مقال رأي مترجم: الدعوة إلى جمهورية إسلامية في الصومال

“لم تتناسب فكرة الدولة الأوروبية أبدًا مع المجتمع الصومالي. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن ما فشل في الصومال لم يكن الديمقراطية بحد ذاتها، بل قلة من الديمقراطيين الذين حاولوا نقل نماذج الحكم الغربية إلى الصومال”. رينيه بروزيوس
دخل الإسلام إلى منطقة القرن الإفريقي في وقت مبكر جدًا، عقب الهجرة مباشرة، وتحديدًا في مدينة زيلع الواقعة شمال غرب الصومال خلال حياة النبي محمد ﷺ، حيث أُنشئ مسجد القبلتين هناك. ويُعد مسجد القبلتين، الذي يعود إلى القرن السابع الميلادي، أقدم مسجد في البلاد. وكان الصوماليون من أوائل غير العرب الذين اعتنقوا الإسلام، وظل الإسلام جزءًا من المجتمع الصومالي منذ ذلك الحين. وفي أواخر القرن التاسع، كتب المؤرخ اليعقوبي أن المسلمين كانوا يعيشون على الساحل الشمالي للصومال، وذكر أن عاصمة مملكة عدل كانت في زيلع، مما يشير إلى أن سلطنة عدل تعود على الأقل إلى القرن التاسع أو العاشر. ووصف ابن بطوطة مدينة زيلع في القرن الرابع عشر بأنها مدينة إسلامية بالكامل.
انتشر الإسلام بسرعة في أنحاء الصومال، حتى وصل إلى القرى النائية. واليوم، يُشكل السنّة الغالبية الساحقة من المسلمين الصوماليين، وقد ورثوا تراثًا ثريًا من الفقه والعلم الإسلامي، وهو ما أثر بعمق في الثقافة الصومالية، بما في ذلك الفنون والآداب والعادات الاجتماعية. وتضم اللغة الصومالية العديد من الكلمات ذات الأصل العربي، كما أن الملابس التقليدية تلتزم بمبادئ الحشمة الإسلامية. وغالبًا ما تتناول القصائد الصومالية موضوعات دينية، تعزز الأخلاق والإيمان.
وكما قال عالم الأنثروبولوجيا آي. إم. لويس: “يوفر الإسلام العمق والترابط للعناصر المشتركة في الثقافة التقليدية التي توحد الصوماليين رغم انقساماتهم الداخلية”. هذا التماسك الثقافي يُشكّل أساس الوعي الوطني القوي لديهم. وعلى الرغم من أن الصوماليين لم يعرفوا الدولة الموحدة تقليديًا، إلا أن هذا التراث القومي المدعوم بالإسلام يشكل جوهر القومية الصومالية المعاصرة.
خلال العصور الوسطى، عملت الصومال كدولة إسلامية، تحكمها سلطنة قوية أدارت التجارة الإقليمية. ومن بين هذه السلطنات: مقديشو، أجوران، عدل، ورسنجلي، عفت، هوبيو، جيلدي وغيرها.
سلطنة مقديشو، المعروفة أيضًا باسم مملكة مقدازو، كانت سلطنة صومالية-عربية إسلامية في جنوب الصومال، أسسها أبو بكر بن فخر الدين. وكانت تُعرف بـ”مدينة الإسلام”، واعتُبرت مركزًا رئيسيًا للثقافة والتجارة الإسلامية، تقع في ما يُعرف اليوم بعاصمة البلاد. ازدهرت السلطنة كمركز تجاري خلال العصور الوسطى، وجذبت تجارًا من شتى أنحاء العالم الإسلامي، مما أسفر عن مجتمع عالمي مزدهر. لعبت سلطنة مقديشو دورًا هامًا في نشر الإسلام وخلّفت إرثًا ثقافيًا ومعماريًا كبيرًا في المنطقة.
