مقال رأي: الاحتجاجات في كينيا ليست دليلاً على فشل الديمقراطية، بل هي الديمقراطية نفسها
يجب على الشباب الذين يقودون هذه الاحتجاجات ألا يكرروا أخطاء الأجيال السابقة. عليهم أن يطالبوا بتغيير حقيقي.
بقلم: باتريك غاثارا
رئيس تحرير السرد الشامل في صحيفة “ذا نيو هيومانيتاريان”
في كينيا، كما في العديد من دول العالم، غالبًا ما تُصوَّر الاحتجاجات في الشوارع على أنها نتيجة مؤسفة لفشل سياسي. فبحسب هذا المنطق، فإن عجز مؤسسات الدولة عن ترجمة مشاعر الناس إلى قرارات سياسية وتشريعية وتنظيمية لمعالجة مظالمهم يؤدي إلى تقويض الثقة ويفتح المجال لانفجارات الغضب الشعبي في الشوارع.
وبالتالي، يُنظر إلى الاحتجاجات على أنها مشكلة سياسية، يُفترض أن تُعالَج شرعيًا من خلال آليات النظام السياسي الرسمي، سواء عبر الإقناع أو القمع.
وقد تبنّى نظام الرئيس الكيني الحالي، ويليام روتو، هذه النظرة أيضًا، شأنه شأن الأنظمة السابقة. فعلى الرغم من الاعتراف عمومًا بالحق الدستوري في التظاهر، إلا أن النظام سعى إلى تصوير مظاهرات “جيل زد” المتواصلة والسلمية إلى حد كبير، والتي شكّكت في حكمه وسياساته، على أنها تهديد للنظام العام والسلامة العامة، محاولًا تجريد الشارع من شرعيته كمنصة للتعبير عن القضايا العامة.
قال روتو قبل شهر: “ما يحدث في الشوارع الآن يراه البعض أمرًا عصريًا، يلتقطون صور السيلفي وينشرونها على وسائل التواصل. لكن أقول لكم، إذا استمررنا على هذا النحو… فلن يبقى لدينا بلد.”
لقد لجأت الدولة إلى القتل والاختطاف بحق المتظاهرين، وسعت لمحاكمتهم بتهم تتعلق بـ”الإرهاب”، في تقليد واضح لما تفعله بعض الحكومات الغربية في تجريم مناصري فلسطين ومعارضي الإبادة الجماعية. وفي الوقت نفسه، دعت السلطات مرارًا المتظاهرين إلى الدخول في حوار مع الحكومة، واقترحت مؤخرًا ما سمّته “اللقاء الوطني بين الأجيال” لمعالجة مطالبهم.
لكن تصوير الاحتجاجات كاستجابة خطيرة للسخط السياسي هو تصور خاطئ. فالمظاهرات هي تعبير عن الديمقراطية، وليست نتيجة لفشلها. لقد أثبتت حركة جيل زد أن الشفافية، والتكافل، والوعي السياسي يمكن أن تزدهر خارج مؤسسات الدولة الرسمية. فقد حوّل الناشطون الشوارع والمنصات الإلكترونية إلى ساحات لعرض المظالم، والنقاش الجاد، والتثقيف المدني، والمشاركة في رسم السياسات.
جمعوا التبرعات، وقدّموا المساعدة الطبية والقانونية، ووقفوا مع عائلات الضحايا، كل ذلك دون دعم من الدولة أو المانحين الدوليين. وهكذا ذكّروا الشعب بأن المواطنة ليست مجرد تصويت كل خمس سنوات، بل هي مشاركة جماعية، مبدعة، وجريئة لصياغة المستقبل.
تُعدّ هذه الحركة إلى حد كبير امتدادًا لحركة الإصلاح في تسعينيات القرن الماضي، عندما خاض الكينيون صراعًا دام عقدًا من الزمان ضد ديكتاتورية الرئيس دانيال آراب موي. واليوم، تتردد شعارات مثل “روتو يجب أن يرحل” و”وانتام” (التي تعني رفض ولاية ثانية لروتو في انتخابات 2027) صدى لهتافات الأمس: “موي يجب أن يرحل” و”كل شيء ممكن بدون موي”.
التركيز على إسقاط موي آنذاك كان استراتيجية سياسية فعالة، إذ وحّد التحالفات، وجذب الانتباه الدولي، وأجبر الحكومة على تقديم تنازلات حاسمة، مثل إعادة التعددية الحزبية، وتحديد فترات الحكم، وتوسيع الحريات المدنية، وخاصة حقوق التجمّع والتعبير.
