من المساعدات إلى مفاتيح الاقتصاد.. ثروات الصومال على طاولة أنقرة ونفوذها بين الموانئ والنفط والسلاح تحت المساءلة

المطار والميناء والطاقة والقاعدة العسكرية في قلب حضور تركي متصاعد.. واتفاقات الموارد والاتهامات بالتدخل في النزاعات الداخلية تضع علاقة أنقرة بمقديشو أمام اختبار السيادة والمصالح.

تحت مظلة المساعدات الإنسانية، وبالتوازي مع مصالح اقتصادية واستراتيجية متنامية، وسّعت الحكومة التركية حضورها في الصومال خلال خمسة عشر عامًا، لتنتقل من تقديم الإغاثة وتنفيذ المشروعات الخدمية إلى المشاركة في تشغيل مرافق حيوية، وإبرام اتفاقات لاستكشاف الموارد الطبيعية، وبناء نفوذ عسكري وسياسي واسع.

ومن مطار مقديشو إلى مينائها، مرورًا بالصحة والتعليم والبناء والتجارة والطاقة، امتدت أنشطة المؤسسات التركية إلى قطاعات متعددة، مستندةً إلى عقود واتفاقات أبرمتها الحكومات الصومالية المتعاقبة، منذ مرحلة الرئيس الأسبق شريف شيخ أحمد، وصولًا إلى إدارة الرئيس حسن شيخ محمود.

وأصبح هذا التوسع يضع العلاقة بين البلدين أمام قضية تتجاوز حجم المساعدات: مدى التوازن بين ما تمنحه الصومال من امتيازات وما تحصل عليه من عائدات، وحدود النفوذ الذي تمنحه تلك العقود لدولة أجنبية داخل اقتصادها ومؤسساتها الأمنية.

2011 الإغاثة تمهّد لحضور طويل الأمد

بدأ التحول الأبرز عام 2011، حين كانت الصومال تواجه جفافًا ومجاعة وأوضاعًا إنسانية بالغة القسوة. في ذلك التوقيت، وجّهت أنقرة اهتمامًا متزايدًا إلى البلاد، وقدّمت مساعدات ونفّذت مشروعات أسهمت في ترسيخ حضورها وبناء صورة لها بوصفها شريكًا يقف إلى جانب الصوماليين في أزمتهم.

وشكّلت زيارة رجب طيب أردوغان إلى مقديشو، حين كان رئيسًا للوزراء، محطة تأسيسية لهذا التقارب خلال رئاسة شريف شيخ أحمد. ومن تلك البداية، اتسعت العلاقة تدريجيًا لتتجاوز العمل الإنساني إلى الاستثمار والتعاون الأمني والعسكري.

وخلال السنوات التالية، دخلت شركات تركية قطاعات اقتصادية مختلفة، وأصبح مطار مقديشو من أبرز مواقع حضورها، فيما تولّت شركة تركية تشغيل الميناء والخدمات المرتبطة به.

وهكذا، تحوّل الحضور الذي اكتسب شعبيته من الإغاثة إلى شبكة مصالح متشابكة، تتصل بمرافق البلاد الاستراتيجية ومواردها وموقعها الجغرافي.

موقع الصومال.. ما وراء خطاب المساعدات

لا ينفصل الاهتمام التركي عن موقع الصومال المطلّ على خليج عدن والمحيط الهندي، والقريب من مضيق باب المندب وطرق التجارة المؤدية إلى البحر الأحمر.

فهذا الموقع، إلى جانب الساحل الطويل والثروة السمكية والموارد النفطية والغازية المحتملة، يمنح البلاد أهمية اقتصادية وأمنية تتجاوز أزماتها الراهنة. ويتيح لأي قوة تؤسس وجودًا مستدامًا فيها الاقتراب من ممرات بحرية حيوية، وبناء مصالح يصعب اختزالها في المساعدات أو المشروعات الخيرية.

ومن هنا، فإن القراءة النقدية للتوسع التركي تنظر إلى الإغاثة باعتبارها المدخل الذي عزز قبول أنقرة، قبل أن يتسع حضورها إلى قطاعات أكثر ارتباطًا بالنفوذ والعائد الاقتصادي.

ولا يلغي ما قدّمته تركيا من خدمات ومشروعات ضرورة فحص هذا التحول؛ فالمساعدة الإنسانية لا تعني غياب المصالح، كما أن الامتنان الشعبي لا يغني عن محاسبة الحكومات والشركات.

المطار والميناء.. شركات تركية عند منافذ الإيرادات

يتجلى الحضور الاقتصادي التركي بصورة واضحة في ميناء مقديشو ومطار آدم عدي الدولي، حيث تؤدي شركتا «ألبيرق» و«فافوري» دورًا رئيسيًا في التشغيل والإدارة.

ويمثل المرفقان منفذين استراتيجيين للتجارة وحركة المسافرين وتحصيل الإيرادات، وهو ما يمنح العقود المرتبطة بهما أهمية تتجاوز الاستثمار التجاري المعتاد إلى صميم قدرة الدولة على إدارة مرافقها الاقتصادية.