أما سلطنة أجوران فكانت إمبراطورية إسلامية في القرن الإفريقي ازدهرت من أواخر العصور الوسطى إلى بدايات العصر الحديث. أسسها سلاطين صوماليون، وسيطرت على معظم المناطق الصومالية، وبلغت أوجها في القرنين الثالث عشر والرابع عشر. وبحلول القرن الخامس عشر، عُرفت بأنها “الإمبراطورية الهيدروليكية الوحيدة في إفريقيا”. تميزت بإدارة قوية وجيش منظم، قاومت غزوات الأورومو وتدخلات البرتغاليين، وأعادت ربط طرق التجارة بالشرق الأدنى وآسيا الشرقية. ويُعتقد أنهم كانوا من أوائل الأفارقة الذين تواصلوا مع الصين. سيطرت السلطنة على تجارة الذهب، وأسست هيمنة اقتصادية بارزة، وأدارت أسطولًا بحريًا قويًا مكنها من توسيع نفوذها الساحلي.
أما سلطنة عدل، المعروفة أيضًا بإمبراطورية عدل، فكانت مملكة سنية إسلامية في القرن الإفريقي، أسسها صبر الدين الثالث بعد سقوط سلطنة عفت. ازدهرت بين عامي 1415 و1577، وبلغت ذروتها في عهد السلطان بدلي، وامتدت من رأس غردافوي في الصومال إلى سواكن في السودان. كانت تربطها علاقات تجارية قوية مع الدولة العثمانية، وعُرفت أحيانًا باسم اتحاد زيلع. في عام 1529، دخلت عدل في صراعات متكررة مع الحبشة (إثيوبيا حاليًا) للسيطرة على طرق التجارة في البحر الأحمر. وقاد الإمام أحمد بن إبراهيم الغزي حملة ناجحة ضد الحبشة، وحقق انتصارات بارزة أبرزها معركة شيمبرا كور، ما سمح بتوسيع أراضي عدل إلى داخل الحبشة وما بعدها. عُرف جيش السلطنة باستخدامه المبكر للأسلحة النارية، وكان لنفوذها أثر كبير في أسلمة الصومال.
لكي تنهض أمة، لا بد لها أن تعتمد على رؤيتها الذاتية، وتحافظ على منظومة قيمها الخاصة، وتتجنب مطاردة أحلام براقة قد تهدد هويتها الثقافية، مهما بدت مغرية. ومن هذا المنطلق، فإن الحل المقترح لا يكمن في إدخال نموذج جديد للدولة، بل في إحياء نظام حكم له جذور تاريخية وثقافية عميقة. وبالنظر إلى السياق الغني للصومال، فإن إقامة حكومة إسلامية يمكن أن تشكل طريقًا نحو الاستقرار والوحدة.
في الحقبة الاستعمارية، لم تُحدث الأنظمة المفروضة تغييرًا جوهريًا في القيم الصومالية، لأن القيم الغربية والثقافة الصومالية متباينتان إلى حدٍ لا يسمح بالتقارب. فقد خضعت البلاد لقرون لحكم سلاطين إسلاميين، ما أسّس هوية إسلامية عميقة الجذور في المجتمع. ووفقًا للباحث س. كابلان: “تُجسد الصومال أحد أسوأ النماذج في إفريقيا ما بعد الاستعمار، من حيث التباين بين الهياكل التقليدية للدولة والهياكل المستوردة.” فقد فشل الاستعمار في فهم الفوارق الثقافية الدقيقة في المجتمع الصومالي، وسعى لفرض معايير حول ما هو “جيد” أو “سيئ”، بينما وصف التقاليد الصومالية بأنها “بدائية”. ونتيجة لذلك، قاوم الصوماليون هذا الاستعلاء الثقافي باستخدام السلاح.
