الـهُجُومُ في السَّابِعِ مِنْ أُكْتُوبَر: بَدَايَةُ نِهَايَةِ الحُكْمِ اليَهُودِيّ

في عام 1897م، أعلن اليهود المقيمون في القارة الأوروبية في مدينة بازل السويسرية عن تأسيس المنظمة الصهيونية العالمية. وكان الصهاينة يؤمنون بأن لليهود حقًّا في حكم أرض فلسطين، وأن من الواجب أن يجتمع جميع يهود العالم من جديد في تلك الأرض. وقد أيّدت الحكومة البريطانية هذه الفكرة سنة 1917م، إذ وجّه وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور في الثاني من نوفمبر عام 1917م رسالة قصيرة جدًا إلى الصهيوني اللورد والتر روتشيلد، جاء فيها:
“إن حكومة جلالة الملك ترى بعين الاعتبار أن فلسطين هي الوطن القومي للشعب اليهودي، وتتعهد الحكومة البريطانية ببذل كل ما في وسعها لتحقيق هذه الرؤية”.
بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، أصبحت فلسطين تحت سلطة الانتداب البريطاني، وهو ما مهّد الطريق أمام دخول آلاف اليهود إلى الأراضي الفلسطينية. وقد بدأت احتجاجات واسعة ترفض هذا التوافد اليهودي. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، تفاقمت الأزمة عندما ارتكب الزعيم الألماني هتلر مجازر بحق اليهود في أوروبا، فهرب آلافٌ منهم إلى فلسطين، مما زاد الوضع توترًا. عندئذٍ طلب وزير الخارجية البريطاني من الأمم المتحدة التدخل في القضية.
وفي نوفمبر عام 1947م، صوتت الأمم المتحدة على قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين: يهودية وعربية. وفي 14 مايو 1948م، أُعلن عن قيام دولة “إسرائيل” في مدينة تل أبيب على يد زعيم الصهاينة ديفيد بن غوريون.
وسرعان ما شنت دول مصر وسوريا والأردن والعراق ولبنان هجومًا على الكيان اليهودي الوليد. وقد كان يُتوقع أن تنتصر الجيوش العربية، إلا أن النتيجة جاءت عكس ذلك؛ إذ انتصرت “إسرائيل” بدعم من القوى الاستعمارية العالمية. وتمكنت من السيطرة على معظم أراضي فلسطين، كما احتلت مدينة إيلات الساحلية وأجزاء من البحر الأحمر. وقد فرّ مئات الآلاف من الفلسطينيين من ديارهم جراء المجازر الإسرائيلية، وأصبحوا لاجئين في الدول المجاورة.
كانت بريطانيا ومصر قد وقعتا عام 1936م اتفاقية تسمح لبريطانيا بإبقاء قواتها لحماية قناة السويس. إلا أن الاتفاق انتهى عام 1956م، ورفضت مصر تجديده. عندئذٍ أمر الرئيس المصري جمال عبد الناصر بانسحاب القوات البريطانية فورًا من قناة السويس، وأعلن تأميم القناة كي تُستخدم عائداتها في بناء سدّ أسوان.
وقد أقلق هذا القرار الدول الغربية، التي خشيت أن يسعى عبد الناصر إلى توحيد الأمة العربية تحت قيادته وأن يقيم تحالفًا مع المعسكر الشرقي الشيوعي، مما قد يهدد إمدادات النفط الغربية من الشرق الأوسط. وأدت هذه التطورات إلى نشوب العدوان الثلاثي (حرب قناة السويس) عام 1956م.
بدأت الحرب عندما هاجمت إسرائيل سيناء في أكتوبر 1956م، وتبعتها غارات جوية بريطانية وفرنسية على القوات المصرية، قبل أن تنزل قواتهما في مدينة بورسعيد الواقعة شمال القناة. وقد أدانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي العدوان، إذ خشي الأمريكيون من أن يؤدي ذلك إلى ثورات معادية للغرب في المنطقة. لذلك ضغطت واشنطن على بريطانيا وفرنسا و”إسرائيل” للانسحاب من سيناء ومن قناة السويس.
استمرت الحروب بين “إسرائيل” والدول العربية. فاندلعت حرب الأيام الستة عام 1967م التي انتهت بانتصار “إسرائيل”، تلتها حرب يوم الغفران عام 1973م، والتي انتهت كذلك لصالح “إسرائيل”. وتُعرف هذه النزاعات مجتمعة باسم الحروب العربية الإسرائيلية.
وفي عام 1979م، وُقِّع اتفاق كامب ديفيد بين مصر و”إسرائيل” في مدينة واشنطن خلال شهر مارس من ذلك العام.
وكانت أبرز بنود الاتفاق كما يلي:
  • إنهاء حالة الحرب بين مصر و”إسرائيل” المستمرة منذ عام 1948م.
  • تعهُّد “إسرائيل” بالانسحاب من شبه جزيرة سيناء.
  • التزام مصر بعدم مهاجمة “إسرائيل” مجددًا.
  • يمكن للسفن الإسرائيلية استخدام قناة السويس.
ومنذ ذلك اليوم، شاع القول» :حربٌ عربيةٌ لا تكون فيها مصر طرفًا ليست حربًا«، وهي عبارةٌ غيّرت وجه الصراع، إذ أصبح منذ ذلك الحين حربًا بين اليهود المدعومين من الغرب من جهة، والفلسطينيين من جهةٍ أخرى.
تُعدُّ فلسطين شريان الأمة الإسلامية، لكنها تعيش منذ أكثر من ثمانين عامًا تحت احتلالٍ عنصريٍّ استيطانيٍّ إحلاليّ. وقد استمر هذا التطهير العرقي منذ أن وُضعت فلسطين تحت سلطة اليهود عام 1948م.
