تصريحات متضاربة لترامب: هل هي مقصودة أم عبثية؟
في خطابٍ للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قال إنه سيخرج من المهمات العسكرية ويُركّز على “الاستقرار الإقليمي” وليس بناء الأمم.
ثم في ممارسته التي تلت ذلك، أبدى ميلًا صريحاً لتدخّل أو هدَد بتدخّل، والتقى وفاوض دولاً كان يقول إنه لن يُعتمد عليها.
فالقول: “لن نبحث عن أعداء” أو “لن نُدخل دولاً في حرب” قابله الفعل الذي يُشير إلى تدخل أو تهديد أو تغيير موقف.
ومن ذلك حديثه المتكرر عن تحقيق السلام، بينما غيّر اسم وزارة الدفاع الأمريكية إلى وزارة الحرب الأمريكية!
قبل أيام فقط تحدث ترامب عن عمليات تصفية الخونة التي قامت بها حماس أثناء وقت الهدنة على أنها كانت بمعرفة الأمريكيين وأنها لضمان الأمن في القطاع خلال الهدنة، ثم ما لبث أن أنكرها وتحدث عن قتل حماس للشعب الغزاوي الذي بزعمه ينكره ولن يقف صامتا أمامه، وكأنه فعل شيئا حين كانت يد الإجرام الإسرائيلية تعيث في غزة فسادا! وكأن الشعب الغزاوي يعني له شيئا! ذلك الشعب الذي كان يحرض على تهجيره قبل فترة ليست ببعيدة ويساوم كسمسار على مصيره بلا خجل!
ومع اضطراب تصريحاته، إلا أن بعض المحلّلين يرى هذه التصريحات تعكس أن ترامب يتعامل مع حماس كأداة ضمن خطة أوسع وليس كعدو مطلق أو حليف مطلق، ففي لحظة يمدّ لها يد التعامل، وفي لحظة أخرى يلوّح بالعنف.
لقد بدا ترامب “غير مبالٍ” بتنفيذات حماس الداخلية لكنه في الوقت نفسه طالبها بتسليم السلاح.
والتصريحات نفسها بشأن تسليم سلاح حماس تصنع تضاربات، فبعض قيادات حماس تنفي تماما إمكانية تسليم السلاح بينما القيادي في حماس، أبو مرزوق قال صراحةً إن الحركة “وافقت على خطة ترامب بحذافيرها”. فكيف يمكن تفسير هذا التضارب في التصريحات سواء من جانب حماس أو ترامب:
هل ترامب نصب فخا لحماس لإجبارها على التسليم؟
أم هل فعلا حصل على قبول مبدئي بالتسليم؟
أم أن حماس تشتري بعض الوقت لما هو آت؟
هذا ما ستكشفه الأيام المقبلة. ولكن قطعا ليست تصريحات ترامب التي ستقدم القول الفصل فيه. فهي تتبدل في كل مرة.
تناقضات ترامب ليست جديدة، فقد سبق أن صرّح بأن فيروس كورونا “تحت السيطرة” وأن الأمر لن يكون مشكلة كبيرة.” لكن لاحقاً اعترف بأنه “علم منذ وقتٍ مبكر أنه جائحة” وأصبحت روايته مغايرة.
وفي الحرب الاقتصادية، وعد ترامب بأن الرسوم الجمركية ستُحقّق نموّا داخلياً كبيراً وتُعيد الوظائف للولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه أنها ستُولّد إيرادات ضخمة للحكومة.
رأى الاقتصاديون أن هذا الوعد شبه مستحيل لأن الهدفين متعارضان: فإذا توقفت الواردات كثيراً فلن تُولّد الرسوم، وإذا وُقفت الواردات فلن تُعيد صناعة كما هو المعلن.
وهكذا قدم ترامب بغرور وعدين متزامنين لكنهما عملياً يصعب تحقيقهما معاً.
وفي ملف الهجرة وعد ترامب بحزم كبير على الحدود، بمنع دخول من وصفهم بـ“الإرهابيين” أو “المهاجرين غير الشرعيين” بذريعة الأمن.
لكن في الواقع، وفي بعض الحالات، عُثر على تناقضات بين التصريحات وما تمّ تنفيذه أو ما تمّ تسريبه من سياسات داخلية.
ولا تخلو حرب أوكرانيا من اضطراب ترامب، فحال تناقضات الرئيس الأمريكي خلالها مرصودة ومعلومة.
تُضعف تناقضات ترامب مصداقية تصريحاته كثيرا، فليست قاعدة تُبنى عليها خلاصة أو فهم لما سيجري.
ثم إن التصريحات المتغيّرة بشكل كبير أو غير المتسقة، تجعل من الصعب التنبّؤ بما سيفعله كما لم تعد ترعب أحدا.
وفي الواقع هذا الاضطراب ليس من فراغ أيضا، فكم من التراجع الذي اضطر له الأمريكيون، حدث بهدوء دون أن يعلن عنه بشكل صريح، فجاء ليداري طبع الكبر وصفة الصلف التي يتمتع بها ترامب. ولا شك أن لهذا التراجع أسبابا، لا يفصح عنها الرئيس المتعجرف إلا أنها تدخل في حقيقة التدافع الدولي المستمر.
ماذا يعني هذا الاضطراب في التصريحات؟
قد يكون الهدف من هذه التصريحات قواعده الانتخابية أو الجمهوريين ليرسخ في أنفسهم أنّه «قوي» ولا يسمح بالضعف أو الفوضى. وفي ذلك رسالة لأعدائه والمنافسين في كل مكان.