وبحلول مغادرة موي في 2002، كانت كينيا قد بلغت ذروة حريتها، وخلّد ذلك روحها نشيد “أنا لا يُقهَر!” لفرقة غيدي غيدي ماجي ماجي. لكن هذه اللحظة من النصر أخفت خطرًا أعمق: وهم أن إزالة القائد تعني إصلاح النظام.
فخليفة موي، مواي كيباكي، الذي اعتُبر مصلحًا ورجل سياسة نزيه، سرعان ما بدأ في التراجع عن المكاسب التي حققها الشعب. فقد عرقل الإصلاح الدستوري، وهاجم غرف الأخبار، وأشرف لاحقًا على انتخابات مسروقة كادت أن تُغرق البلاد في حرب أهلية.
وكشف أحد وزرائه المقربين، جون ميتشوكي، في عام 2003 عن العقلية الحقيقية للنخبة السياسية، حين قال إن إصلاح الدستور كان ضروريًا فقط لكي “يتقاسم أحد رجالنا السلطة مع موي”، أما بعد رحيل موي، فلم يعد هناك حاجة لذلك.
وبسبب عراقيل الطبقة السياسية، استغرق الأمر من الكينيين قرابة عقد كامل بعد رحيل موي لوضع دستور جديد.
يجب على جيل زد ألا يقع في فخ الانتقال السياسي الذي وقعت فيه الألفينات. ففي المخيلة السياسية الكينية، تُرى السلطة كغنيمة، لا كمشكلة. لكن التغيير الحقيقي يتطلب أكثر من مجرد تبديل الأسماء على قمة هرم السلطة. إنه يتطلب رفضًا لأن تكون الدولة هي الغاية، والتزامًا بإعادة تشكيل الأسس التي تقوم عليها السلطة. وهنا، يجب أن يحذر الشباب من ألاعيب الطبقة السياسية التي تهتم بالسلطة أكثر من التغيير.
أما الدعوات الحالية إلى “حوار وطني” أو “لقاء الأجيال”، فيجب التعامل معها بحذر. فقد رأى الكينيون هذا السيناريو من قبل: من مفاوضات 1997، إلى وساطة الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان بعد عنف 2007-2008، إلى “المصافحة التاريخية” بين الرئيس كينياتا وخصمه رايلا أودينغا، وانتهاءً بمبادرة “بناء الجسور” الفاشلة، كلها قُدّمت على أنها حلول للإصلاح، لكنها في الواقع فرغت الحركات الشعبية من محتواها، وحيّدت المعارضين، وكرّست النفوذ القائم.
والأسوأ من ذلك أن لكينيا تاريخًا طويلًا في ترقية المصلحين – من زعماء المعارضة والصحفيين إلى نشطاء المجتمع المدني – إلى مواقع السلطة، ليخونوا مبادئهم بعد وصولهم للقمة. فبمجرد الصعود، تُستبدل الخطابات الثورية بالتسويات السياسية، ويصبح الهدف هو الحكم والانتفاع، لا التغيير. بل إن كثيرين منهم ينتهي بهم الأمر بالدفاع عن الأنظمة التي كانوا يعارضونها.
شعار “روتو يجب أن يرحل” هو أداة قوية للحشد والضغط، لكنه لا يجب أن يُعتبر الهدف النهائي. هذه كانت غلطة جيلي. نسينا أننا لم نحصل على حرياتنا – التي يسعى روتو اليوم للعودة عنها – من خلال صناديق الاقتراع أو اتفاقات النخب، بل بفرض التغيير من خارج النظام. تركنا السياسيين يختطفون حركات الشارع ويعيدون تصوير الإجماع النخبوي كحل، لا كجزء من المشكلة.
يجب على جيل زد أن يتعلم من هذا الفشل. يجب أن يُركز بالكامل على تفكيك النظام الذي يكرّس القمع، لا أن يغذّيه بمصلحين جدد. ويجب أن تظل الشوارع ساحة شرعية للمشاركة السياسية القوية، لا أن تُهدّأ أو تُجرّم. فالتحدي الذي تمثله هذه الحركة الشعبية للسلطة الرسمية ليس تهديدًا للديمقراطية، بل هو تجسيد لها.
المقال نشر على موقع الجزيرة الأنجليزية.