رحلة الجهاد: من مدرب في معسكرات التدريب إلى انغماسي في مركز “غودكا جليعو” بمقديشو.. الأندلس تبث لقاء حصريا مع أحد منفذي عملية “نصرة المظلومين”

بثّت إذاعة الأندلس الإسلامية التابعة لحركة الشباب المجاهدين اليوم الخميس وصيّة عبد الفتاح بشير حاشي، أحد الفرسان الذين سطّروا بدمائهم ملحمة الفداء في عملية “نصرة المظلومين: الاستشهادية والانغماسية بمركز غودكا جلعو الذي يضم سجنا محصنا تُمارس فيه أبشع الانتهاكات بحقوق السجناء، ومركزا لقيادة جهاز المخابرات الصومالية في العاصمة مقديشو.
جاءت الوصية ضمن حلقة خاصة من برنامج “أندلس بودكاست” امتدت لأكثر من ساعة وسبع عشرة دقيقة، تحدّث فيها عبد الفتاح بصدق وإيمان عن مسيرة حياته، وأهدافه، ووصاياه التي خطّها بروحٍ موقنة بلقاء الله تعالى. كانت كلماته تفيض بالعزيمة والسكينة، وتحمل رسائل صادقة عن الصبر والثبات والوفاء للوطن والدين.
مسيرة جهادية متتابعة، بدأت من معسكرات التدريب وصناعة الرجال في أدغال وغابات وجبال الصومال، وانتهت في مركز “غودكا جليعو” حيث ختم عبد الفتاح بشير رحلته وهو يمتطي جواده في الثاني عشر من ربيع الآخر عام 1447 هـ.
عبد الفتاح بشير حاشي كان من بين المجاهدين الذين ظلّوا متخفّين في عملهم حتى كشفت أفعالهم في النهاية عن شخصيته البطولية الثمينة. وقد بدأ مسيرته الجهادية عام 2013م انطلاقاً من مدينة “عذاذو، وفق ما رواه في برنامج “أندلس بودكاست” الذي استضافه في هذه الحلقة.
قال عبد الفتاح بشير في اللقاء الحصري : “التحقت بالمجاهدين من مدينة عذاذو، ونشأت لدي فكرة الالتحاق بهم وأنا في تلك المدينة؛ وكان ذلك في عام 2013 تقريبًا. ومن يهده الله فلا أحد يستطيع أن يمنعه من الهداية، وهذه من رحمة الله عليّ. قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (فاطر: 2).
وقال تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَبِّهِ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. (الزمر: 22)
لقد شرح الله صدري للالتحاق بهذا العمل المبارك دون أن يطلب مني أحد ذلك. كنتُ أحيانًا أشاهد إصدارات المعسكرات، وخاصةً في أفغانستان، والتي كانت تصلنا نادرًا أنا وأصحابي. وبعدها قررنا الهجرة إلى ساحات الجهاد نحن سويًا؛ وفي البداية لم نتمكّن من الهجرة بسبب أسر العدو لمجموعتنا ونحن في طريق الهجرة، وتم اتهامي شخصيًّا بأنني كنت المسؤول عن هجرة المجموعة التي كانت معي. وبعد فترة أطلق سراحنا، وصار عدد من تلك المجموعة إلى يومنا هذا قاعدين عن القتال، وبعضهم انضمّ إلى المجاهدين ثمّ تركوا العمل بعد أن ذاقوا حلاوته وعرفوا حقيقته؛ نسأل الله ألّا يجعلنا مثلهم. أما أنا فقد تمكنتُ من الفرار من أرض العدو، والتحقتُ بالجهاد والمجاهدين بفضل الله ومنّه وكرمه. وهناك إخوة آخرون التحقوا بنا في وقتٍ متأخّر ونفّذوا عملياتٍ انغماسيّة مثل الأخ فرحان سمتر”.
كان عبد الفتاح شديد القلق إزاء ما يتعرض له المسلمون من غزو وعدوان، كما كان يؤلمه انشغال الأمة الإسلامية بالجدالات العقيمة والمناقشات البعيدة عن الأولويات الحقيقية والمصيرية. وأثناء استعداده الأخير لتنفيذ مهمته، طُلب منه أن يترك وصية موجّهة إلى المسلمين، فأجاب أنه يفضّل أن يشارك إخوانه فعلاً لا قولاً، لكن أُقنع في النهاية بأن يخلّف كلمات خالدة تُسجَّل له بعد رحيله.
حيث قال في وصيته: “أنا الآن أريد أن يكون عملي وفعلي نورًا ونارًا، كما كان حال الذين سبقوني في هذا الطريق: نارٌ تحرق الأعداء، ونورٌ يضيء الدرب للسالكين. وأنا مُقدِّمٌ ومصمّمٌ على هذا العمل الذي سأنفذه بإذن الله، وأسأل الله أن يتقبّل مني وأن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم. وأرجو أن يجمعني الله مع جميع الذين كانوا سببًا في هذه العملية، وكل من يسمع وصيتي ويعمل بها، في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر”.
