4 سنوات من الهدم والاقتلاع… كيف تحولت مقديشو في عهد حسن شيخ إلى ساحة مفتوحة لنهب الأراضي وتشريد السكان؟
في مايو/أيار 2022، عادت السلطة في “فيلا الصومال” مجددًا إلى رجل كان شعاره الانتخابي السابق: “صاحب المشروع الناقص هو الأجدر بإكماله”، متعهدًا بإتمام ما وصفها بالمشاريع التي سبق أن ورّثها للصومال.
ذلك الرجل هو حسن شيخ محمود، الذي انتهت ليلة أمس فترته الثانية في الحكم، تاركًا وراءه سجلًا أسود حافلًا بالمجازر، ونبش القبور، والاستيلاء على الممتلكات العامة والخاصة، في واحدة من أكثر المراحل إثارة للجدل في تاريخ البلاد الحديث.
تحولت صرخات الاستغاثة والشكاوى الصادرة من الفئات الضعيفة في مدينة مقديشو، خصوصًا النساء وكبار السن، إلى مشهد يومي متكرر، في ظل اتهامات تطال حسن “جورجورتي” والدائرة المحيطة به بتحويل الاستيلاء على الأراضي العامة والخاصة إلى ممارسة معتادة.
ومع بداية عام 2023، أعلن حسن شيخ ما وصفه بـ”استعادة أراضي الدولة”، مستهلًا حملته بمنازل تقع قرب مطار مقديشو، قبل أن تمتد العمليات إلى أحياء “دب دميسكا” و”سيبيانو”، غير أن الهدف الحقيقي لم يكن التمييز بين أملاك الدولة وممتلكات المواطنين، بل التعامل معها جميعًا كهدف واحد للمصادرة والاستحواذ.
وتدرجت عمليات الاستيلاء على الأراضي عبر مراحل مختلفة؛ إذ بدأت بمنح أراضٍ عامة لأقارب وأبناء عشيرة حسن شيخ، قبل أن ينضم إلى المشهد لاحقًا رجال أعمال، وبرلمانيون، ووزراء، وشخصيات مقربة من الرئيس.
وتشير تقارير متداولة إلى أن أكثر من 500 ألف أسرة تعرضت للتهجير القسري من منازلها داخل مدينة مقديشو وضواحيها، بعد الاستيلاء على ممتلكاتهم.
كما أفادت إحصاءات صادرة عن جهات تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان بأن ما يقارب مليون شخص جرى تجريدهم من منازلهم، وأصبحوا يعيشون في العراء داخل العاصمة ومحيطها.
ويؤكد وجهاء وتجار أن عمليات الاستيلاء على الأراضي التي تُنفذ في مقديشو تحمل أهدافًا تتجاوز مجرد الاستحواذ العقاري، لتصل إلى محاولة شلّ اقتصاد العاصمة وإذلال سكانها تمهيدًا للتمدد نحو بقية مناطق البلاد.
وتبقى النساء وكبار السن الفئة الأكثر هشاشة في مواجهة هذه الحملة، حيث تتكرر يوميًا عبر وسائل الإعلام نداءاتهم واستغاثاتهم ضد ما يتعرضون له من تهجير ومصادرة.
وفي تطور لافت، مارس أعضاء في البرلمان ضغوطات على حسن شيخ، مطالبين بالحصول على أراضٍ مقابل تمرير أجنداته داخل البرلمان، الأمر الذي حوّل ملف الأراضي إلى أداة سياسية تُستخدم فيها ممتلكات المواطنين مقابل صفقات ومصالح سياسية.
وبات من المعتاد وفق ما يتردد في المجالس السياسية والتجمعات الاجتماعية سماع عبارات من قبيل: “أرض فلان مُنحت للنائب فلان أو للوزير الفلاني”، في صورة تكشف حجم التغلغل الذي بلغته عمليات الاستيلاء على الأراضي.
وفي حي البركة بالعاصمة مقديشو، قال السكان إن أراضيهم صودرت بالكامل، وإن الوثائق الرسمية الصادرة في عهود الحكومات السابقة، منذ عهد الرئيس آدم عبد الله عثمان مرورًا بعهد محمد سياد بري وحتى عهد عبد القاسم صلاد حسن، لم يعد يُعترف بها، ما اعتبروه دليلًا على الاستيلاء القسري على أملاك المواطنين.