حازت أولى الحكومات الديمقراطية بعد الاستعمار على دعم شعبي، مدفوعةً بالمشاعر المناهضة للاستعمار. لكن بدلًا من استعادة القيم الثقافية والدينية التي همّشها الاستعمار، تبنت تلك الحكومات نفس النموذج الغربي الذي لم يلق قبولًا شعبيًا. وهكذا، كان رحيل المستعمر رمزيًا أكثر منه حقيقيًا.
تأسست الحكومة الفيدرالية الصومالية الحالية من باب الضرورة القصوى، بهدف إسكات السلاح لا أكثر. وخلال عملية المصالحة، تم تجاهل الإسلام عمدًا، رغم أنه الرابط الوحيد الذي يجمع الشعب الصومالي. وبدلًا من ذلك، تأسست الحكومة على أساس قبلي، وهو أمر يفرق ولا يوحد. ورغم أن كلًا من الإسلام والانتماء القبلي يشكلان مكونات الهوية الصومالية، إلا أن الولاء القبلي غالبًا ما يطغى على المبادئ الإسلامية. ولذلك، تبدو فرص نجاح حكومة فيدرالية قائمة على القبلية ضئيلة، كما أن التوترات المستمرة بين الولايات شبه المستقلة والحكومة المركزية تؤكد الحاجة إلى معالجة القبلية من منظور إسلامي.
وفي الختام، تُعد الصومال نموذجًا كلاسيكيًا للديمقراطية المفروضة. لكن ما هي الديمقراطية؟ إنها أداة استراتيجية تُستخدم لإقامة حكومات دمى خاضعة للمصالح الغربية. ومثال ذلك ما حدث في إيران عام 1953، حين أطاحت الولايات المتحدة وبريطانيا برئيس الوزراء محمد مصدق بعد أن قام بتأميم قطاع النفط، وأعادوا تنصيب الشاه الموالي للغرب. وقد صُوّرت تلك العملية على أنها دفاع عن الديمقراطية، لكنها انتهت إلى عقود من الحكم الاستبدادي. وكما يقول الأكاديمي ديفيد بيثام: “إذا كانت الديمقراطية تقوم على مبدأ تقرير المصير، فكيف يُمكن فرضها عبر الاحتلال والغزو؟” إنها أداة سياسية تُستخدم لضمان المصالح، ومعاقبة المخالفين، والحفاظ على النفوذ.
أما حقوق الإنسان والحكم الرشيد، فهي قيم عالمية فعلًا، ولا ينبغي أن تكون حكرًا على ثقافة بعينها. غير أن المجتمعات غير الغربية تعاني من اعتقاد الغرب بأنه الجهة الوحيدة المؤهلة لتعريف الكرامة الإنسانية ومفاهيم الحكم الرشيد. هذا الطرح  يرسخ رؤية ثقافية تتجاهل أو تقلل من شأن المعتقدات غير الغربية، لا من منطلق التفوق الأخلاقي، بل بسبب تحامل عنصري متجذر. وعلى الرغم من أن المصالح الاقتصادية والاستراتيجية لعبت دورًا في التوسع الاستعماري، إلا أن العقلية التي تفترض تفوق العرق الأوروبي كانت المحرك الرئيسي وراء الحملات الاستعمارية في إفريقيا وآسيا وأماكن أخرى. ونتيجة لذلك، تتعرض المجتمعات غير الغربية لضغوط مستمرة لتبني ما يُسمى بـ”المعايير الذهبية”، وإلا فإنها تواجه عقوبات سياسية واقتصادية من الغرب.
ولو قلبنا المعادلة تخيليًا: ماذا لو حاول المسلمون فرض الشريعة الإسلامية على المجتمعات الغربية دون موافقتها؟ حينها، سيتم اعتبار أي دعوة للديمقراطية الليبرالية أو أي انحراف عن المسار المفروض جريمة يُعاقب عليها بالإعدام. مثل هذا السيناريو سيثير ردود فعل مشابهة لتلك التي يشعر بها المسلمون اليوم، من مشاعر الإقصاء والغضب، وسيطلقون عليه “استعمارًا ثقافيًا”، تمامًا كما تتهم المجتمعات الإسلامية الغرب بذلك اليوم. فالصراع هو بين شعوب محلية ترفض معتقدات أجنبية، وقوى عظمى ترى أن سلطتها المفترضة مهددة.