وفي صباح السابع من أكتوبر عام 2023م، شنّت كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، هجومًا منسّقًا ومخططًا له بدقة على المستوطنات والمناطق التي يحتلها اليهود في فلسطين. وقد اخترقت قوات القسام الحدود الوهمية التي أقامها الاحتلال، فقتلت نحو 1200 يهودي، وأَسرت مئاتٍ آخرين. هذا الهجوم أحدث صدمةً كبيرة داخل كيان الاحتلال في تل أبيب.
وقد أُطلق على العملية اسم »طوفان الأقصى«، ووُصفت بأنها أعنف عمليةٍ عسكرية ينفذها الفلسطينيون منذ عام 1948م. وصرّح رئيس وزراء الكيان اليهودي بنيامين نتنياهو لوسائل الإعلام قائلًا: »إنها حربٌ بين الهمجية والحضارة« (Barbarism and Civilization).
ردَّت “إسرائيل” بحملةٍ واسعةٍ من القصف الوحشي على مدينة غزة المحاصَرة، بينما اصطفّ معظم قادة الغرب إلى جانب الكيان الصهيوني، في حين اكتفت الأنظمة العربية بالصمت المريب، والضعف المخزي، والخوف المذلّ. وبعض الحكومات لم يتجاوز دعمها للفلسطينيين توفير الأكفان لدفن الشهداء.
جاء هذا الهجوم في وقتٍ كانت تقترب فيه نهاية ما سُمِّي بـ »اتفاق إبراهام«، وهو مشروع لتطبيع العلاقات بين بعض الأنظمة العربية و”إسرائيل” برعاية الولايات المتحدة، بزعم «الأخوة بين الأديان. «
في العدوان الجديد على غزة الذي بدأ فجر السابع من أكتوبر 2023م، استشهد 66,055 شخصًا وأُصيب 168,346 آخرون، وفق ما أعلنته وزارة الصحة في غزة التابعة لحماس، مع الإشارة إلى أن هناك عددًا كبيرًا من الشهداء لم تُسجَّل وفاتهم رسميًا. وتشير التقارير إلى أن 85  % من مدينة غزة قد دُمِّرت بالكامل، وأن الخسائر الاقتصادية تجاوزت 53  مليار دولار أمريكي.
وفي قمة الرياض التي عُقدت في فبراير 2025م، فشل القادة العرب في الردّ حتى بكلمةٍ واحدةٍ ذات معنى على تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي قال فيه: »يجب نقل الفلسطينيين من قطاع غزة«!
وزادت الفضيحة حين عُقدت قمة القاهرة في مارس 2025م، حيث أقرّ القادة العرب جزئيًا بخطة ترامب، رغم محاولاتهم التبرير والمراوغة.
خلال الحرب التي اندلعت في السابع من أكتوبر 2023م، قُتل معظم القادة السياسيين والعسكريين لحركة حماس. وأثناء استمرار المعارك، تحطّمت طائرة الرئيس الإيراني، كما اغتالت “إسرائيل” قائد حركة حماس إسماعيل هنية، ثم خليفته يحيى السنوار، إضافةً إلى الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله، وعددٍ كبيرٍ من كبار قيادات الحزب.
أما في صفوف اليهود، فقد قُتل مئات الجنود ودُمِّر المئات من دباباتهم وآلياتهم العسكرية. وتقدّر تكاليف الحرب على “إسرائيل” من بدايتها حتى نهاية عام 2024م بأكثر من 67.5  مليار دولار أمريكي. وإذا صحت هذه الأرقام، فإن الخسائر الاقتصادية الإسرائيلية تجاوزت تلك التي لحقت بمدينة غزة التي دمّرتها “إسرائيل” بجبروتها.
وفي يونيو 13، 2025م، شنّت “إسرائيل” هجومًا واسعًا داخل إيران، أسفر عن مقتل أعلى القادة العسكريين الإيرانيين، من بينهم رئيس الأركان العامة، وقائد الحرس الثوري، وقائد القوات البرية. كما اغتيل أكثر من ثمانية خبراء نوويين إيرانيين، ودُمِّرت العديد من المنشآت النووية. وفي اليوم نفسه، استهدفت “إسرائيل” قواعد عسكرية في إيران وسوريا والعراق ولبنان وفلسطين واليمن بسلسلةٍ من الغارات الجوية.
ومن الجدير بالذكر أن الجنرال ويسلي كلارك، أحد كبار قادة الجيش الأمريكي، كان قد كشف في مقابلةٍ أجراها عام 2007م عن خطةٍ سريةٍ للحكومة الأمريكية تهدف إلى تدمير سبع دول إسلامية. قال في حديثه:
“بعد عشرة أيام من هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ذهبتُ إلى مقر وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون). التقيتُ بوزير الدفاع ونائبه، وبعد الاجتماع نزلتُ إلى الطابق السفلي لأحيّي بعض أصدقائي القدامى. ناداني أحدهم وقال لي: لقد اتخذنا قرارًا، سنشنّ حربًا على العراق.
فسألته: لكن لماذا؟
أجابني: لا أدري!
وبعد أسابيع قليلة، عدتُ من أفغانستان التي كانت تتعرض حينها لقصفٍ عنيف، وذهبتُ مجددًا إلى البنتاغون للقاء صديقي نفسه. قلت له: هل ما زلنا نخطط لغزو العراق؟
فردّ عليّ: الوضع أصبح أخطر مما تظنّ. ثم تناول ورقة من على مكتبه وقال لي: هذه الوثيقة أخذتُها اليوم من مكتب وزير الدفاع، وهي تشرح خطةً لتدمير سبع دول خلال خمس سنوات. هذه الدول هي: العراق، سوريا، لبنان، ليبيا، الصومال، السودان، وإيران.“

