرحًا بشأن اتجاه محتمل، إذ لا يورد التقرير إعلانًا رسميًا يحدد بدء تشغيل قاعدة تابعة له أو طبيعة القوات التي قد تتمركز فيها.

غير أن فكرة استضافة قواعد أجنبية تحظى بتأييد معلن من بعض الشخصيات السياسية في صوماليلاند. فقد نقل التقرير عن باشي عول عمر، ممثل صوماليلاند السابق لدى الإمارات، قوله إنه يؤيد وجود قواعد لكل من الولايات المتحدة وكيان الاحتلال في بربرة.

وعند سؤاله عن المخاطر المحتملة، أقرّ عول بأن استخدام الولايات المتحدة بربرة لشن هجمات على الحوثيين قد يدفعهم إلى الرد، معتبرًا أن السماح باستخدام المدينة لهذا الغرض يجب أن يقابله اعتراف سياسي.

ويكشف هذا الموقف عن مقايضة مطروحة في النقاش السياسي: إتاحة الموقع والمنشآت لقوى خارجية مقابل مكاسب دبلوماسية، مع إدراك أن الاستخدام الهجومي لهذه المنشآت قد يجعل بربرة هدفًا لعمليات انتقامية.

من «مالاو» القديمة إلى مركز للتجارة الدولية

يعود تاريخ بربرة التجاري إلى قرون طويلة سبقت التنافس العسكري الراهن. فقد كانت بوابة إلى إفريقيا ومركزًا يربط أسواقها بالشرق الأوسط والشرق الأقصى، ووُثّقت أهميتها منذ القرن الأول الميلادي.

وورد ذكرها باسم «مالاو» في كتاب «الطواف حول البحر الإريتري»، الذي ألّفه رحّالة مجهول يكتب باليونانية، ووصف فيه موانئ التجارة القديمة على امتداد المنطقة.

وبحسب العرض، صُوّرت المدينة بوصفها سوقًا آمنة تستقبل النحاس والأقمشة والعملات الذهبية والزجاج القادم من الهند، وتُصدّر اللبان والمرّ والقرفة إلى الأسواق العربية. كما أشار الكتاب إلى تصدير أشخاص أفارقة مستعبَدين عبر الميناء في بعض الأحيان، ضمن تجارة الرقيق في تلك الحقبة.

وفي عام 1854، وصل المستكشف البريطاني ريتشارد فرانسيس برتون إلى بربرة خلال رحلة استكشافية مرتبطة بشركة الهند الشرقية. وأشاد بها في كتابه «الخطوات الأولى في شرق إفريقيا»، وفضّلها على عدن بوصفها مركزًا لتجارة شرق إفريقيا، متحدثًا عن مناخها ومياهها العذبة ومينائها.

لكن رحلته شهدت لاحقًا هجومًا شنه مقاتلون صوماليون على المستكشفين البريطانيين، أُصيب خلاله برتون بطعنة رمح في وجهه.

من القواعد السوفييتية إلى الحضور الأمريكي

أدركت القيادات الصومالية بدورها القيمة الاستراتيجية لبربرة. ففي مطلع عام 1979، عرض الرئيس محمد سياد بري على الولايات المتحدة استخدام القاعدة البحرية والجوية التي كان الاتحاد السوفييتي يستخدمها، بعد انتقال موسكو إلى دعم إثيوبيا.

وبحسب التقرير، حضر الأمريكيون إلى بربرة في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وأعادوا تأهيل مدرج المطار، الذي يبلغ طوله نحو 15 ألف قدم، وكان آنذاك الأطول في إفريقيا.

وهكذا، تعاقبت على بربرة حسابات التجارة والاستكشاف والتنافس الدولي، وصولًا إلى الاستثمارات والقواعد المطروحة اليوم. غير أن المرحلة الحالية تجمع هذه الأدوار في وقت واحد: ميناء يسعى إلى استقطاب التجارة الإثيوبية، ومطار تتوسع منشآته، وموقع تراهن عليه قوى إقليمية، وسلطات تسعى إلى تحويل أهميته إلى اعتراف سياسي.

وبين هذه المصالح، يبرز السؤال الأهم لمستقبل المدينة وسكانها: إلى أي حد يمكن أن تتحول قيمة بربرة الاستراتيجية إلى مكاسب اقتصادية وسياسية، من دون أن يؤدي استخدامها في صراعات الخارج إلى تعريضها للحرب؟