قصف دولو يفجّر زلزالًا سياسيًا.. شهادة مصابة وحطام صاروخ يناقضان رواية مقديشو وتركيا متهمة بمحاولة اغتيال اللواء شُب

أثار الهجوم الذي استهدف منزل اللواء مهد عبد الرحمن آدم، المعروف بـ«شُب»، في مدينة دولو بولاية جدو، موجة واسعة من ردود الفعل السياسية والشعبية، وسط اتهامات مباشرة لتركيا والحكومة الصومالية بمحاولة اغتيال القائد العام السابق لقوات مصلحة السجون الصومالية.

ووقع الهجوم ليلة الجمعة في دولو الواقعة على الحدود  المصطنعة بين الصومال وإثيوبيا؛ وهي مدينة تتمركز فيها قوات إثيوبية، بينما تتبع إداريًا لولاية جوبالاند.

وفور وقوع القصف، أصدرت إدارة جوبالاند ردًا شديد اللهجة، حمّلت فيه تركيا والرئيس حسن شيخ محمود مسؤولية استهداف منزل اللواء شُب، ووصفت الحادثة بأنها محاولة اغتيال سياسي خطيرة قد تدفع الخلاف بين مقديشو والولايات الإقليمية إلى مرحلة جديدة وأكثر تصعيدًا.

كما أدان «مجلس الإنقاذ»، الذي يضم غالبية القوى والشخصيات المعارضة، محاولة اغتيال اللواء شُب، الذي تولّى مناصب عسكرية وسياسية متعددة في الحكومة الصومالية وإدارة جنوب الغرب السابقة.

رواية حكومية تنفي القصف

ومع تصاعد الغضب السياسي خلال ساعات قليلة، أصدرت الحكومة الصومالية رواية نفت فيها وقوع غارة جوية، وزعمت أن الانفجار داخل منزل اللواء شُب نجم عن مواد متفجرة كان يجري إعدادها في الموقع.

وأثارت هذه الرواية استغرابًا واسعًا، إذ سارع شهود كانوا في المكان، وأُصيب بعضهم خلال الحادثة، إلى نفيها والتأكيد أن المنزل تعرض لقصف صاروخي من الجو.

كما أظهرت الصور الملتقطة من الموقع أضرارًا واسعة في المبنى، رأى خبراء ومحللون أنها تتوافق مع رواية الغارة الجوية التي أعلنتها إدارة جوبالاند منذ الساعات الأولى للهجوم.

مصابة تروي لحظة سقوط الصاروخ

وقالت امرأة تدعى سوبن، كانت من بين المصابين في القصف، في تصريح مقتضب أدلت به لوسائل الإعلام بعد تلقيها العلاج، إن ما أصاب المنزل كان صاروخًا أطلقته طائرة.

وانتقدت سوبن الرواية الحكومية التي تحدثت عن انفجار داخلي، مؤكدة أن الموجودين في المنزل عاينوا القصف الجوي بصورة مباشرة.

وسيطرت قضية دولو على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بينما حاول مؤيدو الحكومة الترويج لرواية الانفجار الداخلي. غير أن تداول صور حطام الصاروخ المستخدم في الهجوم أعاد توجيه الاتهامات نحو الطيران التركي.

حطام الصاروخ ومسيّرات «أقنجي»

وخضعت صور الحطام المتداول لتحليلات عبر منصات متخصصة في التحقق من الصور والمعدات العسكرية، وذهب ناشطون ومحللون إلى أن الأجزاء الظاهرة فيها تشبه بقايا صواريخ تستخدمها المسيّرات التركية، ولا سيما طائرات «أقنجي» القتالية.

واعتبر معارضو الحكومة أن ظهور حطام الصاروخ، إلى جانب شهادة المصابين وآثار الدمار في المنزل، يقوّض الرواية الرسمية التي نفت وقوع غارة جوية وتحدثت عن انفجار مواد كانت موجودة داخل الموقع.

القصف يصل إلى البرلمان

وخلال جلسة عقدها مجلس النواب في مقديشو، فرض نواب المعارضة مناقشة الهجوم الذي استهدف منزل اللواء شُب.