تنفيذ الخطة الغربية

واليوم، كما أوضح النص، هاجم الغرب جميع تلك الدول بالفعل:
  • العراق: شنّت عليه الولايات المتحدة وحلفاؤها غزوًا واسعًا عام 2003م.
  • الصومال: غزتها القوات الإثيوبية المدعومة غربيًا عام 2006م، ومنذ ذلك الوقت تخضع الصومال لوجودٍ عسكري إفريقي وغربيٍّ قويٍّ سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.
  • لبنان: تعرّض عام 2006م لهجومٍ إسرائيليٍ غربيٍ كبيرٍ لم يتوقف حتى اليوم.
  • ليبيا: قُصفت من الجوّ عام 2011م، وما زالت منذ ذلك الحين تعاني الانقسام والدمار والفوضى.
  • السودان: دعم الغرب فيه الحركات المتمرّدة من كل الجهات حتى تم تقسيمه عام 2011م، ولا يزال يعيش في أتون الحرب والدمار، بينما تُسمع أصوات الرصاص اليوم في العاصمة الخرطوم.
  • سوريا: بدأ الغرب و”إسرائيل” حربًا مباشرةً ضدها عام 2011م، وما تزال الساحة السورية متوترة وعلى صفيح من نار إلى يومنا هذا.
  • إيران: وصلت الآن إلى المرحلة التي كان يُخطط الغرب فيها لتدميرها كليًّا، وبدأ ما يشبه العدوان الشامل الذي طال الإعداد له. وتُعد إيران اليوم القوة الإقليمية الوحيدة في الشرق الأوسط التي تتحدى “إسرائيل”.