وخلاصة القول، وبعد أن جرب الصوماليون أشكالًا متعددة من الهياكل الإدارية الأجنبية، ينبغي النظر في خيار الدولة الإسلامية كطريق محتمل للخروج من الفوضى، وإرساء نظام يتناغم مع السياقات الثقافية والدينية للشعب الصومالي. وفيما يلي بعض الأسباب القوية التي تدعم هذا التوجه:
الإسلام جزء أصيل من الهوية الصومالية: فقد دخل الإسلام إلى الصومال في حياة النبي محمد ﷺ، ما يجعل الصوماليين من أوائل المسلمين غير العرب. وبحلول القرن التاسع، أشار المؤرخ اليعقوبي إلى وجود مجتمعات مسلمة على الساحل الشمالي للصومال. وقد أسهم الإسلام في بناء رابطة دينية، وحضارة ثقافية، وهوية إسلامية قوية ساهمت في التوفيق بين القبائل المتنازعة. فالصومال لم تُعرف يومًا بشيء يسبق الإسلام.
الفقه الإسلامي جزء من البنية التاريخية الصومالية: فقد قامت أنظمة حكم إسلامية مزدهرة مثل سلطنة مقديشو، وسلطنة أجوران، وسلطنة عدل. فعلى سبيل المثال، كانت سلطنة مقديشو تُعرف بـ”مدينة الإسلام”، وازدهرت كمركز تجاري وثقافي. وسلطنة أجوران برزت كإمبراطورية إسلامية ذات نظام إداري وعسكري قوي، وعُرفت بأنها “الإمبراطورية الهيدروليكية الوحيدة في إفريقيا”. أما سلطنة عدل، التي امتدت من الصومال إلى السودان، فقد مثّلت نموذجًا ناجحًا للحكم الإسلامي المستقر والفعال.
فشل النماذج الغربية في الصومال: سواء كانت ديمقراطية، أو استبدادية، أو فيدرالية، فإن جميع هذه النماذج لم تُفلح في توفير نظام حكم متماسك، لكونها افتقرت للسياق الثقافي والديني الصومالي. وكما قال رينيه بروزيوس: “لم تكن الديمقراطية هي التي فشلت في الصومال، بل الديمقراطيون القلائل الذين حاولوا استيراد نماذج الحكم الغربية.”
الحل الإسلامي كخيار بديل وواقعي: لقد فشلت كل الحلول المقترحة حتى الآن في وضع حد للفوضى، ما يدفع البعض لاقتراح إطار حكم إسلامي. ومثلما حصل في صعود اتحاد المحاكم الإسلامية عام 2006، فإن العديد من الصوماليين يشعرون بارتباط عميق بالشريعة الإسلامية كمنظومة حكم، لكنهم يترددون في تطبيقها خوفًا من وسمهم بالإرهاب. وقد عبّر الشاعر الراحل أبشر نور فرح (أبشر بعقدلي) عن هذه المعضلة في بيت شعري يقول فيه: “أميركا ترانا، لذا ابتعد الناس عن الإيمان.”
وبعد أن جرب الصوماليون الاستعمار، والديمقراطية الزائفة، والقوة الغاشمة، والاشتراكية العلمية، والفيدرالية القائمة على القبيلة، تبقى الحقيقة الواضحة لمن يهمه استقرار الصومال: ما البديل المتبقي سوى الشريعة الإسلامية؟
عبد الناصر حاشي
مقديشو، الصومال

لتحميل النسخة العربية من التقرير (بي دي أف)

To download the original report in English (pdf)