كيف سُلبت إنسانيتي بين الضرب والابتزاز في “غودكا جيلعو “: شهادة يتصدع لها القلب لسجين من المحررين في عملية “نصرة المظلومين”
إخواني، أحييكم جميعًا بدايةً، أنا أحد السجناء الذين خرجوا من “غودكا جيلعو” يوم السبت الماضي. أود أن أشارككم قصتي عن الاعتقال، لكني أعتذر عن عدم ذكر اسمي هنا، لأن القصة التي سأتحدّث عنها تمسّ أمني وشخصي.
وأي جهة تهتمّ بمعرفة المزيدٍ من تفاصيل الضرر الذي لحق بي — كمنظمات حقوق الإنسان أو وسائل الإعلام — يمكنها التواصل معي عبر البريد الإلكتروني المدرج أدناه.
أنا طالب نشأت في ظروفٍ صعبة، لكني بجهدٍ ومثابرةٍ كبيرة كوّنت طموحاتٍ وآمالًا في الحياة وفي مسيرتي تعلّمت العديد من الحرف اليدوية وعملت بها.
وفي الوقت الذي كنت أتهيأ فيه لزواجي، تم اعتقالي في فبراير من هذا العام على شاطئ ليدو في مدينة مقديشو أثناء رحلة سياحية مع الفتاة التي كانت ستصبح زوجتي.
في ذلك اليوم، بينما كنا نستمتع على الشاطئ — وكنت من بين الحاضرين فيه — علمنا بوجود آبي أحمد وحسن شيخ محمود على سطح أحد المنازل غير بعيد عنا، وبوجود قواتٍ بلا رحمة تضغط علينا لأجل إرضاء آبي. لم يقبل من كان برفقتي توجيه المدح لآبي أحمد؛ بل على العكس من ذلك صرنا نصرخ ضد آبي أحمد، لأن الرئيس حسن شيخ كان قد خاطبنا مرتين وهو يصف ذلك الرجل بالعدو، وحذرنا من كونه يسعى للانتقاص منا. على أي حال، حدث أن قُتل شابٌ من بين الشباب هناك؛ وربما شاهدتم جثته على مواقع التواصل الاجتماعي وكيف اختلطت دماؤه بالمياه.
كنت بالقرب من مكان مقتل الشاب، على بُعد نحو مئة خطوة تقريبًا، أصبت برعبٍ شديد ولم أقدر على الحركة. حينها مرّت بقربي قوةٌ عسكرية فصرخت بصوتٍ عالٍ: «أأنتم صوماليون؟ ألا تملكون ضميرًا؟ ما الذي فعلتموه اليوم؟» في اللحظة التالية، هاجمني جنديان بالضرب واللفظ النابي، ثم صرخت الفتاة التي كانت ترافقني فتعرضت هي أيضًا للركل؛ ثم أمسكوا بي وبشابٍ آخر وجرّونا، وبعد أن أهانونا وفعلوا بنا ما فعلوا وضعوا عصابات على أعيننا وألقونا في سيارة، ثم نُقِلنا إلى “غودكا جيلعو”.
من ذلك اليوم وحتى الآن لم أُحضر محكمة، ورفضوا أن يسمحوا لي بلقاء أهلي، ودخلت في حالة من اليأس من هذا العالم، وهذا ما أجبرني على أن أدوّن ما حدث لي لأخفف عن نفسي بعضًا من الألم الذي يثقلني، ولكي أتكلم نيابةً عن كثيرين ممن لم تراع حقوقهم والذين عانوا كثيرًا داخل “غودكا جيلعو”.
قد تتساءل عند قراءة هذا النص: «لماذا لم يُخفِ هذا الرجل ما جرى له؟» والحقيقة أنني فكرت مرارًا أن أصمت، لكنّي مجبرٌ على الكلام لأن هناك احتمالًا أن يصل صوتي إلى من يستطيع أن يتدخّل — سواء أكانوا من الصوماليين أو الأجانب.
القصة التي مررت بها داخل السجن يمكن أن تُكتب في كتب؛ إنها سلسلة من الحكايات والعذاب الشديد الذي تعرّضت له ساعةً بعد ساعة، بدءًا من صباحٍ إلى صباحٍ آخر. لقد عشت عقابًا مستمرًا لمدة سبعة أشهر وأيام أثناء وجودي في الزنزانات.
