كينيا تتحدى حصانة الجيش البريطاني وتفتح ملف عقود من الانتهاكات

تتصاعد في كينيا معركة قانونية وسياسية لمحاسبة الجيش البريطاني على اتهامات تعود إلى عقود، بعدما ظلت قضايا تتعلق بالقتل والاعتداءات الجنسية والإصابات والذخائر غير المنفجرة والأضرار البيئية عالقة خلف جدار الحصانة السيادية. ويتركز جانب كبير من هذه الاتهامات على وحدة التدريب التابعة للجيش البريطاني في كينيا، المعروفة باسم BATUK، والتي تواصل تدريب آلاف الجنود البريطانيين سنوياً في شمال البلاد.

وتعود جذور الوجود العسكري البريطاني في كينيا إلى اتفاق دفاع أُبرم عام 1964، بعد أشهر من استقلال البلاد، وسمح للقوات البريطانية بمواصلة التدريب على الأراضي الكينية. وبعد ستة عقود، أصبحت الوحدة جزءاً ثابتاً من المشهد العسكري في منطقتي لايكيبيا وسامبورو، حيث تدرب نحو 10 آلاف جندي سنوياً.

لكن استمرار الوجود العسكري البريطاني ترافق، بحسب شهادات سكان وتحقيقات وبرلمانيين كينيين، مع سجل طويل من الشكاوى التي لم تصل في كثير من الحالات إلى المحاكم.

مقتل مانتوي.. قضية ظلت بلا إجابة

من بين أكثر القضايا إثارة للجدل قصة مانتوي ليكولوي كاوندا، التي كانت في السادسة عشرة من عمرها وحاملاً عندما كانت ترعى الماشية مع شقيقتها نولدونيو بيرو في تسعينيات القرن الماضي.

تقول بيرو إن جنوداً بريطانيين اقتربوا منهما، وإن أحدهم اعتدى عليها وضربها وكسر ذراعها قبل أن يعتدي عليها جنسياً، بينما وجدت شقيقتها لاحقاً ميتة. ويقول والد الشقيقتين إنه عثر على جثة مانتوي وبالقرب منها آثار أحذية لجنود.

لم يُتهم أحد بقتل مانتوي، وظلت القضية لسنوات مدفونة في صمت، قبل أن يعاد فتحها خلال تحقيقات لاحقة. وفي عام 2004، سمحت الأسرة باستخراج الجثمان، رغم الحساسية الثقافية الكبيرة المرتبطة بذلك لدى مجتمع سامبورو.

وأظهرت الفحوصات وجود سبعة كسور غير ملتئمة في أضلاع مانتوي، بينما عُثر قرب القبر على بطارية عسكرية بريطانية الطراز. كما كان المحققون الكينيون قد أشاروا إلى أنهم يأملون في الحصول على عينات من الحمض النووي لجنود كانوا يتدربون في المنطقة في ذلك الوقت.

لكن التحقيق توقف دون توجيه اتهامات.

وفي عام 2006، قالت وزارة الدفاع البريطانية إن عملية التحقيق، المعروفة باسم Operation Tasker، لم تجد أدلة موثوقة تدعم أي اتهام، كما لم تُجرَ اختبارات للحمض النووي على 69 طفلاً مختلط العِرق قالت أمهاتهم إنهم وُلدوا نتيجة اعتداءات مزعومة من جنود بريطانيين.

ولا تزال أسرة مانتوي، بحسب المادة، تقول إنها لم تحصل على تقرير التشريح ولم تعرف ما إذا كانت فحوصات الطب الشرعي قد اكتملت.

آلاف الاتهامات وتحقيق لم ينتهِ إلى محاكمات

قضية مانتوي ليست الوحيدة. ففي عام 2003 تقدمت مئات النساء من قبيلتي الماساي والسامبورو بادعاءات تتعلق باغتصابهن من قبل جنود بريطانيين، ما دفع الشرطة العسكرية الملكية البريطانية إلى إطلاق عملية Tasker للتحقيق.

وبحلول عام 2004، كانت العملية قد سجلت أكثر من 2000 ادعاء بالاغتصاب والعنف الجنسي يتعلق بجنود بريطانيين خلال العقود الأربعة السابقة.

لكن العملية انتهت من دون ملاحقة قضائية، ولم تؤدِّ تلك الادعاءات إلى محاكمات لجنود بريطانيين.