خارج أمريكا يحاول ترامب أن يظهر مرونة تكتيكية: بفتح بابا للتفاوض مع حماس ضمن خطة التهدئة، لكن مع الحفاظ على خيار احتياطي (العنف) إن فشل التفاهم. وهذا يوفر عليه الاستنزاف المستمر بدون حسم للملفات. ويؤكد عجز تحالفه عن حسم الحروب بالقوة.
يرى بعض المحللين أن ترامب يحاول الموازنة بين هدفين: إظهار استعداد للتوصل إلى اتفاق (وليس فقط عكس سياسات سابقة) وبين ضرورة ألا يظهر ضعيفاً تجاه “إسرائيل” أو الأمن الأميركي. لذا تظهر تصريحات متناقضة، ففي بعض اللحظات هو يرحّب بإجراءات حماس، وفي أخرى يلوّح بحرّاسه.
بعض الخبراء يقولون إن هذه التصريحات تُبرز مشكلة كبرى: أن الكلام ليس مرفقاً بتفاصيل واضحة: كيف، متى، ومن سينفذ؟ مثلاً قوله إن حماس «قالت إنها ستسلم السلاح» لا يعني أنها فعلًا تسلّمه، أو أن هناك آلية واضحة لذلك.
وأن الوضع في غزة ليس في «مسار مباشر» حسب التصريحات، بل هو ما يشبه اختباراً للمزاج السياسي الأميركي، ولقدرة ترامب على تحويل الكلام إلى نفاذ.
وهذا يعني أن ينبغي عدم أخذ كل تصريح حرفياً بدون سياق: فكثير من التصريحات موجهة ومُراوِغة.
ما يُهم أيضاً هو ما سيُفعَل لا ما يُقال: هل حماس ستسلم سلاحها؟ هل سيتدخل الأمربكي (حيث سبق أن لوّح ترامب بتدخل أمريكي مباشر ثم تراجع عنه فورا وبشكل صريح)؟ ثم ما هي آلية التنفيذ؟ لأن الأسئلة مفتوحة حتى الآن. ونرى بين فلتات التصريحات اعترافا ضمينا لترامب أن “إسرائيل” عجزت عن هزيمة حماس ودليل ذلك أنها لو كانت قادرة على حسم هذه الحرب لفعلت! وصدق وهو الكذوب.
ولولا تدخل ترامب لانتشال النتن ياهو من مستنقع التخبط لما تمكن من استرجاع أسرى اليهود، والذي يعد العجز في استرجاعهم بالقوة الاستخباراتية والعكسرية المتضخمة وقوة الدمار وحجم العدوان على القطاع والذي يتفاخر به الاحتلال فضيحة وهزيمة شنيعة يحاولون إخفاءها باتفاقية ترامب.
اضطراب ترامب ليس الوحيد فمبعوثيه الأمريكيين ليسوا أقل اضطرابا منه ولا صفاقة، ويكفي النظر في تصريحاتهم المتناقضة التي تحاول بحماقة إنكار وقوع إبادة في قطاع غزة وفي الوقت نفسه تصريحاتهم تؤكد أن حال غزة أذهلهم.
ثم البكاء على عشرات القتلى اليهود الأسرى الذين قتلوا بأسلحة أمريكية وعلى يد القوات اليهودية مع رفض دخول آليات لرفع الركام وتسهيل انتشالهم، والإصرار على سرعة تسليم جثثهم، مشهد نفاق صفيق، في حين لا أحد ينظر لآلاف القتلى الفلسطينيين تحت الركام لا بواكي لهم ولا حتى الضامن الخجول!
وعلى جانب آخر غير بعيد فإن جثث الفلسطينيين التي سلمت لغزة مكبّلة اليدين وعليها آثار التعذيب وقد نهبت أعضاؤها، فضلا عن القصص الدامية والمفجعة لما عاشه الأسرى الفلسطينيون في السجون اليهودية، عار آخر، لن يُمحى، ويؤكد من جديد مستوى انحطاط الجانب اليهودي الأمريكي، في وقت تتابع فيه العدسات صحة وحالة الأسرى اليهود الجيدة في يد المقاومة! ومعاملة الأخيرة الراقية معهم..!
إن المتابع يجب أن يُفرق بين خطاب ترامب الاستعراضي المفتون بعروض القوة والتجبر في الأرض ليشبع فيه إعجاب الجمهور الأمريكي وبين مواقفه في السياسة الخارجية، فأحيانًا يكون كلامه خدمة لدعاية القوة، أو رسالة داخلية تخفي تخبطا أو عجزا، أكثر من كونه خطة تنفيذية.
وفي الختام، إن إظهار ترامب سرعة تبديل مواقفه، يشير إلى كثرة الضغوطات والمؤثرات التي يتعرض لها الرئيس الأمريكي من جميع الأطراف من حوله، فيضطرب. تارة يظهر قوة وتارة يظهر لينا. وكل ما يشغله دعاية القوة واستعراض الكبر..! لكنه ليس تماما الواقع على أرض الصراع، فهناك دوما معطيات تخفى هي التي تقرر الخطوة التالية.
وبين هذا وذاك، يبقى واقع غزة معلقا، إلى أن يشاء الله. فاللهم دبر لأهل غزة واكفهم شرور حلف اليهود.
محمد المقدشي