هيغسيث يعيد تشكيل البنتاغون: قيادة عسكرية جديدة وحرب أكثر اعتمادًا على الأنظمة الذاتية

تتحرك وزارة الدفاع الأمريكية، بقيادة وزير الدفاع بيت هيغسيث، نحو إعادة تشكيل واسعة للمؤسسة العسكرية، تجمع بين تغيير هيكل القيادة العليا وتوسيع الاعتماد على الأنظمة ذاتية التشغيل والتكنولوجيا المتقدمة، إلى جانب إعادة النظر في إعداد الضباط وأمن القواعد وسلاسل الإمداد والدعم الديني داخل القوات المسلحة.

وفي 30 سبتمبر/أيلول 2026، أعلن هيغسيث ست مبادرات عسكرية واستراتيجية جديدة قال إنها ستحدد جانبًا من توجهات وزارة الدفاع خلال السنوات المقبلة، بالتزامن مع توجه لإجراء خفض كبير في أعداد كبار الضباط قد يشمل نحو 20% من الجنرالات والأدميرالات العاملين في القوات المسلحة الأمريكية.

وتشير هذه الإجراءات مجتمعة إلى محاولة لإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية الأمريكية، ليس فقط من خلال تقليص عدد المناصب العليا، وإنما أيضًا عبر إعادة توجيه الموارد والقدرات نحو نمط من الحروب يعتمد بصورة أكبر على الأتمتة والروبوتات والذكاء الاصطناعي، وعلى قدرة القوات على مواصلة القتال في ظروف تتعرض فيها القواعد وشبكات الطاقة والإمداد لهجمات أو تعطيلات واسعة.

قيادة جديدة للحرب الذاتية

أبرز المبادرات التي أعلنها البنتاغون تتمثل في إنشاء قيادة الحرب الذاتية (Autonomous Warfare Command)، وهي قيادة متخصصة تهدف إلى توسيع استخدام الأنظمة ذاتية التشغيل والروبوتية في مختلف أفرع القوات المسلحة الأمريكية.

وتخطط الوزارة لتحويل هذه القيادة بحلول الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2027 إلى قيادة قتالية وظيفية يقودها جنرال من فئة أربع نجوم، ما يعكس رغبة في نقل الأنظمة الذاتية من كونها مجرد أدوات تقنية أو مشاريع تجريبية إلى عنصر مؤسسي داخل التخطيط والعمليات العسكرية.

ويعني ذلك أن الطائرات والمركبات والأنظمة الروبوتية القادرة على تنفيذ مهام بدرجات متفاوتة من الاستقلالية ستحتل موقعًا أكثر أهمية في تصور الولايات المتحدة للحروب المستقبلية.

تقليص هرم القيادة العسكرية

يتزامن ذلك مع توجه آخر يتعلق بالقيادة البشرية نفسها. إذ يستعد هيغسيث، وفق ما نقلته وسائل إعلام أمريكية وأوردته BBC، لإجراء خفض قد يصل إلى نحو 20% من الجنرالات والأدميرالات في الخدمة الفعلية.

ويأتي ذلك بعد تغييرات وإقالات وتقليصات سابقة في المناصب العليا خلال عام 2025، في إطار إعادة هيكلة أوسع لهرم القيادة العسكرية.

وتضم القوات المسلحة الأمريكية أكثر من 800 جنرال وأدميرال في الخدمة الفعلية، ما يجعل أي خفض بهذا الحجم تغييرًا ملحوظًا في بنية القيادة العليا.

وبذلك تسير إعادة الهيكلة في مسارين متوازيين: تقليص عدد كبار القادة من جهة، وإنشاء هياكل جديدة مخصصة لمجالات عسكرية وتقنية ناشئة من جهة أخرى.

FORTRESS America.. الاستعداد لحرب تستهدف الداخل العسكري

ومن المبادرات الجديدة أيضًا برنامج FORTRESS America، الذي يركز على ضمان قدرة الجيش الأمريكي على مواصلة عملياته في حال تعرض البنية التحتية أو سلاسل الإمداد لهجمات أو اضطرابات.

ويتضمن البرنامج توفير مصادر طاقة مستقلة للقواعد العسكرية، وتأمين المواد التي تعتبرها الوزارة حيوية للصناعة والدفاع، مثل المعادن النادرة وأشباه الموصلات والذخائر والوقود والأدوية.