وفي المقابل، تقول منظمات ونشطاء كينيون إن المشكلة لا تقتصر على الاعتداءات الجنسية، بل تشمل أيضاً القتل والإصابات الخطيرة والذخائر غير المنفجرة وحوادث المركبات والأضرار البيئية، إضافة إلى أطفال تقول أمهاتهم إن جنوداً بريطانيين تخلوا عنهم بعد ولادتهم.

معركة الحصانة السيادية

لعقود، استند الجانب البريطاني إلى مبدأ الحصانة السيادية، الذي يمنع دولة من الخضوع لمحاكم دولة أخرى في ظروف معينة. وكان هذا المبدأ أحد أهم العوائق أمام محاولات الضحايا الكينيين الوصول إلى القضاء.

لكن المحامي الكيني كيلفن موغامي كوبي بدأ في تحدي هذا المبدأ.

كوبي، البالغ من العمر 29 عاماً، ينحدر من عائلة لها تاريخ طويل مع الاستعمار البريطاني؛ فجده موسى مورياما كان أحد قادة حركة الماو ماو التي قاتلت القوات الاستعمارية البريطانية.

وفي عام 2022، رفع كوبي دعوى جماعية ضد BATUK نيابة عن سكان تضرروا من حريق اندلع عام 2021 خلال تدريب عسكري بريطاني في محمية لولدايغا، وأحرق نحو 12 ألف فدان من الأراضي والمراعي والمحاصيل وأدى إلى نفوق ماشية وانتشار الدخان في المجتمعات المجاورة.

رد الجيش البريطاني بالدفع بالحصانة السيادية، لكن المحكمة الكينية رفضت هذا الدفع.

واستند كوبي إلى اتفاق التعاون الدفاعي بين البلدين، ولا سيما المادة السادسة، التي تمنح كينيا الاختصاص في الجرائم التي يرتكبها أفراد القوات البريطانية، مع استثناء الأفعال التي تقع ضمن “الواجب الرسمي”، في حين يستثني الاتفاق صراحة الجرائم الجنسية والتعذيب والعبودية والسرقة من اعتبارها أعمالاً رسمية.

كما تنص المادة 11 على اختصاص كينيا في المطالبات المدنية الناشئة داخل أراضيها، وعلى التزام بريطانيا بدفع تعويضات مناسبة في الحالات التي تثبت فيها مسؤولية قواتها.

وفي مارس/آذار 2022، قضت القاضية أنتونينا كوسي بور بأن بريطانيا تنازلت عن حصانتها بالقدر المنصوص عليه في الاتفاق، ورفضت اعتبار الحريق الضخم عملاً سيادياً أو جزءاً طبيعياً من التدريب العسكري.

ورغم أن المحكمة طلبت من المدعين أولاً استنفاد آلية اللجنة الحكومية المشتركة المنصوص عليها في الاتفاق، فإن الحكم شكّل تحولاً مهماً، لأنه أظهر أن الحصانة البريطانية ليست بالضرورة حاجزاً مطلقاً أمام القضاء الكيني.

تعويضات بالملايين.. لكن من دون اعتراف بالمسؤولية

بعد سنوات من الإجراءات، وافقت بريطانيا العام الماضي على دفع 2.9 مليون جنيه إسترليني، أي نحو 4 ملايين دولار، إلى 7723 شخصاً متضرراً من حريق لولدايغا.

لكن التسوية لم تتضمن اعترافاً بريطانياً بالمسؤولية عن الحريق، وبلغت بعض المدفوعات نحو 22,500 شلن كيني، أي قرابة 175 دولاراً.

وبحسب نشطاء، توفي نحو 50 من المطالبين المسنين أثناء انتظار انتهاء المسار القانوني.

ومع ذلك، فإن القضية أسست لمبدأ مهم بالنسبة للضحايا: وجود ظروف يمكن فيها إخضاع الجيش البريطاني للمساءلة أمام المحاكم الكينية.

قضية أغنيس وانجيرو تفتح جبهة جديدة

برزت قضية أخرى أكثر حداثة في ملف المساءلة، وهي قضية أغنيس وانجيرو، وهي أم تبلغ من العمر 21 عاماً شوهدت آخر مرة عام 2012 في فندق بمدينة نانيُوكي برفقة جنود بريطانيين.

