مجلة صدى الملاحم (20): الجهاد في شرق إفريقيا، الخلفية التاريخية والواقع وآفاق المستقبل

المقال التالي نشر في مجلة صدى الملاحم العدد 20، لتنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب.


بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

يعيش الثغر الجنوبي للعالم الإسلامي في شرق إفريقيا اليوم، معركة مصيرية في التصدي للحملة الصهيوصليبية على ديار الإسلام. وقد أبلى فيها المجاهدون البلاء الحسن منذ قرابة العقدين من الزمان، لا تفتر لهم همة ولا ينكسر لهم عزم في دفع تحالف مسعور من الصهيوصليبيين والمرتدين والمنافقين، وترسانة وسلسلة مكائد ودسائس تقطر خبثا وحقدا.

كل هذا تصدى له فرسان الإسلام بفضل التمسك الذي لا يقبل المساومة بمنهج السلف الصالح، على التوحيد والسنة وما كان عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأئمة السنة ومن اتبعهم بإحسان.

ثم بالاستجابة لأمر الله تعالى، بالجمع والإعداد وإقامة فريضة الجهاد والزهد في الدنيا وتحكيم شريعة الله تعالى ووحدة صف كالبنيان المرصوص ووضوح هدف “حتى يكون الدين كله لله”، لا تأخذهم في ذلك لومة لائم.

ففتح الله عليهم أرضا شاسعة تحكم بشريعته، ومكّن لهم فيها رغم تباين هائل بين قوى الأعداء وقوة المجاهدين. وإن للتمكين سننا وامتحانات صدق، ولله الأمر تعالى في كل صراع ومراغمة.

خلفية تاريخية

لقد عرفت أرض شرق إفريقيا الإسلام مبكرا جدا بعد البعثة النبوية مع هجرة الصحابة رضي الله عنهم وزوجاتهم، وكانوا أول نواة أسست للدعوة للإسلام قبل 14 قرنا، وأثمرت جهودهم العظيمة بانتشار دعوة الإسلام في كامل المنطقة وقيام دول إسلامية على طول الساحل الشرقي للقارة، ازدهرت وأشرقت بالسيادة والتمكين، ولكنها أيضا دخلت في ملاحم الدفاع عن الإسلام من طغيان النصارى الأحباش، ودارت معارك مصيرية شهدت فصول التضحيات والجهاد والشهادة، وشهدت كذلك التفاصيل نفسها التي نعيشها اليوم من تحالفات الكفر على المسلمين، فتوارث راية الجهاد فارس قائد بعد فارس قائد في سلسلة وفاء وإباء، لمقارعة عدوان قوى الاحتلال.

يقول الشيخ علي محمود راجي، المتحدث الرسمي لحركة الشباب المجاهدين، عن حقبة الجهاد المهيبة هذه في إحدى إصدارات الكتائب: “من خلال تصفحنا لتاريخ الصومال، نرى أن أهل الصومال قديمًا كانوا يوصفون بحبهم الشديد لدينهم والتزامهم بتعاليمه السامية. كانوا يعرفون بالغيرة والحماسة الدينية، بهذه السجايا الكريمة، وصفهم المؤرخون من الكفار المحتلين وغيرهم. وصفوهم بالتمسك بالإسلام واعتزازهم بدينهم وأنهم لا يقبلون الدنية في دينهم”.

وأضاف: “كانوا على الفطرة أهل أنفة وإباء يبغضون الكافر المحتل ويرفضون أدنى صور الرضوخ له ولا يقبلون منه الذلّ والاستعباد، ولهذا لما اجتاحت دول أوروبا الصليبية إنجلترا وإيطاليا، القرن الإفريقي، ثار الصوماليون وقاموا بجهاد مسلح وكفاح دامي ضد الغزاة المحتلين”، لقد ”شهدت جميع مناطق الصومال نصيبها من الجهاد ضد المحتلين الصليبيين ولم تتخلف معظم المناطق عن مقارعة المحتلين. ففي معظم المناطق وصلت جذوة الجهاد وقام أهلها لنصرة الدين وتحرير البلاد من الغزاة الصليبيين. وكان من فضل الله تعالى على المسلمين في هذه الحقبة أن أخرج لهم قيادة باسلة قادت قافلة الجهاد في أحلك الظروف، ومن هؤلاء العظام الذين أخلد التاريخ ذكرهم بصفحات من ذهب، الشيخ بشير يوسف تقبله الله”.

 والشيخ بشير -رحمه الله- قائد مجاهد باسل، وفارس نبيل جرّع المحتل البريطاني مرارة الحرب في الأقاليم الشمالية للصومال.

