خمسة عشر عامًا من الحضور التركي في الصومال.. مساعدات فتحت باب النفوذ الاقتصادي والعسكري وغارات طالت المدنيين في المساجد والمزارع
من زيارة حملت عنوان “الإغاثة” في ذروة المجاعة عام 2011، إلى تشغيل المطار والميناء واتفاقات النفط والغاز والتعاون العسكري، اتسع الحضور التركي في الصومال على مدى خمسة عشر عامًا. وتزامن هذا التوسع مع عمليات جوية خلّفت ضحايا مدنيين، بينهم أطفال ونساء، حيث وثّقت منظمة العفو الدولية بعضًا منها، بينما تناولت تقارير محلية ضربات طالت مساجد ومزارع ومنشآت اقتصادية ومناطق ساحلية.
وتجمع العلاقة بين الحكومتين الصومالية والتركية اليوم بين المصالح التجارية والتعاون في الموارد والدعم العسكري. وفي المقابل، تبرز قضية الخسائر المدنية وحدود التدخل في النزاعات الداخلية، إلى جانب التساؤلات المتعلقة بشروط الاتفاقات الاقتصادية ومكاسب الصومال منها.
2011 .. زيارة خلال المجاعة وبداية توسع الحضور التركي
![]()
في 19 أغسطس/آب 2011، وصل رجب طيب أردوغان إلى مقديشو، حين كان رئيسًا للوزراء، واستقبله الرئيس الصومالي آنذاك شريف شيخ أحمد. وجاءت الزيارة في وقت كانت فيه البلاد تواجه الجفاف والمجاعة، وقدمت أنقرة تحركها في إطار إغاثة السكان ومساندتهم.
وفي الأول من نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، أعادت تركيا فتح سفارتها في مقديشو، لتبدأ مرحلة من توسيع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية.
وأعقب الزيارة تزايد نشاط الشركات التركية، وصولًا إلى تولّي تشغيل مطار العاصمة ومينائها، وهما من أهم المرافق الاقتصادية في البلاد، وبوابتان لحركة السفر واستيراد البضائع التي يعتمد عليها التجار الصوماليون.
زيارتا 2015 و2016.. تعزيز النفوذ الدبلوماسي والعسكري

عاد أردوغان إلى الصومال في يناير/كانون الثاني 2015، وهذه المرة بصفته رئيسًا للجمهورية، واستقبله الرئيس حسن شيخ محمود. وفي يونيو/حزيران 2016، قام بزيارة ثالثة افتتح خلالها مجمع السفارة التركية الجديد في مقديشو.
وعكست الزيارات المتعاقبة توسعًا في العلاقات تجاوز الإغاثة إلى التعاون الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري، بدعم من الإدارات الصومالية المتعاقبة.
وشمل التعاون تدريب القوات الخاصة الصومالية وتزويدها بالمعدات والمساندة، بالتوازي مع توسيع الأدوار الاقتصادية التركية. وهذا الاقتران أتاح لأنقرة الحصول على امتيازات اقتصادية مقابل دعم السلطات وقواتها.
وفي الجانب العسكري، أورد تحقيق العفو الدولية وجود مسيّرات «بيرقدار تي بي 2» في مطار مقديشو منذ سبتمبر/أيلول 2022 على الأقل، إلى جانب تدريب وحدات «غورغور» الصومالية في قاعدة تركسوم.
مطلع 2024.. اتفاقات الدفاع والطاقة توسّع الشراكة
شهد عام 2024 توسيع التعاون بين البلدين في المجالات الدفاعية والاقتصادية. ففي فبراير/شباط، وقّعا اتفاقًا يشمل دعم الأمن البحري الصومالي، ثم أبرما في 7 مارس/آذار اتفاقًا للتعاون في النفط والغاز.
وأدخلت هذه الترتيبات استكشاف الموارد الطبيعية ضمن المصالح التركية المتنامية، إلى جانب تشغيل المرافق التجارية والتعاون العسكري. وهذا ما تم اعتباره بأنه يوسّع نفوذ أنقرة على موارد البلاد.
مارس 2024.. قصف مسجد وملاحقة الفارين إلى المزارع
مساء 18 مارس/آذار 2024، تعرضت منطقة بغداد قرب أفجوي، جنوب غربي مقديشو، لضربات جوية طالت مسجدًا ومزارع لجأ إليها السكان هربًا من القصف، ما أسفر عن مقتل 18 مدنيًا، بينهم سبعة أطفال وست نساء، وإصابة 12 آخرين.
وقال أحد وجهاء القرية أن القتلى كانوا مدنيين غير مسلحين، بينهم شيوخ، وأن السكان غادروا قريتهم إلى المزارع طلبًا للنجاة، لكن الضربات طالتهم هناك أيضًا.
ووصف الوجيه ما حدث بأنه كارثة كبيرة، ودعا إلى إبلاغ الشعب الصومالي بمقتل النساء والأطفال والشيوخ داخل المزارع التي احتموا بها، محمّلًا الجهات المنفذة المسؤولية عن سقوطهم.
وفي تحقيق نُشر في 7 مايو/أيار 2024، وثّقت منظمة العفو الدولية مقتل 23 مدنيًا، بينهم 14 طفلًا وخمس نساء وأربعة رجال، وإصابة 17 آخرين، في ضربتين على مزرعة جافي قرب بغداد مساء 18 مارس.
وأورد التحقيق شهادات عن ضربة سابقة أصابت مسجدًا، أعقبها فرار سكان إلى المزرعة. وقال إن الضربة الثانية على المزرعة وقعت بعد نحو نصف ساعة من الأولى، وأصابت أيضًا أشخاصًا قدموا لإنقاذ الناجين.