وعُثر على جثتها بعد شهرين داخل خزان للصرف الصحي، فيما خلص تحقيق قضائي كيني عام 2019 إلى أنها قُتلت بصورة غير قانونية على يد جندي أو أكثر.

وفي العام الماضي، وجهت محكمة كينية اتهام القتل إلى الجندي البريطاني السابق روبرت جيمس بوركيس وأصدرت مذكرة توقيف بحقه. وينفي بوركيس الاتهام، وقد اعتُقل لاحقاً في بريطانيا ويخوض معركة قانونية ضد تسليمه إلى كينيا.

وفي حال تسليمه ومحاكمته، فقد يصبح أول جندي بريطاني سابق أو حالي يواجه محاكمة خارج بريطانيا بتهمة قتل في هذا السياق.

ضحايا الذخائر والحوادث

لا تقتصر شكاوى السكان على الجرائم التي يُتهم فيها أفراد من الجيش مباشرة.

ففي عام 2007، قُتل روبرت سوارا سيوري، البالغ من العمر 28 عاماً، بعدما عاد إلى منزله من منطقة التدريب حاملاً جسماً معدنياً ثقيلاً ظنه شمعة. انفجر الجسم، فقتل سيوري ودمر منزل عائلته وأصاب جدته وعمته إيرين كيبساغ.

وبحسب تحقيق البرلمان الكيني، كانت التحذيرات من عدم نقل الأشياء من مناطق التدريب مكتوبة باللغة الإنجليزية، وهي لغة لم يكن سيوري يفهمها.

وقالت عمته إنها تعرضت لأضرار في السمع وفقدت منزلها، بينما حصل والد القتيل على تعويض بصفته الوصي القانوني، ولم تحصل هي وجدته على تعويض مباشر.

أما تشارلز نغاري، فقد كان في السابعة عشرة من عمره عام 2010 عندما ساعد جنوداً بريطانيين في تحرير مركبة عالقة. وعندما تحركت المركبة، انحشرت ساقه وأصيب بإصابة دائمة.

وبحسب تقرير البرلمان، اتُّهم أفراد من BATUK بتقديم روايات مضللة للمحققين بشأن الحادث، وهو ما تنفيه وزارة الدفاع البريطانية وتقول إن المواد المتاحة لديها لا تثبت ذلك.

ورُفضت مطالبة نغاري بالتعويض عام 2018 بسبب انقضاء المهلة القانونية.

ابنة فقدت ساقها وقضية لا تزال معلقة

وفي عام 2019، تعرضت تشاولا، التي كانت مراهقة آنذاك، لحادث دهس قالت إنها تعرضت له من مركبة تابعة لـBATUK أثناء عبورها الطريق.

أدى الحادث إلى بتر ساقها وإصابات دائمة، وتقول والدتها إن ابنتها أمضت قرابة ثلاث سنوات في المستشفى.

تقول الأم إن ممثلاً عن BATUK اعتذر في البداية وعرض التكفل باحتياجات ابنتها، لكن التواصل انقطع لاحقاً. وتقول وزارة الدفاع البريطانية إنها لم تعثر على سجل يؤكد زيارة ممثل للوحدة للأسرة، لكنها أقرت بأن BATUK على علم بالحادث وأن عرضاً للتعويض قُدم عبر جهات قانونية.

في المقابل، قالت اللجنة الوطنية الكينية لحقوق الإنسان إنها لم تدخل في مفاوضات مباشرة مع BATUK بشأن القضية.

وتكشف هذه القضية، بحسب المادة، عن مشكلة أوسع: حتى عندما توجد قنوات رسمية للشكاوى، فإن الضحايا الفقراء في المناطق الريفية يجدون صعوبة في الوصول إليها ومتابعتها.

البرلمان الكيني يدخل على الخط

في العام الماضي، وضع تقرير للجنة الدفاع في البرلمان الكيني، من 94 صفحة، عقوداً من الاتهامات ضد BATUK في السجل الرسمي.

وتضمن التقرير شهادات عن إطلاق النار على راعٍ، واغتصاب جماعي مزعوم لنحو 30 امرأة عام 1997، وفقدان طفل ذراعيه وعينه بسبب ذخيرة غير منفجرة، إضافة إلى نساء قلن إنهن أنجبن أطفالاً من جنود بريطانيين لم يعترفوا بهم.