فسطر الشيخ صفحة ناصحة من الجهاد الأبي ضد المحتل الإيطالي، لقّنهم خلاله دروسا حفرها التاريخ باعتزاز، حيث تصدى رحمه الله تعالى – للحملات التوسعية التي شنّها نصارى الحبشة بقيادة ملكهم “منيلك الثاني” على جنوب الصومال. وتمكن من دحر قواتهم في المعركة التي اشتهرت باسم  “قمر شيل” عام 1905 هـ.

وهكذا كان دوما الثغر الجنوبي للعالم الإسلامي معطاء، يقدم النماذج الأبية لفرسان الإسلام كلما هتف المنادي “يا خيل الله اركبي”.

ومن أمثلة هذا العطاء، جهاد الملا سيد عبد الله محمد حسن وحركة الدراويش التي انطلقت من مدينة “بربرا” ضد الاحتلال البريطاني والإيطالي الخبيث، حيث بدأت شعلتها من موقف تاريخي يستوجب التأمل!

لقد شاهد سيد عبد الله محمد حسن المحتل البريطاني يعلم أطفال المسلمين الإنجيل المحرّف. ففزع من هذا المشهد وترك في نفسه أثرا مؤلما، فأخذ حجرا ورمى به جنديا بريطانيا كان على مقربة منه. فاستغرب الكافر وسأل من حوله لم ضربني هذا الرجل؟ وهو يعني السيد محمد عبد الله حسن، فأجابه المارون بأنه مجنون.

يقول سيد عبد الله محمد حسن، الذي لقب بعدها بالملا المجنون: “يا رب هذا ما أقدر عليه اليوم”.

وبرميه هذا الحجر بدأت حركته الجهادية ضد المحتل الصليبي.

يقول المؤرّخ الصومالي جامع عمر عيسى – رحمه الله- حين تناول الحديث عن هذا القائد الصومالي الفذّ: “انتقل السيد محمد عبد الله حسن من مدينة “بربرا” برفقة بعض العلماء فمروا على قرية إسمها “ديمولي” وكان بهذه القرية مدرسة للأطفال يديرها الاحتلال الفرنسي، فبينما هم في القرية دعا السيد محمد أحد الطلبة في المدرسة وسأله عن اسمه، فأجاب الطالب اسمي “جون فاثر”.

فقال له السيد ماذا كان اسمك الأول قبل تغييره فأجابه الطالب أنه كان يدعى “محمد”. فتأوّه السيد حزنا والتفت من حوله وقال: ألا ترون كيف مزّقت هويتنا الإسلامية وضربت أمواج النصرانية في بلادنا”.

وأضاف المؤرخ الصومالي: “لم يمكث في هذه القرية كثيرًا فسار حتى وصل إلى مدينة ”شيخ”، وبدأ يحرض المسلمين على الجهاد ومقاومة الاحتلال الصليبي”.


لقد أفشلت حركة الدروايش مؤتمر برلين (1884م) الذي كان يهدف إلى تقسيم بلاد المسلمين، حيث قررت الدول الأوروبية الكبرى بعد هذا المؤتمر، إرسال جيوشها إلى منطقة القرن الأفريقي لاحتلال هذه المنطقة الاستراتيجية في العالم، فكان ينتظرهم ما لم يكن في حسبانهم، حيث تصدى السيد محمد عبد الله للاحتلال البريطاني وأرّق مضاجعهم ومنعهم من تنفيذ مآربهم في الصومال وشرق إفريقيا عموما في وقت كانت الإمبراطورية البريطانية في عز أيامها. كل ذلك بما تيسر لهم وما استطاع جمعه من قوة وسلاح بدائي وضعه بيد مقاتلين يحبون الموت أكثر مما يحب أعداءهم الحياة.

يقول الشيخ مختار أبو الزبير أمير حركة الشباب المجاهدين السابقين عنه: “لم يقاوم سيد محمد حسن الاحتلال البريطاني فحسب بل جاهد المرتدين والقبائل التي والت المحتل الصليبي كما جاهد الاحتلال الإيطالي ونصارى الحبشة وهذه المعارك كلها موثّقة في أشعاره”.

ولعل مما يشير لمدى تأثير انتصارات الدروايش في المحتلين إلى يومنا هذا، ما قاله المندوب السابق للأمم المتحدة إلى الصومال “نيكولاس كي” وهو يستهزأ بالصوماليين. وذلك حينما كان يسلم المنصب إلى “مايكل كيتن”، وكان بجنبه الرئيس الصومالي العميل المرتد “حسن شيخ”. فقال المندوب مستهزأً: يذكر التاريخ بأن الصوماليين كانوا أهل أنفة ونخوة أما اليوم فقد زالت أنفتهم.