وحدد تحليل بقايا الذخائر استخدام قنابل «مام إل» التي تطلقها مسيّرات «تي بي 2» التركية الصنع. ولم يحسم التحقيق ما إذا كانت قوات تركية أو صومالية تتحكم بالمسيّرة أثناء الهجوم، وطالب بالتحقيق في الضربتين باعتبارهما قد تشكلان جرائم حرب، وإنصاف الضحايا وتعويض أسرهم.
يوليو وأكتوبر 2024.. توسيع التنقيب في البحر والبر
![]()
في يوليو/تموز 2024، وقّع البلدان اتفاقًا لاستكشاف وإنتاج المحروقات. وفي أكتوبر/تشرين الأول، أبرمت شركة النفط التركية وهيئة البترول الصومالية اتفاقًا للتنقيب المشترك على اليابسة، بالتزامن مع وصول سفينة الأبحاث «عروج ريس» لإجراء المسوحات البحرية.
وبذلك توسعت الشراكة لتشمل موارد الطاقة البحرية والبرية، فيما واصل التعاون العسكري تطوره.
وبين هذا التوسع الاقتصادي والعمليات الجوية الممتدة من جنوب الصومال إلى شماله الشرقي، اعتبر أن حماية المصالح التركية كانت وراء عدد منها. وهذا تفسير لدوافع عمليات القصف واستهداف المدنيين.
يناير 2026.. قصف مسجد محا سعيد في شبيلي الوسطى
في 31 يناير/كانون الثاني 2026، تعرض مسجد في منطقة محا سعيد بشبيلي الوسطى لغارة، قالت شهادات سكان المنطقة إن مسيّرات تركية نفذتها أثناء صلاة العصر.
وكان بداخل المسجد وجهاء ومشايخ من عشيرة عبد الله غلماح التابعة لأبغال. وأوردت مقتل نحو 11 شخصًا وإصابة ثمانية آخرين، بينهم طفلان وامرأة من سكان المنطقة.
ونقلت وسائل الإعلام أن الحصيلة بلغت 12 قتيلًا، موضحة أن عشرة أشخاص قتلوا مباشرة، ثم توفي اثنان متأثرين بإصاباتهما. وقال السكان إن الضحايا مدنيون.
وتشير المعلومات إلى غارات أخرى في شبيلي الوسطى وشبيلي السفلى أوقعت ضحايا مدنيين، وتربط العمليات في شبيلي الوسطى بنشاط اقتصادي تركي وإقامة قواعد في الإقليم.
مارس 2026.. منشآت الكهرباء تحت القصف
وتعرضت شركة الكهرباء في كونيا بارو بشبيلي السفلى للقصف مرتين خلال مارس/آذار 2026، وتوضع الواقعة ضمن ضربات طالت منشآت اقتصادية يملكها صوماليون.
ويؤثر تدمير هذه المنشآت في مصادر الدخل المحلية، كما يمسّ الكهرباء التي تعتمد عليها الأسر والمتاجر والخدمات.
ويرى الصوماليون في قصف المنشآت الاقتصادية إضرارًا بمقومات معيشة السكان، ويعتبرونها جزءًا من إضعاف الاقتصاد المحلي.
بيدوا ومطارها.. الدور التركي في الخلافات الداخلية
واتسع الدور التركي خلال العامين الأخيرين في النزاع بين الحكومة الفيدرالية برئاسة حسن شيخ محمود والإدارات الإقليمية، ولم يعد مقتصرا على مناطق سيطرة حركة الشباب المجاهدين.
وفي بيدوا، كان لتركيا دور بارز في إسقاط إدارة عبد العزيز لفتاغرين، وذلك بسبب رغبتها في إقامة وجود داخل مطار المدينة لخدمة مشروعاتها البحرية والبرية.
جذو وباي وبري.. غارات وردود فعل شعبية
ويمتد نطاق العمليات إلى جذو وباي وبري، وتقول إن عددًا منها ارتبط بالدفاع عن المصالح الاقتصادية التركية.
وتذكر ضربة في دولو نجا منها الجنرال «شوب» القائد العام السابق لقوات مصلحة السجون الصومالية، إلى جانب غارات في بري قتلت عشرات الصيادين الصوماليين.
وأثارت هذه الوقائع احتجاجات وردود فعل شعبية، ودفعت إلى زيادة التدقيق في الدور التركي وتدخله في الشؤون الداخلية للصومال.
وتشير تغطيات أخرى لضربات الساحل إلى ضحايا عرّفهم أقاربهم وسلطات بونتلاند بأنهم صيادون، في مقابل روايات ربطتهم بالقرصنة. واختلفت التغطيات بشأن الحصيلة والجهة المنفذة وطبيعة الهجوم.
الموارد والعمليات العسكرية أمام مطلب الشفافية
أصبح الحضور التركي في الصومال يجمع بين المساعدات وتشغيل المرافق الحيوية واستكشاف الموارد الطبيعية والدعم العسكري. وأظهرت التحقيقات الحقوقية أن العمليات بالمسيّرات خلّفت خسائر مدنية فعلية، فيما وسّعت التقارير المحلية نطاق الوقائع المطروحة للمساءلة.
ويضع ذلك أمام العام والحكومتين الصومالية والتركية مسؤولية كشف ملابسات الضربات وتحديد الجهات التي تختار الأهداف وتنفذ القصف، وإتاحة التحقيق المستقل وتعويض المتضررين. كما تبرز أهمية نشر شروط الاتفاقات الاقتصادية والعسكرية، لتمكين الصوماليين من تقييم أثرها على موارد بلادهم وسيادتها وأمن سكانها.