وعندما سُئل عن الأسباب التي دفعته لتسجيل اسمه في قائمة الاستشهاديين والمضيّ في تنفيذ العملية، أجاب بأنه يسعى إلى نيل رضا الله تعالى، والعمل من أجل الجنة، والنجاة من عذاب الآخرة. وأضاف أنه تمنى أن يلتحق بإخوانه الذين سبقوه في درب الجهاد والاستشهاد الذي تعاهدوا عليه قائلا: “قررت أن التحق بإخواني الشهداء الذين سبقوني على هذا الطريق وبذلوا أرواحهم في سبيل الله، وإني والله أحب كل الشهداء حبا جما، أيا كانت طريقة استشهادهم سواء في المعارك، أو في تنفيذ العمليات النوعية، أو كانوا استشهاديين وانغماسيين، وأحببت أن أنال الدرجة التي نالوها، قال تعالى: ﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ .
أني أريد ان أبدل أقوالي بالأفعال قبل أن يتوفاني الله، قال تعالى: ﴿ مَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: 34]. ولا ندري ماذا سنكسب غدا، فكم ممن كانوا في ذروة هذا العمل المبارك أو كانوا حتى من قياداته ثم انتكسوا وارتدوا، وكم ممن كانوا قد سجلوا بأنفسهم في قائمة الاستشهاديين ثم تركوا العمل، وكم ممن كانوا يبطؤون أنفسهم ثم ماتوا، فأنا أريد أن ألتحق بإخواني الشهداء، وأن أوفي بالعهد الذي قطعته معهم، فقد تعاهدنا معهم للدفاع عن هذا الدين وبذل المهج والأرواح رخيصة في سبيله، وأنا أحّمل هذه الأمانة والمسؤولية للإخوة الذين ما زالوا على الطريق”.
كما أوضح أن من بين الدوافع التي حثّته على تنفيذ هذه العملية المباركة هي نُصرة المظلومين ومساعدة المستضعفين الذين طغى عليهم الظلم، وقال: “من الأسباب التي دعتني إلى طلب تنفيذ هذا العمل نصرةُ المظلومين والمستضعفين؛ قوله تعالى: ﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [ النساء: 75]، وقول النبي ﷺ: «ما من امرئ يخذل امرأ مسلما عند موطن تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله عز وجل في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته» [رواه البخاري].
نحن اليوم نتعرّض للظلم، وقد انتهكت أعراضُنا وشرفُنا وكرامتُنا، وتعرَّضت نساؤنا للاغتصاب وتعرضَ أطفالُنا للأذى. وما يحدث اليوم في غزة خير دليلٍ وشاهدٌ على ذلك. فإذا لم نتحرَّك لنصرتهم واكتفينا بالمشاهدة، فإن الله سيحاسبنا وقد يتركنا في مواطن نحتاج فيها إلى النصرة والعون. وأمَّا إن ناصرناهم بما نستطيع، فالله لا يخذلُ المؤمنين”.
وأشار إلى أنه رأى رؤى صالحة حملت له بشارات طيبة، كانت سبباً في تقوية عزيمته وثباته على الطريق الذي اختاره. وفي حديثه عن بعض هذه الرؤى، ذكر أنها كانت له بمثابة تأييد سماوي ودافع معنوي عظيم قائلا: “ومن ذلك أنني رأيتُ النبيَّ ﷺ في رؤيا، وكنتُ في غرفةٍ مزخرفةٍ وجميلةٍ جدًا، فدخل النبي ﷺ الغرفة، وكانت عليه جميع الصفات التي وردت في النصوص وصفًا وهيئةً. فسلَّم عليَّ، فرددتُ السلام، وقلتُ له: “بشِّرني يا رسول الله.” فقال لي: “إنك ستدخل في تجارةٍ تحتاج إلى صبرٍ ومثابرة، وستصبر عليها.”، فكانت البشارة أنني سأتحلّى بالصبر في هذا الجهاد، ففرحتُ بذلك فرحًا عظيمًا.
ثم ذهبتُ بعد ذلك إلى بعض العلماء المعروفين بتعبير الرؤى، وكنتُ أنا أيضًا أعبّر الرؤى لإخواني، ففسّرتها بأنها تجارة مع الله تعالى، وأنني سأصبر حتى النهاية في هذا العمل المبارك، وكذلك فسّرها العلماء بالتفسير نفسه”.
كان عبد الفتاح بشير حاشي واحداً من الانغماسيين الذين نفذوا عملية “نصرة المظلومين” في مركز “غودكا جليعو”، والتي أسفرت عن مقتل ما يقرب من خمسين من ضباط وجنود جهاز الاستخبارات الصومالية، وتمكّن خلالها المجاهدون من تحرير أسرى مسلمين كانوا يقبعون في ذلك السجن سيء السمعة، منذ زمن طويل.