فهو يشير بذلك لبطولات الدراويش في زمن مضى.

وكيف ينسون بطولات المجاهدين مهما ابتعدت في التاريخ ولا يزال مقتل القائد البريطاني “ريتشارد كور فيلد” آنذاك مصيبة وقعت على المحتلين كسرت غرورهم كما لا يزال المجاهدون اليوم يكررون سحق القادة الكافرين بنفس العزيمة والأمانة.

ولم يتغير حال الأنفة بحمد الله، منذ الأمس إلى اليوم، ولا يزال يخلف القادة المجاهدين قادة مجاهدون، فيعجزون قادة الكفر والردة الذين يخلفهم بدورهم قادة كفر وردة آخرون، وتستمر الحرب العالمية على الإسلام كما وصفها رئيسها السابق “جورج بوش الإبن” بأنها “حرب صليبية” لتؤكد عظمة هذا الدين، فثلة قليلة ثابتة تصارع إمبراطورية كفر وشر متجبرة، وتصمد وتثبت وتثخن في أعدائها! بفضل “الله أكبر”!


لماذا يخشى النصارى قيام دولة مسلمة في الصومال؟

لقد شهد تاريخ شرق إفريقيا حركات مجاهدة متعددة منها جهاد سلطنة “عدل”. التي استقوت وضمت إليها الصومال وأجزاء من الحبشة وأطلقت هجماتها على الأحباش النصارى بعد سيطرتها على البحر الأحمر وتأسيسها لأسطول قاعدته مدينة “زيلع”.

وكانت ردة فعل النصارى تجاه هذا الصعود الإسلامي في المنطقة تماما كما يحدث اليوم، وهي إرسال الجيوش البرتغالية استجابة لنداء الاستغاثة من نصارى الأحباش رغم اختلاف المعتقدات الكنسية بين البرتغال الكاثوليكية والحبشة الأرثوذكسية.

ولم تتمكن هذه الجيوش من هزيمة سلطان عدل آنذاك الإمام “محمد بن إبراهيم جوري” بسهولة، فقد فتح الله له الأرض ووصلت حدود دولته إلى حدود السودان ودخل الناس أفواجا للإسلام في الحبشة، وشهدت المرحلة أكبر نسبة تحول للنصارى للإسلام وسرعة استجابة بالخروج من الظلمات إلى النور، مما أثار الرعب في قلوب الرهبان والقساوسة وقادة الجيوش الصليبية.

فحشدوا وجمعوا كيدهم بكل ما أمكنهم واستمرت المعارك والتدافع حتى أنهى الإمام أحمد جوري سيرته بالاستشهاد في معركة ضارية انتصر في بدايتها ثم قتل، ووجدت جيوش البرتغال بعد استشهاده رحمه الله، الباب مفتوحا واسعا أمام الحملات الصليبية المعاصرة التي توسعت بمساعدة مملكة الحبشة النصرانية وبخيانة الحكومات العميلة المرتدة التي بلغت دركات مخزية في مناصرة العدو الصليبي وإعانته على احتلال ديار المسلمين.

ولهذا يخشى النصارى اليوم في إثيوبيا وساسات الغرب الصليبيين من قيام دولة إسلامية في الصومال، تعيد أمجاد الإمام أحمد جوري وتبسط الدعوة الإسلامية في كل المنطقة وتهزمهم بقوة الحجة وقوة السلاح، خاصة بعد الفشل الذي منيت به حركة التبشير الكاسدة في هذه الأرض العصية على الكفر.


الحركات الإسلامية الجهادية استجابة طبيعية

لقد رافق مرحلة الاستقلال الشكلي للدول في إفريقيا وبقاء وكلاء الاحتلال في سدة الحكم، الفوضى السياسية والاضطهاد للمسلمين وفرض قوانيين العلمانية في الصومال وكينيا وإثيوبيا وتنزانيا ووسطِ إفريقيا. وإبقاء الجميع في شباك الهيمنة الغربية.

 فكانت الاستجابة الطبيعية التي شهدتها حقبة التسعيناتِ هي انطلاق نشاط الحركات الإسلامية الدعوية والجهادية بما استطاعت من قوة، وتزامنت هذه الانطلاقة مع انتقالِ الشيخِ الإمام المجاهد، أسامةَ بنِ لادنٍ  – رحمه الله – وإخوانِه للسودانِ، فبدأ اهتمامُه بشرقِ إفريقيا، والتقى بعددٍ من زعمائِها المجاهدين مثل الشيخِ حسنِ حرسي رحمه الله، وأرسل كبارَ إخوانِه -مثل الشيخِ أبي عبيدةَ البنشيريِ والشيخِ أبي حفصٍ القائدِ رحمهما اللهُ- وعددًا من إخوانِهما لكينيا والأوجادينِ والصومالِ، كما يؤكد ذلك الشيخ أيمن الظواهري رحمه الله في إحدى كلماته عن تاريخ شرق إفريقيا.

