رهان الأنبار في هيران: تفكيك استراتيجية توظيف العشائر في الحرب على حركة الشباب المجاهدين
لم يكن الاتفاق الذي أُبرم بين حركة الشباب المجاهدين وعشيرة حوادلي نتيجة اتصالات عابرة أو جهود استغرقت أسابيع أو أشهر، وإنما جاء في ختام مسار طويل من الحرب والمواجهة والاتصال والحوار. فمنذ بداية الصراع، لم يكن التعامل مع العشائر قائمًا على خيار عسكري واحد؛ فقد تزامن القتال مع إبقاء باب الحوار مفتوحًا أمام كل فرع عشائري يختار التوقف عن القتال.
وتكشف تطورات ملف حوادلي أن الحرب لم تؤثر بالقدر نفسه في جميع فروع العشيرة؛ فالفروع التي تقطن على ضفاف النهر لم تتأثر بمعظم المواجهات، بينما تعرضت الفروع المرتبطة بمقديشو وبلدوين لأضرار وضغوط كبيرة نتيجة دخولها في الحرب، في ظل قيادات سياسية دفعت أبناء العشيرة إلى القتال مقابل الأموال والمناصب.
وبعد نحو أربع سنوات من الحرب، بدأت قطاعات من هذه الفروع تدرك، أن المعركة التي دخلتها لم تكن منفصلة عن حسابات سياسية أوسع، وأن كلفتها وقعت بصورة مباشرة على أبناء العشيرة. ومن هنا بدأ التحول الذي قاد في النهاية إلى التفاوض.
هيران لم تكن معركة معزولة

لفهم ما جرى في هيران عام 2022، يجب أن نضغ الحرب في إطار أوسع من حدود الصراع الصومالي الداخلي، وربطه بنموذج عسكري أمريكي سبق تطبيقه في العراق.
ففي عام 2014 نشر معهد الدراسات الاستراتيجية الأمريكي، المعروف اختصارًا بـSSI، دراسة تناولت استخدام القبائل باعتبارها أداة لمواجهة تنظيم القاعدة وفروعه. وكانت تجربة الأنبار في العراق من أبرز النماذج التي تناولتها الدراسة.
الفكرة الأساسية لذلك النموذج بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في آثارها العسكرية: بدل أن تتحمل القوات الأجنبية وحدها عبء الحرب البرية، يجري تحويل القوى المحلية إلى قوة مقاتلة واستخبارية، مستفيدة من معرفتها بالسكان والأرض والعلاقات الاجتماعية، بينما توفر لها القوة الخارجية التمويل والتسليح والدعم العسكري.
وبهذه الطريقة تستطيع القوة الأجنبية الحصول على أعداد كبيرة من المقاتلين، وتقليل خسائرها البشرية، وتخفيض كلفة الحرب، والاستفادة من المعرفة المحلية التي لا تستطيع القوات الأجنبية اكتسابها بسهولة.
الأنبار: النموذج الذي أرادت واشنطن تكراره

في محافظة الأنبار العراقية، دعمت الولايات المتحدة تشكيل ميليشيات عشائرية لمحاربة القاعدة، وحولت هذه القوات إلى قوة مشاة تشارك في العمليات العسكرية وتوفر المعلومات الاستخبارية.
وخلال الفترة من 2006 إلى 2008، تمكنت واشنطن من تجنيد نحو 91 ألف عنصر ضمن قوات الصحوة والقوى العشائرية المرتبطة بها.
ولم تكن أهمية هذه القوات في عددها فقط. فقد كان زعماء القبائل قادرين على الوصول إلى أبناء عشائرهم، ومعرفة المقاتلين وشبكاتهم وتحركاتهم، والتأثير فيهم، بل وإخراج بعضهم من صفوف التنظيمات الجهادية.
وتبرز إحدى الشهادات العسكرية الأمريكية أهمية استمالة الزعامات المحلية؛ إذ أُشير إلى أن تغيير موقف زعيم عشائري واحد كان كافيًا لوقف الهجمات التي كانت تستهدف القوات الأمريكية في منطقته.
كما شهدت الأنبار تراجعًا كبيرًا في العمليات المسلحة؛ إذ انخفض عدد العمليات الشهرية من نحو 1,350 عملية عام 2006 إلى نحو 200 عملية عام 2007.
وبالنسبة للولايات المتحدة، كان النموذج يحقق مجموعة من الأهداف في وقت واحد: قوة بشرية كبيرة، تكلفة أقل، خسائر أمريكية أقل، معرفة محلية بالأرض، وقدرة أكبر على اختراق البيئة الاجتماعية التي تعمل فيها الجماعات الجهادية، إضافة إلى تخفيف الضغوط السياسية الداخلية الناتجة عن سقوط الجنود الأمريكيين.
عندما انتقل نموذج الأنبار إلى الصومال