وقال النائب طاهر أمين جيسو إن ما حدث في دولو يفتح فصلًا جديدًا وخطيرًا في الصراع السياسي الصومالي، محذرًا من تكرار هجمات مماثلة ضد شخصيات معارضة أخرى.

ورأى جيسو أن استخدام الطيران العسكري في النزاعات بين الحكومة وخصومها السياسيين ينقل الأزمة من الخلاف السياسي إلى مرحلة قد تهدد الأمن والاستقرار في مختلف أنحاء البلاد.

احتجاجات في دولو وغربهاري

وشهدت مدينتا دولو وغربهاري تظاهرات شارك فيها مئات السكان احتجاجًا على التدخل التركي في الشؤون الصومالية، ولا سيما الغارات التي يتهمون أنقرة بتنفيذها في مناطق جنوب البلاد.

وردد المتظاهرون شعارات مناهضة لتركيا، واتهموها بأنها تحولت من دولة شريكة إلى طرف يهدد حياة الصوماليين واستقرار بلادهم.

وقال عبدي أحمد ليبو، وهو مسؤول سابق في إدارة عبد العزيز لفتاغرين ويوجد حاليًا في ضواحي بيدوا، إن تركيا تمارس أعمال عدائية داخل الصومال، مستشهدًا بالغارات التي اتهمها بتنفيذها ضد مدنيين وشخصيات سياسية.

وتوعد ليبو بإسقاط الإدارة القائمة في بيدوا والموالية للحكومة الصومالية، قائلًا إنها وصلت إلى المدينة تحت غطاء ودعم الطيران التركي.

اتهام حسن شيخ بإصدار أمر الهجوم

بدوره، اتهم النائب كلني جيس، الذي شغل منصب نائب مدير جهاز المخابرات خلال عهد الرئيس السابق محمد عبد الله فرماجو، الرئيس حسن شيخ محمود بإصدار أمر استهداف اللواء شُب بالتعاون مع الحكومة التركية.

ودعا جيس القوى السياسية والمجتمعية إلى مواجهة هذا النوع من الهجمات، محذرًا من تحوّل المسيّرات الأجنبية إلى أداة لتصفية الخصوم السياسيين داخل الصومال.

وتأتي هذه الاتهامات وسط تصاعد الانتقادات للدور العسكري التركي منذ عام 2025، عقب توقيع الحكومة الصومالية اتفاقيات نفطية مع أنقرة يقول معارضوها إنها تمنح الجانب التركي أكثر من 95% من عائدات أو إنتاج الموارد النفطية وفق تفسيرهم لبنودها.

ويرى منتقدو أنقرة أن تدخلاتها تتسارع مع اقتراب الصومال من مرحلة انتقال سياسي شديدة الحساسية، وأن استخدامها المفترض للطيران ضد شخصية معارضة يمثل تطورًا غير مسبوق في طبيعة حضورها العسكري داخل البلاد.

المسيّرات تدخل صراع السياسيين

ويقول محللون إن استخدام الطائرات المسيّرة في الصراعات بين السياسيين الصوماليين يمثل تحولًا جديدًا وخطيرًا، ويشبه أنماط الحروب الدائرة في السودان وإثيوبيا، حيث أصبحت المسيّرات سلاحًا رئيسيًا تستخدمه الأطراف المتنازعة ضد بعضها.

وسبق أن نفذت دول أجنبية منخرطة عسكريًا في الصومال غارات جوية أوقعت ضحايا وأثارت احتجاجات، لكن ما جعل هجوم دولو مختلفًا هو استهدافه قائدًا عسكريًا وسياسيًا معارضًا للحكومة، ويقود قوات تسعى إلى استعادة إدارة جنوب الغرب التي انتزعها الرئيس حسن شيخ محمود من عبد العزيز لفتاغرين.

وبذلك لم تعد قضية دولو مجرد هجوم على منزل اللواء مهاد شُب؛ بل تحولت إلى اختبار لطبيعة الدور التركي في الصومال، وسابقة تنذر بنقل الخلافات السياسية الداخلية من قاعات الحوار وساحات المواجهة البرية إلى حرب تُحسم بالصواريخ والمسيّرات الأجنبية.