تصعيد واسع في شمال إثيوبيا بعد استعادة ألاماتا وتوسع القتال إلى عفر وأمهرة

تتصاعد المواجهات المسلحة في شمال إثيوبيا بصورة متسارعة، مع انتقال القتال بين القوات الفدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي إلى عدة جبهات في تيغراي وعفر وأمهرة، وسط مخاوف من عودة البلاد إلى حرب واسعة كتلك التي شهدتها بين عامي 2020 و2022. وفي أحدث التطورات، استعادت القوات الموالية للحكومة السيطرة على مدينة ألاماتا في جنوب تيغراي، بينما واصلت قوات تيغراي عملياتها في إقليم عفر واقتربت من طرق الإمداد الحيوية القادمة من جيبوتي.

وأعلنت القوات الحكومية وحلفاؤها السيطرة على ألاماتا، وهي مدينة استراتيجية تقع على بعد نحو 120 كيلومتراً جنوب ميكيلي، عاصمة إقليم تيغراي، وتتمتع بأهمية عسكرية ولوجستية بسبب موقعها على طريق رئيسي يربط جنوب الإقليم بالمناطق المجاورة. وأكدت مصادر دبلوماسية وتقارير ميدانية سقوط المدينة في أيدي القوات الحكومية، بينما أظهرت مقاطع مصورة جنوداً يرفعون العلم الإثيوبي داخلها.

ويمثل استعادة ألاماتا تحولاً ميدانياً مهماً بعد أن شنت جبهة تحرير شعب تيغراي هجوماً واسعاً الأسبوع الماضي على القوات الحكومية، وفتحت عدة جبهات خارج حدود تيغراي. وكانت قوات الجبهة قد هاجمت مواقع في عفر وأمهرة وسيطرت على مواقع استراتيجية ومطارات، في إطار تصعيد تقول إنها تخوضه دفاعاً عن الإقليم.

وفي عفر، تمكنت قوات تيغراي من السيطرة على مدينة إيريبتي القريبة من الحدود مع تيغراي، قبل أن تتحرك باتجاه أفديرا الواقعة على بعد نحو 100 كيلومتر إلى الشرق. ويكتسب هذا التقدم أهمية خاصة بسبب موقع عفر على طريق التجارة الذي يربط إثيوبيا بميناء جيبوتي، والذي تعتمد عليه إثيوبيا في معظم حركة تجارتها الدولية، بما في ذلك واردات الوقود.

ويثير تقدم قوات تيغراي في عفر مخاوف من إمكانية تعرض طريق الإمداد بين سمرا وجيبوتي للتهديد، رغم أن الممر التجاري الرئيسي ظل مفتوحاً حتى الآن. ويرى محللون أن وصول القتال إلى هذا الطريق يمكن أن يحول المواجهة من أزمة عسكرية داخلية إلى أزمة اقتصادية وإقليمية أوسع، نظراً إلى اعتماد إثيوبيا الكبير على الموانئ الجيبوتية.

وفي المقابل، أفادت تقارير بأن القوات الحكومية استعادت أيضاً مواقع في منطقة واغ حمرا، إضافة إلى ألاماتا، في وقت تستمر فيه المواجهات في أمهرة. وتشارك في بعض جبهات أمهرة قوات فانو المحلية إلى جانب قوات تيغراي، بينما امتد القتال إلى محيط مدينة لاليبيلا التاريخية، التي تضم الكنائس الصخرية المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو.

ولم تقتصر تداعيات التصعيد على الجانب العسكري، إذ بدأت المستشفيات في شمال البلاد تستقبل أعداداً متزايدة من الجرحى. وقالت منظمة أطباء بلا حدود إن عدد المصابين الذين وصلوا إلى مستشفيي كوريَم وألاماتا ارتفع من نحو 180 إلى أكثر من 420 جريحاً خلال 48 ساعة بين 22 و25 سبتمبر، كما استقبل مستشفى سوهول نحو 300 جريح خلال أسبوع، وفق بيانات المنظمة وتقارير وكالة أسوشيتد برس.

كما تسببت المعارك في موجة نزوح كبيرة، إذ قُدّر عدد النازحين في إقليم عفر وحده بنحو 150 ألف شخص، مع التأكيد على صعوبة الوصول إلى رقم دقيق بسبب استمرار القتال والقيود على الوصول الإنساني.