وبرز دور هؤلاء القادة أكثر بعد الغزو الأمريكي للصومال، حيث تعاونوا مع مجاهدي الصومالِ في الجهادِ ضد أمريكا وأمراء الحرب الذين كانت تمولهم الإدارة الأمريكية الماكرة، وتدير بهم مشاهد التناحر والفوضى، ثم تمكنت الجهود المتفانية بعد هزيمة الأمريكان وسحل جنودهم في مشاهد تاريخية من الخزي والعار للقوة العظمى آنذاك في شوارع مقديشو العاصمة، تمكن هذه الجهود من تأسيس اتحاد المحاكم الإسلامية، وعاش المسلمون في الصومال مرحلة استقرار وأمان واتفاق، أشعلت نار الأحقاد في الإدارة الأمريكية التي لم تسمح لها بالاستمرار لأكثر من 6 أشهر، وأطلقت لإسقاطها الغزوِ الإثيوبيِ المسعور على الصومال والذي سطر بحق شعبها المجازر التي يندى لها الجبين. وأقامت الإدارة الأمريكية حكومة شكلية لتضبط البلاد وفق خططها للهيمنة وتسهيل الاحتلال بوكيل للتغطية، يحمل اسم الحكومة الصومالية.

حركة الشباب المجاهدين

يقول الشيخ أيمن الظواهري رحمه الله عن هذه الحقبة: “قبيلَ نشوءِ المحاكمِ الإسلاميةِ نشأت حركةُ الشبابِ المجاهدين الإسلاميةِ، وفتح اللهُ عليها، فقاومتْ موجاتِ الغزوِ الصليببيِ المتكررةَ والحكوماتِ العميلةَ، وأسستِ الولاياتِ الإسلاميةَ، وأرسلت ببيعتِها للشيخِ أسامةَ بنِ لادنٍ، فطلب منهم أن لا يعلنوها مبدئيًا، ثم بعد استشهادِه أعلنتِ الحركةُ بيعتها المباركة لجماعةِ قاعدةِ الجهادِ.”

وهذا يعكس أهداف الحركة العالمية في الجهاد، فهي مؤمنة بوحدة قضايا المسلمين وبواجب إقامة خلافة شاملة تحفظ لهم دينهم ودنياهم. فلم تقم على وطنية جاهلية ولا على حدود رسمها المحتل. بل على أهداف الشريعة الإسلامية.

وأعاد ظهور حركة الشباب المجاهدين الذي برز بشكل لافت بعد الغزو الإثيوبي المدعوم من أمريكا للصومال، فأعاد هذا الظهور النهضة الجهادية في شرق إفريقيا متألقة ومستفيدة من سجل التجارب الماضية. يقول في وصف حركة الشباب الشيخ أيمن: “تقودُها حركةٌ عقديةٌ، تنصرُ التوحيدَ وتدعو إليه، وتجمعُ المسلمين عليه، وتجتمعُ به مع إخوانِها المجاهدين من سواحلِ الهندِ إلى شواطئِ الأطلسيِ. فتكسرت -بفضلِ اللهِ- على صخرتِها موجاتُ الغزوِ ومؤامراتُ الخيانةِ ودسائسُ العمالةِ.”

واليوم، منذ نحو العقدين من الزمان لم تتمكن استراتيجيات الكفر مجتمعة من إسقاط نظام الشريعة الإسلامية في الصومال، رغم شراسة الحملات التي تشن عليه، وشدة المكر والكيد الذي يحيط به.