الصراع الإيراني – الإسرائيلي

تحظى “إسرائيل” بدعمٍ كاملٍ من الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، بريطانيا، وفرنسا.
وترى الولايات المتحدة أن “إسرائيل” ليست سوى امتدادٍ استراتيجيٍّ لأراضيها، أو كما يسميها بعض المسؤولين الأمريكيين: “فرع من الولايات المتحدة في الشرق الأوسط”.
في المقابل، نسجت إيران تحالفاتٍ قوية مع حزب الله اللبناني، وحركة حماس الفلسطينية، وجماعة أنصار الله الحوثية، وقدّمت لهم دعمًا عسكريًا وتقنيًا وسياسيًا واسعًا، مما جعلها قادرةً على فرض ضغوطٍ كبيرة على “إسرائيل”.

موقف الغرب الرسمي

في قمة مجموعة السبع (G7) التي عُقدت في كندا مطلع يونيو 2025م، نصّ البيان الختامي على أن لإسرائيل الحقّ في الدفاع عن نفسها، كما أكد أن من غير المقبول السماح لإيران بتطوير سلاحٍ نوويّ.
ومنذ أن اختبرت الولايات المتحدة أول قنبلة نووية عام 1945م، أصبح في العالم تسع دولٍ تمتلك السلاح النووي:
الولايات المتحدة، روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا، الهند، باكستان، “إسرائيل”، وكوريا الشمالية.
أما إيران، فهي تمتلك أكبر ترسانةٍ من الصواريخ الباليستية في الشرق الأوسط، بينما تُقدّر ترسانة “إسرائيل” النووية بحوالي تسعين رأسًا نوويًا⁵.