كما يشمل تعزيز قدرة القواعد على مواجهة الهجمات السيبرانية وأعمال التخريب والطائرات المسيّرة.

وتكشف هذه المبادرة عن اتساع مفهوم الأمن العسكري الأمريكي، بحيث لا يقتصر على حماية الجنود والمنشآت من الهجوم المباشر، وإنما يشمل ضمان استمرار الطاقة والإمدادات والاتصالات والإنتاج العسكري في حال تعرض الولايات المتحدة لاضطرابات واسعة.

قاعدة أمريكية كبرى تعمل بصورة مستقلة

وفي الاتجاه نفسه، طرحت الوزارة مشروع Next Great American Base لإنشاء قاعدة عسكرية أمريكية جديدة واسعة النطاق، تضم قوات ومرافق متطورة، وتعمل بصورة مستقلة عن شبكة الكهرباء التجارية.

ومن المقرر أن تعتمد القاعدة على أنظمة ذاتية التشغيل ودفاعات جوية متقدمة، بينما ستتنافس الولايات الأمريكية على استضافة المشروع عبر تقديم عروض تتعلق بالأراضي والبنية التحتية والدعم.

ويعكس المشروع تصورًا للقاعدة العسكرية المستقبلية باعتبارها منشأة قادرة على العمل لفترات طويلة حتى في حال تعرض البنية التحتية المدنية أو شبكات الطاقة لهجمات أو انقطاعات.

إعداد جيل جديد من الضباط

أما مبادرة America’s Corps of Cadets فتستهدف توسيع برامج إعداد الضباط من خلال إنشاء برامج عسكرية بدوام كامل في جامعات جديدة، من بينها جامعة ولاية لويزيانا وليبرتي وتوسكيغي وولاية مسيسيبي وهيلزديل.

وتسعى الوزارة من خلال هذه البرامج إلى زيادة أعداد الضباط وإعدادهم عسكريًا وقياديًا، بما يواكب التغييرات التي تشهدها المؤسسة العسكرية.

وهنا يظهر جانب آخر من إعادة الهيكلة، يتعلق بالعنصر البشري، في وقت تحاول فيه الوزارة في الوقت نفسه تقليص عدد كبار القادة الموجودين في قمة الهرم العسكري.

الشؤون الدينية تدخل هيكل البنتاغون

كما أعلن هيغسيث إنشاء مكتب الشؤون الدينية (Office of Religious Affairs)، على أن يرفع تقاريره مباشرة إلى وزير الدفاع.

ووفق الوزارة، سيعمل المكتب على تطوير السياسات المتعلقة بحرية ممارسة الشعائر والدعم الديني للعسكريين، مع التأكيد على أنه لن يفرض المشاركة الدينية أو يفضل دينًا على آخر، وسيعمل بالتنسيق مع أجهزة الإرشاد الديني العسكري القائمة.

ويضيف إنشاء المكتب بعدًا مؤسسيًا جديدًا إلى أجندة إعادة التنظيم التي يقودها هيغسيث داخل وزارة الدفاع.

مشروع ميريديان.. من الأنفاق إلى الفضاء القمري

أما أكثر المبادرات ارتباطًا بالحروب المستقبلية فهو Project Meridian، وهو دراسة واسعة تهدف إلى تحديد التقنيات والقدرات العسكرية التي قد تحتاج إليها الولايات المتحدة في الحروب المقبلة.

وتغطي الدراسة نطاقًا واسعًا من العمليات تحت الأرض وصولًا إلى الفضاء القريب من القمر، بما يشير إلى أن البنتاغون يريد دراسة ساحات القتال المستقبلية خارج التصور التقليدي للحرب البرية والبحرية والجوية.

ويشارك في قيادة المشروع إيلون ماسك وبالمر لاكي ونيوت غينغريتش، على أن يقدم المشروع تقريرًا علنيًا بالنتائج والتوصيات خلال 120 يومًا، إلى جانب ملحق سري.

إعادة تعريف شكل الجيش الأمريكي

وبالنظر إلى المبادرات الست إلى جانب خطة تقليص أعداد الجنرالات والأدميرالات، تبدو الخطوات جزءًا من عملية إعادة تنظيم أوسع داخل البنتاغون.