وبالتوازي مع ذلك، امتدت الأنشطة التركية إلى الصحة والبناء والتجارة والتعليم والأمن، لتتشكّل علاقة واسعة لا تعتمد على مشروع واحد أو قطاع منفرد.

وتزداد حساسية هذا الوضع في ظل حاجة المؤسسات الصومالية إلى التمويل والخبرة والدعم الخارجي. فكلما اتسعت الامتيازات الأجنبية، تعاظمت أهمية الرقابة على شروط العقود ومددها وتوزيع عائداتها، وضمان ألا يتحول الاحتياج الآني إلى تبعية طويلة الأمد.

من المشروعات المدنية إلى القاعدة العسكرية والفضاء

تجاوز التوسع التركي الاقتصاد والخدمات إلى بناء حضور عسكري مباشر. فقد افتتحت أنقرة عام 2017 قاعدة كبيرة لتدريب القوات الصومالية في مقديشو، وعززت تعاونها في مجالات التدريب والتجهيز والدعم الأمني.

وأشار تقرير لفرانس برس إلى أن أنشطة تركيا تشمل أيضًا استكشاف النفط ومشروع ميناء فضائي على الساحل الصومالي، بما يعكس مصالح ممتدة تتجاوز الحكومات المتعاقبة.

ويكشف اجتماع المرافق التجارية والطاقة والمنشآت العسكرية والمشروعات الفضائية عن حجم التحول في العلاقة: أنقرة أصبحت صاحبة مصالح استراتيجية تتصل بالأرض والبحر والأجواء، وليست مجرد جهة مانحة.

وهذا التداخل يرفع أهمية تحديد حدود التعاون، والفصل بين خدمة الاحتياجات الصومالية وحماية المصالح التركية، خصوصًا عندما ترتبط الاستثمارات بدعم عسكري وسياسي واسع.

خطاب الشراكة يصطدم باتهامات الانحياز

تقدّم الحكومة التركية وجودها باعتباره قائمًا على التعاون والمصالح المشتركة، وتؤكد أن دعمها لا يرتبط برئيس أو حزب معين.

ونقلت فرانس برس عن مسؤول تركي قوله إن أنقرة عملت مع القيادات الصومالية المتعاقبة، وإن دعمها موجّه إلى الصومال وشعبه. غير أن هذا الموقف يواجه اعتراضات من أطراف ترى أن الدعم العسكري التركي يعزز موقف القيادة الفيدرالية في خلافاتها الداخلية. وتقول الحكومة الصومالية، في المقابل، إن العلاقة مع تركيا تتعرض لحملات تضليل.

وبذلك، انتقل الجدل من تقييم المشروعات والمساعدات إلى التساؤل عن الدور السياسي لأنقرة، وما إذا كانت أدوات دعمها تُستخدم ضمن الأهداف المعلنة أم تتداخل مع صراع السلطة داخل البلاد.

بيدوا ودولو.. السلاح في قلب الخلاف الداخلي

أفاد تقرير فرانس برس، في 30 سبتمبر 2026، بمشاركة مقاتلات تركية في القتال بمحيط بيدوا دعمًا للقوات الفيدرالية.

كما تناول اتهام أنقرة بتنفيذ ضربة في دولو أُصيب فيها الجنرال مهد عبد الرحمن، المعروف بـ«شوب».

وتضع هذه الوقائع والروايات المتعارضة صورة تركيا بوصفها شريكًا لجميع الصوماليين أمام اختبار صعب. فالدخول في مواجهات بين أطراف محلية، أو الاتهام بذلك، يجعل الحضور العسكري جزءًا من الانقسام السياسي، ويهدد الرصيد الذي بنت عليه أنقرة علاقتها بالمجتمع.

ولا يمكن حسم المسؤولية عن الوقائع المتنازع عليها بالتأكيدات السياسية وحدها؛ بل بتحقيقات توضح طبيعة العمليات والجهات التي أمرت بها ونفّذتها والأضرار الناتجة عنها.

اتفاقات النفط.. الامتيازات الأكثر إثارة للجدل

بعد ترسيخ حضورها الدبلوماسي والعسكري والاقتصادي، اتجهت تركيا إلى قطاع النفط والغاز في البحر والبر الصوماليين.

وفي عام 2024، وقّعت الحكومتان اتفاق الدفاع والتعاون الاقتصادي في فبراير، ثم اتفاقًا للتعاون في مجال النفط والغاز في السابع من مارس، شمل الاستكشاف والتطوير والإنتاج، قبل الإعلان عن تعاون إضافي في الاستكشاف البري في أكتوبر.

وقدّمت الاتفاقات باعتبارها طريقًا لاستثمار الموارد المحتملة، لكن نشر بنود الاتفاق الهيدروكربوني أظهر ترتيبات مالية تستحق تدقيقًا واسعًا.

فبحسب الوثيقة المنشورة، يسمح الاتفاق بتخصيص ما يصل إلى 90% من الإنتاج السنوي لاسترداد التكاليف، مع سقف للإتاوة الصومالية يبلغ 5%. ولا يصح تفسير ذلك باعتباره منح تركيا ملكية ثابتة تعادل 95% من النفط؛ إذ تختلف آلية استرداد التكاليف عن الإتاوات وتقاسم الأرباح.