في “غودكا جيلعو” كان يُحتجز معنا أشخاصٌ مشتبهٌ فيهم بأنهم من حركة الشباب وأناسٌ مثل حالي أُلقي القبض عليهم بشكلٍ عشوائي، بالإضافة إلى تجار يُطلب منهم مبالغ مالية وناسٌ لدى ذويهم أموال يطالبونهم بتقديم فدية. السجن مآسي مظلمة؛ عندما تدخله تشعر وكأنك في قبر: لا هواء كافٍ فتلهث لتتنفس، الغرفة ضيقة، مكانٌ منالمفترضٌ أن يسع عشرة أشخاص فقط لكننا كنا ندخله بعدد الخمسين. ثم الأرض ملوّثة بالبول والبراز، معظم الوقت نجبر على الوقوف، لا نوم ننتزع حقه، وأحيانًا يأخذوك في جوف الليل ويعذبونك.
ما زادني سوءًا أنني أُخرِجت للتعذيب أربع ليالٍ متتالية. في الليلة الأولى ظننت أني سيُفرَج عني فيها، لكنني تعرّضت للضرب الوحشي دون إخبارٍ أو تفسير. قلت لهم: «يا أخي، ما الذي فعلته لكم؟ لماذا تضربونني؟ أأنتم مسلمون؟» كان يضربني ستة رجال ورجلٌ وامرأةٌ هم بلا رحمةٍ إطلاقًا. بعد أن أُنهكت قواي ظلّوا يضربونني ثم سكبوا عليّ دلو ماءٍ مكوّن من ماءٍ عادي مخلطٍ بنفاياتٍ من “غودكا جيلعو” — ماء ذو رائحةٍ كريهة ومضافٌ إليه مواد قذرة وبول.
في ليلةٍ أخرى أعادوني ووجّهوني إلى رجالٍ يُسمون محقِّقين. قالوا لي: «نعلم أنّك لست من الشباب؛ من قبض عليكم أخبرَنا عنكم عند إحضاركم، وكانت لدينا معلوماتٌ مسبقة. لكن ما نريده منك هو أن تتعاون معنا؛ إن لمْ تفعل ستبقى في مكانٍ أسوأ من الليلة الماضية.» وقع عليّ ضغطٌ نفسي فقلتُ: «سأتعاون معكم» ظانًّا أن ذلك قد يخلصني من هذا العذاب ويمنحني فرصةً للهروب من السجن يومًا ما. قال لي رجلٌ عرفته بأنه رئيس التحقيق في “غودكا جيلعو”: «حسناً، لدينا موعد معكم الليلة القادمة».
عندما أعادوني إلى السجن والزنزانة، سألني جميع المساجين: «هل ضربوك هذه الليلة أيضًا؟ ماذا مرّ بك؟» فسردتُ لهم القصة وكيف جرت الأمور. عندها همسوا لي وقالوا: «لقد وقعْتَ الآن في فم الأسد، تراجع عن هذا الأمر، لأنك ستُقابل بعقابٍ أشد وستعرف ذلك.» خفتُ من نصيحتهم ولم أقرر أن أتنازل، لكن في الليلة التالية — الليلة الثالثة — نُوديَ عليّ. وأتتني المجموعة نفسها التي كان يقودها ذلك المحقّق. قالوا لي: «هل تسمع؟» فقلت: «نعم.» قالوا: «البارحة قبلت أن تتعاون مع جهاز المخابرات نيسا؛ أن تذهب إلى المكان الذي يُرسَلونك إليه وتؤدي المهمة التي يُكلَّفُونك بها. ما الذي تغيّر في قرارك؟» فأجبتُ بمرعَبٍ: «لا، لا.» ثم قال لي المحقّق: «بماذا نثق بك؟» فقلت: «أشهدُ» — فابتسم لي وقال: «دع لعبة الأيمان، تحدث بوضوح: قلْ، بماذا نثق بك؟» فأجبته: «لا أظن أن لدي ما أخبركم به، وليس لدي مالٌ أقدمه لكم لتضمنوا بقائي؛ أنا رجلٌ فقير بائس.» قال لي: «طالما ما زلت متمسكًا بقرارك فليس فيك بأس؛ إن لم تملك ما نثق به فلا بأس — نحن نمتلكه، والتعاون أهم من كل شيء.» فسألتُه: «ما الذي تقصدونه؟» أجاب: «رجالٌ سيأتون إليك. اتبعهم، ثم نجتمع ليلةً أخرى.» فقلتُ — وأنا مرعوب —: «حسناً».
