حينَ تَغتالُ اللحظةُ القضيَّةَ: مأساةُ النُّصرةِ في زمنِ “التريند”

لم تَعُدِ المآسي اليومَ تُقاسُ بعُمقِ الجُرحِ، ولا القضايا تُوزَنُ بميزانِ الظُلمِ، بل أضحتْ رهينةَ عدَّادِ المُشاهداتِ، وسرعةِ الانتشارِ، وطولِ البقاءِ في مَحرقةِ “التريند”. في زمنٍ كانَ يُفترضُ فيهِ أن تكونَ وسائلُ التواصلِ مَنابرَ نُصرةٍ خالدةٍ، تحوَّلتْ في غفلةٍ إلى مواسمَ عاطفيةٍ قصيرةِ الأجلِ، تُستنزفُ فيها القضايا كبضاعةٍ، ثم تُرمى جانباً معَ بزوغِ موجةٍ جديدةٍ.

التريندُ في جوهرِهِ ليسَ شراً مُطلقاً، ولكنهُ حينَ يتربَّعُ على عرشِ الوعيِ، ويُصبحُ الحاكمَ بأمرِهِ على ما يُنصَرُ وما يُنسى، ينقلبُ إلى أداةِ خَطَرٍ تخذل الواجب. لقد صارَ كثيرٌ منَّا لا يتحرَّكُ إلا إذا اشتعَلَ الوَسْمُ كالنارِ في الهشيمِ، وتصدَّرَ الحدثُ شاشاتِنا، وضجَّتِ المنصاتُ بالصراخِ. فإذا خَمَدتْ تلكَ الموجةُ العابرةُ، خَمَدتْ معها حرارةُ القلوبِ، وكأنَّ الظُلمَ قد انقضى بانتهاءِ التفاعلِ الرقميِّ. وهكذا، تحوَّلتْ نُصرةُ المسلمينَ من واجبٍ مُستدامٍ إلى ردَّةِ فعلٍ مُؤقتةٍ تُمليها الخوارزمياتُ.

من فلسطينَ إلى السودانِ… ذاكرةٌ ممزّقة

بالنظر إلى قضايا أُمَّتِنا، نجدها أسيرةَ هذهِ اللحظةِ الزائلةِ:
•فلسطينُ لا تُستحضرُ إلا عندَ المجازرِ الكُبرى التي تُزلزلُ الشاشاتِ، ثم تعودُ إلى طيِّ النسيانِ.
•السودانُ لا يُذكرُ إلا حينَ تتوافقُ مأساتُهُ معَ مِزاجِ المنصاتِ المُتقلِّبِ.
•الأسرى، والمُشرَّدون، والمُنتهكةُ أعراضُهم… يغيبونَ عن المشهدِ لأنَّ قصصَهم لم تَعُدْ “جذَّابةً” بما يكفي لِتُنافسَ على الصدارةِ.

ليستِ المشكلةُ في كثرةِ القضايا، بل في ضَحالةِ التعاطي معها. فالتريندُ لا يحتملُ الصبرَ، ولا يعترفُ بالمعاناةِ الطويلةِ، ولا يُحبُّ القضايا التي تحتاجُ نَفَساً طويلاً يوجبه ضمير حيّ.

التريندُ وصناعةُ العَجْزِ المُقنَّعِ

أخطرُ ما فعلتْهُ ثقافةُ التريندِ أنها ألبستْ العَجْزَ ثوبَ النُّصرةِ. لقد: أوهمتِ الناسَ أنهم أدَّوا واجبَهم بمُجرَّدِ النشرِ والضغطِ على زرِّ المُشاركةِ.
واختزلتِ النُّصرةَ في صورةٍ باهِتةٍ، أو وَسْمٍ عابرٍ، أو مقطعٍ مُؤثرٍ يذرفُ الدموعَ ثم يختفي.
وأفرغتِ الغضبَ من مَضمونِهِ الحقيقيِّ الذي يدفعُ إلى الفعلِ والتغييرِ.
فيتحوَّلُ الألمُ إلى استهلاكٍ بصريٍّ باردٍ، وتغدو القضيةُ مُجرَّدَ مُحتوى يُستهلكُ، وتصبحُ النُّصرةُ طَقساً رقمياً أجوفَ بلا أثرٍ في الواقعِ.
لقد جعلَ اللهُ النُّصرةَ فِعلاً لا شعوراً عابراً، حينَ قالَ في كتابِهِ العزيزِ: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ …﴾ [النساء: 75].

انتقائيةٌ مَشبوهةٌ في بوصلةِ التعاطفِ

من آثارِ التريندِ المُدمِّرةِ كذلكَ هي الانتقائيةُ المَشبوهةُ في التعاطفِ: تضخيمُ قضيةٍ حتى تُعميَ الأبصارَ، وتجاهلُ أخرى لا تقلُّ ظُلماً ولا ألماً. ليسَ لأنَّ دماً أغلى من دمٍ، بل لأنَّ الخوارزمياتِ اختارتْ، والجمهورَ انساقَ خلفَها. وهنا تتحقَّقُ أخطرُ النتائجِ: تفكيكُ بوصلةِ الأُمَّةِ، وجعلُها تتحرَّكُ وفقَ إيقاعِ المنصاتِ المُتذبذبِ، لا وفقَ ميزانِ الحقِّ الثابتِ.


نُصرةٌ بلا تريندٍ

المسلمُ الحقُّ لا يحتاجُ وَسْماً ليغضبَ للظُلمِ، ولا ينتظرُ موجةً ليقومَ بواجبِهِ، ولا ينسى إخوانَهُ لأنَّ الخوارزميةَ نسيتْهم. فالتريندُ يمرُّ، لكنَّ الدمَ يبقى، والحقَّ لا يسقطُ بانتهاءِ الضجيجِ.
فلنحذرْ أن نكونَ أُمَّةً تعرفُ كيفَ تتفاعلُ بضجيجٍ، ولا تعرفُ كيفَ تنصرُ بثباتٍ وإحساس مسؤولية ثابت.

إن الخروجُ من أسرِ التريندِ لا يكونُ بتركِ المنصاتِ، بل بـإعادةِ توجيهِها: بتحويلِ القضايا من موجاتٍ إلى ملفاتٍ حاضرةٍ دائمةٍ، وبربطِ النشرِ بـالفعلِ الحقيقيِّ: بالتبرُّعٍ، بالضغطٍ، بصناعة وعيٍ، وموقفٍ ثابتٍ.

قالَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنهُ: “لا تستوحشوا طريقَ الحقِّ لقلةِ سالكيهِ.” وكذلكَ لا تجعلوا الحقَّ مرهوناً بكثرةِ التفاعلِ.

ومن يتأمل في مسيرة الرباط والجهاد يدرك أنها لو خضعت لتريند لما منّ الله عليها بتمكين وانتصارات تتوالى. فالحمد لله على نعمة الرباط والجهاد.
متع الله المسلمين بفضائل الرباط والجهاد وأقر أعينهم بفتح وتمكين يعز فيه دينه ويُذلّ فيه أعداؤه.

 

بقلم علا أحمد، نُشر في مجلة ابنة الإسلام