لقد سلط التحالف الدولي الأساليب نفسها ولكن بشكل أكثر وحشية وقوة عسكرية، كالتي اعتمدتها تحالفات الكفر على امتداد محور التاريخ، ومنها التي استخدمها تحالف الاحتلال في عصر الدروايش، بتأليب الرأي العام واغتيال المعنويات عبر وكلاء الاحتلال، وقطع طرق الإمداد بالأسلحة والذخائر بسبب الحصار الأوروبي المفروض على السواحل الصومالية، ومع ذلك لقن هذا ملا الدراويش دول الاحتلال الأوروبي إضافة إلى الحبشة دروسًا باهظة الثمن وكبدهم خسائر جسيمة طيلة عقدين اشتعلت فيهما نار الجهاد في الصومال واشتد أوارها، وحفظت خلالها البلاد هيبتها وهويتها الإسلامية، وهو ما يفعله اليوم فرسان الإسلام في حركة الشباب المجاهدين وفق المنهج السلفي

خنجر الخيانة في تاريخ الحركة الجهادية

تمكن المجاهدون بالتفاف القبائل المسلمة الأبية في الصومال من تلقين الاحتلال الإثيوبي المسعور دروسا لا تنسى، وشهدت مرحلة طردهم من البلاد بطولات تاريخية، فتكت بالقوات الإثيوبية وأجبرتها على الانسحاب بالرغم من حجم المجازر التي سطرتها بحق الشعب الصومالي وحجم الدعم الأمريكي الذي وصل الأحباش.

وتمكنت كذلك الإدارة الأمريكية من استمالة شخصية بارزة في الحركة الجهادية آنذاك، شيخ شريف الذي غدر برفاقه واستلم رئاسة الحكومة الصومالية ليقود الحرب عليهم! في انقلاب صادم، كشف درجة تعقيد الساحة الجهادية وأهمية الحذر من التزكيات المفتوحة، ولكنه انقلاب صنع وعيا ونضجا وزاد المجاهدين إصرارا على اقتلاع معاول الشر من البلاد والتصدي لمكائدهم المتربصة.

ولاستدراك خسائرها وهزيمتها العسكرية بعد عجز جيش إثيوبيا عن هزيمة حركة الشباب المجاهدين، تحولت الإدارة الأمريكية الصليبية المتغطرسة إلى خطة استخدام تحالف من القوى الدولية بإلقاء إسم مضلل لمهمتها، “قوات حفظ السلام” وإنما هي قوات حفظ الهيمنة الغربية والاحتلال الصليبي. ولهذا الغرض تعمل الأمم المتحدة تحت أوامر القيادات الغربية الكافرة.

وبعثة بعد بعثة، وهزيمة مخزية لهم بعد هزيمة، لا تزال أمريكا تتخبط ولا تجد لها مخرجا، ولا تزال راية التوحيد ترفرف شامخة وقوات المجاهدين تتقدم وتستقوي وتتطور، فبعد أميصوم، وهزيمتها، جاءت أتميس، فتجرعت الهزيمة، ثم الآن أوصوم، ولا تزال تترنح.

ولا تزال الحكومات الصومالية المرتدة تتوالى فاسدة هشة تفضح في كل يوم خيانتها وعمالتها وردتها.

وفي هذه اللحظات يتقدم المجاهدون بخطى ثابتة في حصد رؤوس الكفر وتحالفاتهم المخزية، وينصبون على قواعدهم وفوق غنائمهم رايات التوحيد، ولا يجد الأمريكان المسعورون سوى القصوفات الجبانة التي عجزت عن منع  إقامة شريعة رب العالمين، الله الذي يؤتي ملكه من يشاء ولا يعجزه سبحانه وتعالى تحالف كافر ولا محتال!

وهكذا هي مسيرة الجهاد، تقطع الطريق بمشاق المكر والعدوان من حولها، لكنها متوكلة على ربها، مستعينة به سبحانه، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. وفي ذلك درس وعبرة.


آفاق التمكين في شرق إفريقيا

يعد التمكين لشريعة الله تعالى في هذا الثغر الاستراتيجي في خريطة العالم الإسلامي نصرا عظيما لأمة الإسلام وقفزة عظيمة نحو مستقبل خلافتها الواعد، فتحرير هذه الأرض وتأمين شعبها وعقيدته وأخلاقه من الغزو الغربي البهيمي، وتأمين ثرواته وممتلكاته من جشع ونهب اللصوص والمجرمين الدوليين، ثم تأمين استقلالية البلاد بحكم الشريعة الشامل والرائد، يعني أننا انتزعنا سيادتنا في جزء من العالم الإسلامي سيمد كل الثغور بما تحتاجه بإذن الله تعالى من أسباب التمكين والسيادة.

وستجتمع يوما ما كتائب الفتح في باحات الأقصى مستحضرة كل لحظة لطف من الله تعالى ومعية وفضل، فتنكسر لربها خاشعة منيبة تذكر ربها فتكبر وتسجد وتسبح بحمده.

فاللهم أرنا فتحا في مقديشو كفتح مكة، اللهم أدخلنا مقديشو في كتائب الفتح كما أدخلت الصحابة في كتائب الفتح إلى مكة!

وما ذلك على الله بعزيز.

أحمد الحامد