ما حدث بعد ذلك أجد صعوبة في كتابته، وقد توقفت عن السرد عندما وصلت القصة إلى هذا الموضع، لأنني أرتعد من الفعل الشنيع الذي صدمني. على أي حال، أخذوني وأوصلوني إلى غرفةٍ فيها نساءٌ مغمى عليهنّ قد ألقين على الأرض ويبدو أنهنَّ في حالة غيبوبة أو إغماء متكرر. في الغرفة كانت هناك اثنين من الكامرات الكبيرة، الواضح للجميع؛ أن أولئك الرجال فعلوا بي فعلًا لا أجد وصفًا له بلغةٍ مناسبة، قاومتُ في البداية لكنهم تغلبوا عليّ، ثم ارتكبوا ضدي فعلًا خبيثا منافيًا للإنسانية وصوّروني.
في ليلةٍ أخرى نادَتني ذات المجموعة بقيادة المحقّق؛ عرضوا عليّ المقطع المصور، وبكيت في المكان عندما شاهدت ما وقع. قالوا لي: «هذا سرّ، لا نشارك به أحدًا؛ إنه الوثيقة التي نعتمد عليك بها. إن انجزت المهمة التي نكلفك بها فسنبقيك بأمان كما اتفقنا، وإن خنت العهد فإننا سننقض وعدنا وننشره على وسائل التواصل الاجتماعي.» لما قالوا ذلك ثار فيّ الحزن، ورميتُ بكأس ماءٍ كان أمامي وضربته، وقلت لهم: «أنتم قومٌ منحرفون لا دين لكم، ولن أعمل معكم مهما كنتم. افعلوا بي ما شئتم، فأنا رجُل ميتٍ قد دفنتم مستقبلي.» ضحكوا عليّ ثم أمروا بإعادتني إلى مكاني.
منذ ذلك الحين لم يفعلوا بي شيئًا آخر مباشرًا، بقيت في الزنزانة أبكي ليلًا ونهارًا، وأصابتني آلامٌ وأمراض — كلما أمضيت ساعةً ينزف ذهني ما حصل لي، وأبكي في أيِّ مكانٍ أكون فيه، حتى وأنا أؤدي الصلاة.
يا محاكِم الصومال، أنا رجل مسلم، أقسم لكم باسم الله، والله العظيم، في “غودكا جيلعو” يوجد مبتزون نساءٌ ورجالٌ قد اضطهدوا هناك وتعرّضوا للانتهاك. ومع أني تعرّضت لذلك، إلا أني كنتُ أرجو أن أنجو من هذا العذاب المستمر؛ صلّيتُ كثيرًا يوم الجمعة وليلة السبت راجيًا الخلاص من السجن. وفي مساء يوم السبت وقع أمرٌ لم أتوقعه: إذ سمعنا نحن السجناء جميعًا صوت انفجارٍ ضخم، وبعد دقائقٍ اقتحمتْ علينا فرقةٌ تابعة لحركة الشباب المجاهدين وأخذتْنا. وتمكنت من تحريرنا وفك قيودنا.
كان لي الحظ أن أكون من بين الكثيرينٍ الذين أُطلق سراحهم من السجن. تعرّفتُ عن كثب على جانبٍ من صفوف حركة الشباب في تلك الليلة؛ ركضتُ والرصاص يَطِير من حولي، وامتلأ قلبي بالغضب. رأيتُ بعض الذين دخلوا معي يُقتل بعضهم في مكاتبهم، تمنيتُ لوهلة أن أمسِك بسلاحٍ وأقاتلُ مع مقاتلي الشباب لأنتقم، لكنني لم أكن أعرف كيف أطلق النار أو من أين، ولم أكن أعرف المكان، ومع ذلك رأيتُ سجناءً يقاتلون مع مقاتلي الشباب.
الحمد لله، الآن أنا حرّ، لكن ما يؤلمني هو أن ما حلَّ بي كان أبشع مما حلّ بكثيرين ممن لم أُشرْ إلى ما لحق بهم؛ من بينهم الفتيات اللائي رأيتهنَّ مغمى عليهنّ ليلاً، ورجالٌ آخرون قيل لي إنهم تعرّضوا لاعتداءات، وبعضهم من الأطفال. يؤلمني أيضًا خوف غضب الله على هذا البلد إن لم يُتَّخذ موقف ضد السجانين ورجال المخابرات في “غودكا جيلعو”. إذا وصلت رسالتي إلى الرئيس حسن فأقول له أن يُنصف المظلومين — وأنا في مقدمتهم — وأن يُحاسب من ارتكبوا هذه الأفعال بقلوبٍ لا تعرف الرحمة. أطلب من كل شخصٍ صاحب ضمير ومنظمات حقوق الإنسان أن يساعدوني في الوصول إلى حقي وأن أحصل على قِسطٍ من العدالة أو حتى أن أنال بعض الانتقام. أنا رجلٌ مُظلوم، وآمل أن لا أموت قبل أن يخفّ غضبي ويهدأ ما في قلبي إن شاء الله.