الحرب الأمريكية – الإيرانية

في الأسبوع الثاني من الحرب، انخرطت الولايات المتحدة مباشرةً في القتال، حيث شنّت قاذفاتها الإستراتيجية من طراز B-2 غاراتٍ مدمّرة على منشآت إيران النووية في فوردو، نطنز، وإصفهان⁶.
ظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب محاطًا بنائبه ووزيري الخارجية والدفاع ليُعلن بفخر أنهم دمّروا البنية النووية الإيرانية، في حين أشاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشدة بالدور الأمريكي في العدوان على إيران.
ردّت إيران بإطلاق صواريخ باليستية على قاعدة العديد الجوية في قطر، التي تتمركز فيها أكثر من 10,000  جندي أمريكي⁹.
في منتصف سبتمبر 2025، شنّت الطائرات الحربية الإسرائيلية غارةً على أعضاء الوفد الفلسطيني المسئولين عن مفاوضات حماس و”إسرائيل”، والذين كانوا متواجدين في مدينة الدوحة عاصمة قطر. إثر هذه الخطوة الإسرائيلية، انعقد مؤتمر الدول العربية والدول الإسلامية في الدوحة. ولم تستطع دول المؤتمر أن تتّخذ قرارًا فعّالًا يواجه “إسرائيل”. من جانبه وصف رئيس وزراء “إسرائيل” بنيامين نتنياهو المؤتمر المفتتح في الدوحة بأنه «طيورٌ تغرد». وبالوقوف بجانبه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، صرح نتنياهو أن هجومًا واسعا النطاق سيُشن خلال ساعات على قطاع غزة. وشرع هذا الهجوم فورًا بشكل رسمي. وهدفت العملية حسبما أعلنت “إسرائيل” إلى «عدم ترك بيت واحد قائم في غزة». كما صرّحت “إسرائيل” بأنها تنوي بناء ما سمتْه «إسرائيل الكبرى». وخلال دقائق انعقاد مؤتمر الدوحة، نشر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو على حسابه في «إكس» تغريدة مفادها: «نحن في العاصمة الأبدية لإسرائيل، القدس».
ومن جهة أخرى، وخلال مؤتمر صحفي، سأل رئيس وزراء “إسرائيل” بنيامين نتنياهو الصحفيين الحاضرين: «هل معكم هواتف؟» فأجابوا: «نعم!» ثم قال لهم: «إذًا اعلموا أن ما تحملونه في أيديكم هو جزءٌ صغير من إسرائيل». فُهم هذا القول على أنه تهديدٌ وتحذير موجه إلى القادة الحاضرين في المؤتمر بقطر.
يُقدّرُ عدد اليهود المقيمين في العالم بأقل من 15 مليون نسمة، ومساحة الأراضي التي يحتلونها ويقيمون عليها تقل عن عشرة كيلومترات مربعة فقط. أما عدد العرب فيبلغ أكثر من 450 مليون نسمة. وتقع الدول العربية على أهم موقع جيوسياسي في العالم، إذ تملك أكثر من 50% من احتياطي النفط العالمي. ويبلغ عدد دول العالم الإسلامي 58 دولة تقريبًا. ويزداد عدد المسلمين في العالم على ملياري نسمة.
كان بعض المراقبين يظنون أن مؤتمر الدوحة الذي اجتمع فيه أكثر من 50 دولة سيؤدي إلى قطع علاقات بعض الدول مع “إسرائيل”، أو إلى فرض حظرٍ جوي على رحلات “إسرائيل” فوق أجواء الدول العربية أو الإسلامية، أو إلى فرض عقوبات اقتصادية تُؤثر على “إسرائيل”، لكن شيئًا من هذا لم يحدث. أما مصر وتركيا وإيران وباكستان—التي وُجهت إليها اتهامات—فقد اكتفت بمواقفٍ تظلّلها الحيرة. وفي المجمل، اختزلت النخب الحاضرة خطابها في هتافٍ واحد: «لتسقط إسرائيل!» ونداءٌ لـ«أمريكا أن تُنقذنا من إسرائيل»!.
في نهاية سبتمبر 2025 عُقدت الدورة العامة للأمم المتحدة في الذكرى الثمانين لتأسيسها، وقد تزامن ذلك مع عالمٍ يهتزّ بسبب تصاعد الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية إلى مستوياتٍ غير مسبوقة. وقد أقرت جلُّ دول العالم—بما في ذلك أربع دول تملك حقّ النقض (الفيتو): بريطانيا وفرنسا والصين وروسيا—بـ«حقِ قيام كيان فلسطيني مستقل». إلا أن هذه الموافقة قوبلت برفض من الولايات المتحدة و”إسرائيل” وعددٍ من الدول الصغيرة. ومرةً أخرى برزت المقولة القائلة إن «هيمنة أمريكا تتجاوز كل القوانين». وهذا مؤشر إضافي على أن تغييراتٍ عالمية قد تلوح في الأفق.
في 29 سبتمبر 2025 أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واقفًا بجانبه رئيس وزراء “إسرائيل” بنيامين نتنياهو، خطةً خطرةً تهدف إلى وضع قطاع غزة تحت إدارة إسرائيلية. تحتوي الخطة—التي تضمُّ عشرين بندًا—من بين ما تضمنته: تجريد حماس من السلاح، وتسليم إدارة مدينة غزة إلى عناصرٍ مدنيةٍ فلسطينية من سكان غزة تكون “إسرائيل” تمارس عليها إشرافًا وسيطرةً من أعلى. كما تقضي الخطة بأن يغادر قادة وأعضاء حماس قطاع غزة أو يخضعوا لحكمٍ مدنيٍ إسرائيلي تحت غطاءٍ شعبي. وتشمل الخطة أيضًا هدمَ جميع الأنفاق والتحصينات العسكرية التي تمتلكها حماس في القطاع.
وأعلن الرئيس ترامب أنه إذا لم تقبل حماس الخطة خلال 72 ساعة، فإن الولايات المتحدة ستدعم “إسرائيل” دعمًا كاملًا لاحتلال قطاع غزة بالقوة. من جهته أكد نتنياهو أن “إسرائيل” «ستتولى غزة دائمًا»، وأن خيار حماس هو إما الاستسلام وتسليم مفاتيح المدينة أو مواجهة الاحتلال بالقوة. وحتى الآن كان رد حركة حماس ردًا جزئيا على هذا المخطط، بقبول الجزء الأول منه الذي يتمثل في تحرير الأسرى وانسحاب أولي لقوات الاحتلال من القطاع، فيما تجري نقاشات لتحديد خطوات ما تبقى من البنود، ويحذر الخبراء من المخاطر الكامنة في قبول مثل هذا المخطط الجائر. ومع ذلك فقد لقي دعمًا من باكستان وتركيا والسعودية والإمارات وقطر ومصر.
نَجِيِي عَلِي خَلِيف
أُكْتُوبَر 2025