بعد تجربة العراق، لم يعد استخدام القبائل مجرد تجربة ميدانية عابرة، بل أصبح موضوعًا للدراسة داخل المؤسسات العسكرية والاستراتيجية الأمريكية، مع بحث إمكانية الاستفادة منه في بلدان إفريقية تواجه تنظيمات جهادية.
وفي حرب هيران عام 2022، ظهرت مؤشرات وتصريحات أمريكية شبّهت التحرك العشائري الصومالي بتجربة «صحوة الأنبار».
وهنا علينا أن نضع الأحداث في إطار أكثر اتساعًا: ما جرى في هيران لم يكن مجرد انتفاضة عشائرية محلية، وإنما محاولة لتطبيق نموذج سبق اختباره في العراق، ثم تطويره بما يتناسب مع البيئة الصومالية.
كما ارتبطت الحملة بدعم أمريكي مالي وعسكري، وإمدادات من الأسلحة، ودعم للميليشيات الصومالية والعشائر التي دخلت المواجهة.
الرهان على العشيرة
كان جوهر الرهان هو أن العشيرة يمكن أن تتحول إلى أداة حاسمة في الحرب. فهي تعرف الأرض، وتعرف السكان، وتعرف الروابط العائلية، وتستطيع تحديد من يقاتل ومن يوفر المأوى ومن يمتلك المعلومات.
كما أن استخدام القوة العشائرية يسمح للقوة الداعمة بتوسيع نطاق العمليات دون تحمل التكلفة البشرية والسياسية نفسها التي تترتب على نشر أعداد كبيرة من القوات الأجنبية.
لكن هذا الرهان يقوم على افتراض أساسي: أن العشيرة ستبقى ملتزمة بالدور الذي أُسند إليها، وهنا تظهر المشكلة.
العراق ليس الصومال

الخطأ الاستراتيجي، لم يكن بالضرورة في اكتشاف أهمية العامل العشائري، وإنما في افتراض أن تجربة نجحت في بيئة معينة يمكن أن تنتج النتيجة نفسها بمجرد نقلها إلى بيئة أخرى، فالأنبار ليست هيران، والعراق ليس الصومال، والعلاقات بين العشيرة والدولة والجيش والتنظيمات تختلف من مجتمع إلى آخر.
كما أن تجربة الأنبار نفسها لم تكن نتيجة تسليح القبائل فقط، بل كانت حصيلة ظروف محلية معقدة، وصراعات داخلية، ومصالح متغيرة، ودعم عسكري واستخباري وسياسي أمريكي وعراقي.
ومن ثم فإن نقل النموذج دون دراسة الاختلافات العميقة بين البيئتين يحمل في داخله احتمال فشل النموذج عند تغير الظروف.
من الحرب إلى طاولة التفاوض

في هذا السياق، يصبح اتفاق حوادلي مع حركة الشباب المجاهدين أكثر من مجرد اتفاق بين طرفين، حيث تعاملت الحركة مع الحرب والحوار باعتبارهما مسارين متوازيين: مواجهة من يواصل القتال، وفتح باب العودة لمن يقرر التخلي عنه.
وعندما بدأت قطاعات من حوادلي تعيد النظر في موقفها، لم يُغلق الباب أمامها، بل انتقلت العلاقة تدريجيًا من المواجهة إلى التفاوض.
وهنا تظهر أهمية الطريقة التي عوملت بها العشيرة بعد انتهاء القتال؛ إذ يمكن فهم ما لقيته من ترحيب وتكريم وتفهّم باعتباره جزءًا من سياسة تهدف إلى تحويل الخصم السابق من حالة المواجهة إلى حالة التفاهم. وبهذا المعنى، فإن اتفاق حوادلي مع حركة الشباب المجاهدين يمثل نهاية لمسار بدأ بالسلاح وانتهى بالتفاوض.
ما الذي تكشفه تجربة حوادلي؟

تكشف هذه التجربة، أن الرهان على تحويل العشائر إلى أداة حرب قد يحقق مكاسب عسكرية مؤقتة، لكنه لا يضمن السيطرة على خيارات العشيرة إلى الأبد.
فالعشيرة ليست قوة عسكرية مجردة يمكن تشغيلها وإيقافها متى شاء من يمولها، وإنما مجتمع له حساباته ومصالحه وذاكرته وتوازناته الداخلية.
وعندما تتراكم تكلفة الحرب، ويبدأ المجتمع في مراجعة دوافعها ونتائجها، يمكن أن يتغير اتجاهه السياسي والعسكري.
ومن هنا جاءت أهمية الحوار؛ فالضغط العسكري قد يفرض تغييرًا في ميزان القوى، لكن فتح باب التفاوض يوفر الطريق للخروج من الحرب.
الخلاصة: حين يفشل استنساخ النموذج
إن الحرب في هيران كانت جزءًا من محاولة أوسع لتوظيف العامل العشائري ضد حركة الشباب المجاهدين، مستلهمةً تجربة «صحوة الأنبار» التي استخدمتها الولايات المتحدة في العراق.
لكن التجربة الصومالية، كشفت حدود نقل النماذج العسكرية من بيئة إلى أخرى دون إدراك الاختلافات العميقة بين المجتمعات.
فالنموذج الذي نجح في الأنبار لم يكن مجرد وصفة عسكرية قابلة للنسخ؛ بل كان نتاج ظروف عراقية محددة.
ولهذا، فإن وصول حوادلي في نهاية المطاف إلى طاولة التفاوض جاء نتيجةً لمسار طويل من الحرب، ويُعدّ أيضًا دليلًا على أن توظيف الانقسام العشائري لتحقيق حسم نهائي كان أكثر تعقيدًا مما افترضه مخططو هذا الرهان.
محمد عبد الرحمن