وعجّت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بمقاطع وُصفت بالمؤلمة، تُظهر جرافات ترافقها مليشيات حكومية وهي تهدم منازل تعود لمدنيين.
وفي إحدى الحوادث التي أثارت غضبًا واسعًا، قالت فتاة إن القوات اقتحمت منزل والدتها المسنة منتصف الليل وقامت بهدمه فوق ساكنيه، في مشهد إنساني قاسٍ أظهر حجم المعاناة التي يعيشها المتضررون.
ولم يتوقف الأمر عند الأحياء السكنية، إذ يتهم النص حسن جورجورتي بعدم مراعاة حرمة الأحياء والأموات على حد سواء، متحدثًا عن نبش قبور وإخلاء أراضٍ بالقوة شملت كبار السن والشباب دون تمييز.
كما وردت رواية عن رجل يبلغ من العمر 90 عامًا وكان إمامًا لمسجد، قامت المليشيات بهدم منزله، في حادثة أثارت حالة من الذعر بين السكان المحليين.
ومن بين الأساليب التي قيل إن المليشيات استخدمتها خلال عمليات الاستيلاء، وضع العائلات أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما مغادرة منازلهم بالقوة، أو دفع مبالغ مالية ضخمة تُفرض عليهم كإتاوات.
ورغم حالة الغضب الواسعة التي يعيشها سكان مقديشو، فإن بعض الأحياء اشتهرت بمقاومة مسلحة مباشرة ضد المليشيات، في محاولة لمنع الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
وتُعد أحياء مديرية دينيلي من أبرز المناطق التي تقود عمليات المقاومة ضد القوات الحكومية، حيث يؤكد السكان أن الأراضي التي تمت مصادرتها لم يتمكن المشترون الجدد من البناء فيها حتى الآن بسبب استمرار المواجهات.
وباتت الاشتباكات في دينيلي شبه يومية، فيما يتمسك السكان بوعودهم بعدم السماح بالاستقرار في الأراضي التي انتُزعت من أصحابها.
وقبل أشهر، أقر حسن جورجورتي بأن مجموعته تنفذ عمليات إزالة واستحواذ على الأراضي في مقديشو، مبررًا ذلك بأنه جزء من “فتح الطرق”، داعيًا المتضررين إلى التحلي بالصبر وتحمّل ما وصفه النص بعمليات النهب.
ومن أكثر الحوادث التي أثارت صدمة في العاصمة، ما جرى لرجل يبلغ من العمر 95 عامًا وُلد عام 1930، حيث هُدم منزله بالقوة، قبل أن يوجه له حسن شيخ محمود رسالة تعزية عبر وسائل الإعلام، بينما استمرت عملية الاستيلاء على أرضه دون تراجع.
وفي الساحات العامة، لم يعد كثير من سكان مقديشو يُخفون غضبهم، إذ باتوا يعلنون صراحة رفضهم لسياسات حسن جورجورتي وحكومته.
وفي اعتراف وُصف بأنه الأول من نوعه، أقر مسؤولون في الحكومة بوجود عمليات استيلاء واسعة على الأراضي، حيث قال وزير الدفاع المعيّن من قبل حسن شيخ إن الحكومة والمعارضة يشتركان في ملف نهب الأراضي الجارية داخل العاصمة.
ويؤكد المحللون أن حسن شيخ بدأ سياسة الاستيلاء على الأراضي منذ العام الأول من ولايته، لكنه شغل الرأي العام حينها بالحرب التي أعلنها على الولايات الإسلامية التي تسيطر عليها حركة الشباب المجاهدين، إضافة إلى حملات محاكمة مسؤولين حكوميين بتهم الفساد. غير أن تلك الملفات كانت مجرد غطاء مؤقت، قبل أن يظهر الوجه الحقيقي للمشروع الذي كان يُدار خلف الكواليس.
واليوم، وبعد مرور أربع سنوات، يجد سكان مقديشو أنفسهم أمام واقع مثقل بالمجازر والانتهاكات وعمليات هدم المنازل والضرائب الباهظة والإتاوات، فضلًا عن حملات القصف التي نُسبت إلى الطائرات الأجنبية، والاستيلاء الواسع على الأراضي.
ويبقى السؤال الذي يطرحه كثيرون داخل العاصمة: هل سيقبل سكان مقديشو بتمديد أربع سنوات أخرى لهذا الواقع، أم أن الغضب المتصاعد سيدفعهم نحو مواجهة مفتوحة مع السلطة داخل أسوار “فيلا الصومال”؟