وفي ظل التصعيد، أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إجلاء 161 شخصاً من ميكيلي إلى سمرا في عفر، بينهم أفراد من الشرطة الفدرالية وعائلاتهم، وموظفون في الخطوط الجوية الإثيوبية، وأفراد من أمن الطيران، ومراقبون من الاتحاد الأفريقي وأعضاء في جمعية الصليب الأحمر الإثيوبية. ويعكس الإجلاء حجم المخاوف الأمنية التي تحيط بالمناطق المتضررة من القتال.

وتزداد صعوبة متابعة التطورات بسبب اضطراب الاتصالات في تيغراي، حيث ظلت خدمات الهاتف والإنترنت متقطعة لعدة أيام، ما حد من قدرة السكان ووسائل الإعلام والمنظمات الإنسانية على التواصل والحصول على معلومات مستقلة من مناطق القتال. كما تعرض مقر تيغراي تي في في ميكيلي لهجوم بطائرة مسيّرة، بحسب تقارير نقلتها الجزيرة.

وبالتزامن مع القتال، دخلت الأزمة مرحلة إقليمية أكثر حساسية بعد توجيه القيادة العسكرية الإثيوبية اتهامات إلى إريتريا والسودان ومصر بدعم القوات المعارضة للحكومة. وقال قائد الجيش الإثيوبي، المشير برهانو جولا، إن القوات التي تواجه الجيش تحصل على دعم وإمدادات من أطراف خارجية. ولم تقدم السلطات الإثيوبية في التصريحات المنشورة أدلة تفصيلية علنية تثبت جميع هذه الاتهامات.

ورفض السودان الاتهامات الإثيوبية، ووصفها بأنها لا أساس لها، بينما وجه الجيش السوداني اتهامات مضادة إلى إثيوبيا، قائلاً إن قوات الدعم السريع تتلقى دعماً من داخل الأراضي الإثيوبية، بما في ذلك التدريب والإمدادات وأنشطة مرتبطة بالطائرات المسيّرة. كما نفت إريتريا الاتهامات الإثيوبية، معتبرة أن أديس أبابا تحاول تحميل الآخرين مسؤولية أزمتها الداخلية.

وتأتي هذه التطورات بعد أقل من أربعة أعوام على اتفاق بريتوريا الذي أنهى الحرب السابقة بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي في نوفمبر/تشرين الثاني 2022. وقد خلفت الحرب السابقة خسائر بشرية هائلة، وتختلف التقديرات بشأن حجمها؛ إذ قدرت بعض الدراسات عدد الوفيات بنحو 500 ألف شخص، بينما وصلت تقديرات أخرى إلى نحو 600 ألف عند احتساب الوفيات المرتبطة بالعنف والمجاعة وانهيار الخدمات الصحية.

ويزيد المشهد تعقيداً إعلان جبهة تحرير شعب تيغراي تحالفها مع ست جماعات مسلحة أخرى، في إطار تحالف يهدف إلى مواجهة حكومة رئيس الوزراء أبي أحمد. ويعيد هذا التطور إلى الواجهة سيناريو اتساع الصراع إلى عدة أقاليم بدلاً من بقائه محصوراً في تيغراي.

وبينما استعادت الحكومة ألاماتا، لا تزال قوات تيغراي تحتفظ بقدرة على شن عمليات خارج تيغراي، خصوصاً في عفر، حيث يمثل التقدم نحو أفديرا تحدياً للممر التجاري الحيوي مع جيبوتي. ولذلك فإن المعركة الحالية لا تتعلق فقط بالسيطرة على المدن، وإنما أيضاً بالتحكم في طرق الإمداد والتجارة، وبموازين القوى بين الحكومة الفدرالية والقوى المسلحة المتحالفة معها من جهة، والقوى المناوئة لها من جهة أخرى.

ومع استمرار القتال واتساع نطاقه، تظل الصورة الميدانية سريعة التغير، خصوصاً مع انقطاع الاتصالات وصعوبة التحقق المستقل من بعض الادعاءات. لكن ارتفاع أعداد الجرحى، ونزوح عشرات الآلاف في عفر، واتساع المواجهات إلى أمهرة، إلى جانب التوتر المتصاعد مع إريتريا والسودان، كلها مؤشرات على أن التصعيد الحالي يحمل أبعاداً تتجاوز حدود إقليم تيغراي، وقد تكون له تداعيات على أمن القرن الأفريقي وطرق التجارة بين إثيوبيا وجيبوتي والعلاقات الإقليمية المحيطة بها.