فالوزارة تعمل في الوقت نفسه على تغيير هيكل القيادة، وتوسيع استخدام الأنظمة الذاتية، وتحصين القواعد ضد انقطاع الطاقة والهجمات السيبرانية والمسيّرات، وتأمين المواد الحيوية للصناعة العسكرية، وتوسيع برامج إعداد الضباط، ودراسة التقنيات التي قد تحدد شكل الحروب المقبلة.

ولا تعني هذه الإجراءات أن الجيش الأمريكي ينتقل فورًا إلى نموذج عسكري قائم بالكامل على الأنظمة الذاتية، لكنها توضح اتجاهًا مؤسسيًا نحو زيادة الاعتماد على التكنولوجيا والأتمتة، بالتوازي مع إعادة ترتيب القيادة والموارد.

وبذلك لا تقتصر تحركات هيغسيث على خفض عدد كبار الضباط أو إطلاق مشاريع تقنية منفصلة، بل تجمع بين إعادة تشكيل القيادة العسكرية، وتعزيز استقلالية القواعد، وتأمين سلاسل الإمداد، وتوسيع الأتمتة، والاستعداد لساحات قتال مستقبلية تمتد من الأرض إلى الفضاء.

إقالات وخفض واسع للقيادات العسكرية

ولا تقتصر إعادة هيكلة البنتاغون على إنشاء قيادات ومشروعات جديدة، بل تمتد إلى قمة هرم القيادة العسكرية نفسها. فقد أعلن هيغسيث في 30 سبتمبر/أيلول 2026 خطة لخفض عدد المناصب المخصصة للجنرالات والأدميرالات بنسبة 20%، في خطوة تأتي بعد خفض سابق أعلنه العام الماضي بنسبة 10%، إضافة إلى تقليص منفصل بنسبة 20% في عدد مناصب الضباط ذوي الأربع نجوم.

وبحسب رويترز، لا تعني الخطة بالضرورة إقالة 20% من الجنرالات والأدميرالات الموجودين في الخدمة، إذ سيتم تحقيق جزء من الخفض عبر إلغاء بعض المناصب أو تخفيض رتبة مناصب أخرى. ومع ذلك، تأتي الخطوة في سياق أوسع شهد بالفعل إقالة هيغسيث عددًا من كبار الضباط منذ توليه منصبه، ضمن مسعاه لإعادة تشكيل القيادة العسكرية الأمريكية.

وكان هيغسيث قد دخل في مواجهة مع عدد من كبار قادة المؤسسة العسكرية خلال العام السابق، وشملت التغييرات إبعاد مسؤولين عسكريين بارزين. وتضع الخطة الجديدة هذا المسار في إطار مؤسسي أوسع، إذ لا يستهدف الأمر شخصيات محددة فقط، وإنما تقليص حجم هرم القيادة العليا وإعادة توزيع المسؤوليات والموارد.

وفي المقابل، يجري إنشاء هيكل جديد مخصص للحرب الذاتية والأنظمة الروبوتية، هو Autonomous Warfare Command، على مستوى قيادة من أربع نجوم، ما يكشف مفارقة واضحة في عملية إعادة التنظيم: تقليص عدد المناصب التقليدية في القيادة العليا، بالتزامن مع إنشاء قيادة جديدة متخصصة في أحد أكثر مجالات الحرب المستقبلية اعتمادًا على التكنولوجيا. وقد أعلن البنتاغون أن الهدف هو تحويل القيادة الجديدة إلى قيادة قتالية وظيفية بحلول أكتوبر/تشرين الأول 2027.

وهكذا، فإن ما أعلنه هيغسيث في كوانتيكو لا يمثل مجرد حزمة من المشاريع المنفصلة، بل يجمع بين إبعاد أو تقليص أدوار في القيادة العسكرية القائمة، وإنشاء هياكل جديدة للحرب المستقبلية، وإعادة ترتيب مصادر الطاقة والإمداد، وتغيير مسارات إعداد الضباط. وهذا يجعل ملف القيادات العسكرية جزءًا أساسيًا من فهم التحول الذي يدفع به هيغسيث داخل البنتاغون.