معارضة إريترية تنظم صفوفها من تل أبيب للإطاحة بحكومة أسياس أفورقي

تتجه المعارضة الإريترية في الخارج إلى بناء تنظيم أكثر تماسكًا بهدف الإطاحة بحكومة الرئيس أسياس أفورقي، في تحرك يمتد بين الاحتلال الإسرائيلي وإثيوبيا وعدد من الدول التي تضم جاليات إريترية كبيرة، وفق تقرير نشرته صحيفة هآرتس ونقله موقع ميدل إيست آي.

وبحسب التقرير، تستخدم حركة تُعرف باسم «لواء نهامدو» (Brigade Nhamedu) مستودعًا في جنوب تل أبيب باعتباره أحد مراكز نشاطها الدولية، وتسعى إلى تحويل تجمعات الإريتريين في المنفى إلى قاعدة سياسية قادرة على تعبئة أنصارها، تمهيدًا للعودة إلى إريتريا والعمل على استبدال حكومة أفورقي بنظام تصفه الحركة بالديمقراطي.

وفي خطوة تنظيمية حديثة، شارك أعضاء الحركة في تل أبيب مع إريتريين في 17 موقعًا حول العالم لانتخاب مجلس دولي يتكون من 51 عضوًا. وشارك نحو 1300 شخص في التصويت الذي أُجري في مدينة نِس تسيونا وسط إسرائيل الشهر الماضي، قبل أن يبدأ المجلس اجتماعات أسبوعية لمناقشة قضايا التمويل والعلاقات الدبلوماسية وإنشاء قاعدة في إثيوبيا والتواصل مع أشخاص داخل إريتريا.

ويقود الحركة الناشط الإريتري بييني غيرزغيهر، المقيم في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، إلى جانب مسؤولين يتولون ملفات التمويل والدبلوماسية والتنظيم المجتمعي والتخطيط العسكري.

وقال غيرزغيهر لـ«هآرتس» إن الحركة تمتلك مصادر داخل إريتريا، بما في ذلك بين مسؤولين حكوميين وعسكريين كبار، وإنها تعتقد أن قطاعات من السكان تنتظر تحرك المعارضة، ولا سيما في العاصمة أسمرا. غير أن الصحيفة لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من هذه الادعاءات.

ويقول قادة الحركة إن هدفهم يتجاوز الاحتجاج السياسي في الخارج، إذ يسعون إلى بناء تنظيم قادر على العودة إلى إريتريا عندما تتوافر الظروف المناسبة. وأقر غيرزغيهر بأن الحركة لم تنشئ قوة قتالية حتى الآن، لكنه قال إنها تستعد لما وصفه بـ«اللحظة المناسبة» للانتقال إلى الداخل.

توتر متزايد بين أسمرا وتل أبيب

يتزامن نشاط المعارضة الإريترية في تل أبيب مع تراجع واضح في العلاقات بين تل أبيب وأسمرا. فقد أقامت دولة الاحتلال وإريتريا علاقات دبلوماسية بعد استقلال إريتريا عن إثيوبيا عام 1993، لكن العلاقات شهدت تراجعًا خلال السنوات اللاحقة، وأغلقت تل أبيب سفارتها في أسمرا عام 2022.

وقال وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، في مقابلة مع «ميدل إيست آي» هذا الشهر، إن أسمرا اختارت الابتعاد عن إسرائيل، مؤكدًا أن بلاده «ليست معادية» لإسرائيل، لكنها لم تعد ترغب في وجود سفارة إسرائيلية لديها.

كما اتهم صالح إسرائيل بالسعي إلى توسيع نفوذها في القرن الأفريقي، متسائلًا عن دوافع علاقاتها المتنامية مع أرض الصومال، ولا سيما الحديث عن إقامة قاعدة هناك. ونقل الموقع كذلك عن مسؤول إريتري كبير أن أسمرا رفضت، في نحو عام 2016، طلبًا إماراتيًا لإنشاء منشأة عسكرية في إحدى جزر أرخبيل دهلك، كان من المفترض أن تكون مشتركة مع تل أبيب.

نحو مليوني إريتري خارج البلاد

ويحكم أسياس أفورقي إريتريا منذ استقلالها عام 1993، فيما لم تُجرَ انتخابات وطنية في البلاد منذ عقود، ولم يُطبق الدستور الإريتري، بينما أُغلقت وسائل الإعلام المستقلة.