ورفضت BATUK المثول أمام اللجنة، مستندة إلى وضعها القانوني والحصانات التي تتمتع بها بموجب ترتيبات الدفاع.

وانتقدت اللجنة هذا الموقف بشدة، واعتبرت أن الوحدة باتت تُرى بصورة متزايدة كـ”وجود احتلالي” بدلاً من كونها شريكاً في التنمية، كما ربط بعض السكان بين الانتهاكات المزعومة والممارسات التي تعود إلى الحقبة الاستعمارية.

في المقابل، تقول وزارة الدفاع البريطانية إنها تأخذ المخاوف التي تثيرها السلطات والمجتمعات الكينية بجدية، وإنها تعمل على قضايا المساءلة القانونية والمعايير الأخلاقية وحماية البيئة والمسؤولية الاجتماعية.

الخلاف يصل إلى اتفاق الدفاع

امتد النزاع أيضاً إلى الاتفاق الذي ينظم الوجود العسكري البريطاني في كينيا.

فالاتفاق الدفاعي لعام 2015 انتهى في 2021، ووقع البلدان اتفاقاً بديلاً في يوليو/تموز من العام نفسه. لكن البرلمان الكيني وافق عليه بصورة مشروطة عام 2023، مطالباً بإضافة جريمة القتل إلى الجرائم التي تكون للمحاكم الكينية فيها الولاية الأساسية.

بريطانيا لم تقبل هذا الشرط، ولذلك لم تستكمل كينيا إجراءات التصديق على الاتفاق الجديد، وبقي الإطار القانوني المنظم للوجود العسكري البريطاني موضع نزاع.

وتقول بريطانيا إن التعاون الدفاعي ما زال محكوماً باتفاق 2015، الذي مُدد بالتراضي إلى حين دخول اتفاق 2021 حيز التنفيذ.

وهكذا أصبحت مسألة الولاية القضائية على جرائم القتل نقطة خلاف رئيسية بين البلدين.

من إرث الاستعمار إلى معركة في المحاكم

بالنسبة إلى كوبي، لا تتعلق القضية بحادث منفرد، بل بسؤال أكبر عن علاقة القوة بين جيش أجنبي وسكان محليين يفتقر معظمهم إلى الموارد اللازمة لمواجهة مؤسسة عسكرية قوية قانونياً ومالياً.

وفي مناطق سامبورو ولايكيبيا، يعيش كثير من المتضررين من نشاط BATUK في مجتمعات رعوية فقيرة، بعيدة عن المحاكم، ولا توجد فيها مكاتب محلية دائمة لتلقي الشكاوى.

لذلك يطالب كوبي بإنشاء مكتب دائم للمطالبات في نانيُوكي، على غرار مكاتب بريطانية موجودة في قبرص وألمانيا، بحيث يستطيع السكان تقديم شكاواهم مباشرة، إضافة إلى إنشاء صندوق لتمويل المحامين الذين يتولون الدفاع عن الضحايا غير القادرين على تحمل تكاليف التقاضي.

وفي أغسطس/آب، خرج ناجون وأسر أشخاص متضررين وسكان من المناطق المتأثرة بمسيرة إلى البرلمان في نيروبي، مطالبين بعدم التصديق على اتفاق الدفاع قبل معالجة الانتهاكات الموثقة.

وتبقى المعركة غير متكافئة: من جهة جيش بريطاني يمتلك موارد قانونية كبيرة، ومن جهة أخرى ضحايا يقول محاموهم إن بعضهم لا يملك حتى تكلفة السفر إلى المحكمة.

لكن ما تغير خلال السنوات الأخيرة هو أن الحصانة التي بدت لعقود حاجزاً لا يمكن اختراقه أصبحت موضع طعن أمام القضاء والبرلمان والرأي العام.

وبينما لا تزال قضايا عديدة بلا حسم، يرى كوبي أن المعركة الحالية امتداد مختلف لنضال جده ضد الاستعمار؛ فالميدان تغير من غابات جبل كينيا إلى أروقة المحاكم، لكن السؤال نفسه بقي قائماً: هل يمكن للقوة العسكرية الأجنبية أن تعمل داخل دولة مستقلة من دون أن تخضع للمساءلة عندما يتضرر المدنيون؟