لكن هذه التفرقة لا تقلل أهمية الجدل حول العائد الصومالي. فارتفاع سقف استرداد التكاليف يجعل الرقابة على النفقات وشروط احتسابها عنصرًا حاسمًا في تحديد الأموال التي يمكن أن تحصل عليها الدولة.

كما أثارت الإعفاءات من بعض الرسوم وبنود التعويض عن التغييرات “التشريعية” انتقادات تتعلق بقدرة الصومال على تعزيز إيراداته وتطوير سياساته المالية، وفق تحليل للباحث محمد مالين نشرته مدونة التنمية الدولية بكلية لندن للاقتصاد.

اعتراضات حادة على التصرف في الموارد

ووصف الشيخ علي محمود راجي، المتحدث باسم حركة الشباب المجاهدين، الاتفاق حين تحدث عنه آنذاك بأنه محرّم، وبأنه جرى من خلاله بيع موارد البلاد بالمزاد. وأشار إلى أنه لا يحق لأي جهة تسليم البحر والبر والأجواء الصومالية إلى دول أجنبية، وأن تلك الاتفاقات محرّمة وباطلة، وتمثل قرصنة ونهبًا سافرًا، لا مواربة فيه، للثروات التي أنعم الله بها على الأمة الصومالية المسلمة.

أما القضية التي تبقى قائمة خارج خطاب أطراف النزاع، فهي حق الصوماليين في معرفة ما أُبرم باسمهم، ومدى خضوع الاتفاقات للإجراءات المؤسسية والرقابة، وما ترتبه من التزامات على الأجيال المقبلة.

فالثروة المحتملة لا تصبح منفعة عامة بمجرد توقيع عقود استغلالها؛ بل حين تتوافر شروط عادلة وآليات تضمن وصول عائداتها إلى المجتمع.

الثروة البحرية.. الصيد الأجنبي وأرزاق السكان

يمتد ملف الموارد إلى البحر، حيث يثير نشاط السفن الأجنبية مخاوف بشأن الصيد غير المشروع واستنزاف الثروة السمكية وتأثير ذلك في الصيادين المحليين. وتشمل الاتهامات نشاط سفن تركية، وسحب كميات كبيرة من الأسماك من المياه الصومالية.

وتكمن أهمية هذا الملف في ارتباطه المباشر بمعيشة المجتمعات الساحلية. فحماية الثروة البحرية تتطلب مراقبة السفن الأجنبية، ونشر شروط التراخيص، ومنع الممارسات التي تضر بالمخزون السمكي أو تحرم السكان من مصادر دخلهم.

العمليات البحرية.. حماية الملاحة لا تُسقط حقوق المدنيين

بالتوازي مع نشاطها الاقتصادي، وسّعت تركيا تعاونها البحري مع الحكومة الصومالية ضمن مهام تشمل حماية الملاحة ومكافحة القرصنة.

غير أن العمليات قبالة السواحل أصبحت بدورها موضع جدل. فقد نقل «هيران أونلاين» تقارير عن سقوط قتلى في ضربة قرب ساحل نُغال في أغسطس 2026، مع تضارب المعلومات بشأن المستهدفين والجهة المنفذة، ونفي تركي للتقارير عن تنفيذ طائرات تركية تلك الغارات.

فمكافحة القرصنة لا تعفي أي جهة من حماية المدنيين، والتحقيق في الخسائر البشرية يظل ضرورة، سواء ثبت ارتباط المستهدفين بأنشطة مسلحة أم كانوا صيادين يمارسون أعمالهم.

خمسة عشر عامًا.. من يحصد العائد ومن يتحمل الكلفة؟

تكشف مسيرة الحضور التركي عن انتقال واسع من المساعدات إلى قطاعات ترتبط بالإيرادات والموارد والأمن. وباتت المصالح التركية جزءًا من معادلة داخلية تتداخل فيها حاجة الصومال إلى الدعم مع ضعف قدرته المؤسسية وانقساماته السياسية.

ولا تنحصر المسؤولية في أنقرة. فالحكومات الصومالية المتعاقبة هي التي وقّعت الاتفاقات ومنحت الامتيازات، وعليها أن تقدم حسابًا واضحًا لشعبها: ماذا منحت، وماذا حصلت عليه، وكيف ضمنت حماية المصلحة العامة؟

وبعد خمسة عشر عامًا، لم يعد خطاب الأخوّة والمساعدات كافيًا لتقييم العلاقة. المعيار هو ما يصل إلى الخزينة، وما يتحسن في حياة السكان، وما تحتفظ به المؤسسات الصومالية من قدرة على إدارة مواردها ومحاسبة شركائها.

فالمساعدات لا تمنح تفويضًا مفتوحًا، والاستثمار لا يضع الثروة خارج المساءلة، والتعاون العسكري لا يمنح حق تقرير موازين السياسة الداخلية. وبين المطار والميناء والنفط والسواحل، يبقى حق الصوماليين في ثرواتهم وقرارهم هو المعيار الذي يجب أن تُوزن به كل اتفاقية وكل شراكة.