ويُعد نظام الخدمة الوطنية غير المحددة المدة من أبرز العوامل التي ارتبطت بموجات الهجرة من إريتريا، حيث يعيش نحو مليوني لاجئ وطالب لجوء إريتري خارج البلاد، وفق الأرقام الواردة في التقرير.

وتسعى «لواء نهامدو» إلى استثمار هذه الجاليات وتحويلها من مجموعات متفرقة في دول مختلفة إلى حركة معارضة أكثر تنظيمًا وقدرة على التأثير السياسي.

ومن بين الوجوه البارزة في فرع الحركة بإسرائيل أتاكليتي أبراهام مايكل ومولوي سلطان، وهما من الإريتريين الذين غادروا بلادهم واستقروا في إسرائيل. ويقول مايكل إن نشاطه السياسي ارتبط بتجربة عائلية قاسية، مشيرًا إلى تعرض أحد أبنائه للسجن قبل فراره من إريتريا، بينما لا يزال ابنه الأصغر، البالغ 14 عامًا، محتجزًا ويواجه احتمال التجنيد في الخدمة العسكرية.

أما سلطان، الذي وصل إلى تل أبيب عام 2008، فيقول إن كثيرًا من الإريتريين الذين بنوا حياتهم في الخارج ما زالوا يرغبون في العودة إلى بلادهم، معتبرًا أن البقاء لاجئين بصورة دائمة ليس هدفًا لهم.

صدامات الجالية الإريترية في كيان الاحتلال

برزت الحركة بصورة أكبر بعد سلسلة من المواجهات بين مؤيدي الحكومة الإريترية ومعارضيها في عدد من الدول، كان أبرزها الاشتباكات التي شهدتها تل أبيب في سبتمبر/أيلول 2023 خلال فعالية نظمتها السفارة الإريترية.

وبحسب تقرير للأمم المتحدة في مايو/أيار 2025، أوردته «هآرتس»، قُتل ما لا يقل عن تسعة إريتريين في إسرائيل منذ تلك المواجهات، من مؤيدي الحكومة ومعارضيها على حد سواء.

ويقول داويت تيفيري، المسؤول المالي في الحركة، إن «لواء نهامدو» لم تكن تتوقع حجم العنف الذي اندلع، لكنه رأى أن المواجهات أظهرت مدى ارتباط الإريتريين سياسيًا بما يحدث في وطنهم، وأسهمت في تسريع جهود إنشاء معارضة أكثر تنظيمًا.

البحث عن دعم دولي

لا تقتصر تحركات الحركة على تنظيم الجالية، إذ يعمل قادتها على بناء علاقات مع مسؤولين في الولايات المتحدة ودول أخرى. ويقول تيفيري، المقيم في واشنطن، إنه سعى إلى التواصل مع أعضاء في الكونغرس ومسؤولين في الإدارة الأمريكية، معتبرًا أن الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج لديها مصالح استراتيجية في العثور على شريك في منطقة البحر الأحمر.

غير أن هذه الاتصالات، وفق ما ورد في التقرير، لا تعني حصول الحركة على اعتراف رسمي أو دعم حكومي مباشر.

وتدرك قيادة «لواء نهامدو» أن تغيير النظام في أسمرا يتطلب أكثر من تعبئة سياسية في الخارج، ولذلك تركز حاليًا على بناء الهيكل التنظيمي والتمويل والعلاقات الدولية والتواصل مع الداخل، بالتوازي مع الاستعداد لاحتمال الانتقال إلى إريتريا.

وفي ظل استمرار غياب الانتخابات الوطنية وتدفق الإريتريين إلى الخارج، تحاول المعارضة المنفية تحويل الشتات الإريتري إلى قوة سياسية منظمة. إلا أن قدرتها الفعلية على اختراق مؤسسات الدولة الإريترية أو حشد قاعدة داخل البلاد لا تزال غير واضحة، خصوصًا أن أبرز ما نُقل عن امتلاكها مصادر داخل الحكومة والجيش يبقى ادعاءً من قيادة الحركة لم تتحقق منه «هآرتس» بصورة مستقلة.

وبذلك، تكشف التحركات الجارية في تل أبيب عن انتقال جزء من المعارضة الإريترية من النشاط الاحتجاجي المتفرق إلى محاولة بناء هيكل سياسي دولي، فيما تبقى الخطوة الأصعب بالنسبة لها هي تحويل هذا التنظيم الخارجي إلى نفوذ فعلي داخل إريتريا.