«وَودُّوا لَوْ تَكْفُرُون»… وثائقي صادم يكشف النفوذ الخفي للكنائس في الصومال ومسارات اختراق الهوية والدولة منذ مؤتمر برلين حتى اليوم
أطلقت مؤسسة «الكتائب» سلسلة وثائقية جديدة أثارت اهتمامًا واسعًا وجدلاً متصاعدًا في الأوساط الصومالية، تتناول ما تصفه بـ«الدور الخفي والمتجذر» الذي لعبته الكنائس النصرانية في تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي والثقافي في الصومال، ضمن سردية تتعقب مسارًا طويلًا من «الاختراق الديني والفكري» الذي بدأ منذ الحقبة الاستعمارية ولا يزال مستمرًا حتى اليوم.

العمل الوثائقي، الذي حمل عنوانًا قرآنيًا بالغ الدلالة «وَودُّوا لَوْ تَكْفُرُون»، يقدّم مادة بصرية ثرية بالمعلومات والوثائق والشهادات، ويطرح رواية مكثفة حول الغزو العقائدي الذي تعرضت له الصومال عبر بوابة الكنائس والمؤسسات التبشيرية، وما ترتب عليه من تحولات عميقة مست الهوية الدينية والثقافية والسياسية للمجتمع الصومالي.
الوثائقي الذي بثّته مؤسسة «الكتائب»، الجناح الإعلامي لحركة الشباب المجاهدين، جرى إعداده بأسلوب احترافي اعتمد على المقابلات الميدانية، والاستقصاء التاريخي، والتحليل القائم على تتبع الوقائع والشهادات، في محاولة لتفكيك شبكات النفوذ التي نسجتها الكنائس داخل البلاد عبر عقود طويلة.
وقد حظي الفيلم منذ الساعات الأولى لبثه بتفاعل واسع حيث شاهده قرابة 100 ألف مشاهد خلال 12 ساعة، لما يتضمنه من معلومات حساسة وتفاصيل مرتبطة بمحطات تاريخية معقدة يصعب الوصول إلى كثير من خفاياها بصورة مباشرة، الأمر الذي جعله محط اهتمام شرائح واسعة من المتابعين داخل الصومال وخارجه.
ويركز الجزء الأول من الوثائقي، الذي عُرض مساء أمس الأربعاء، على تتبع الدور الذي لعبته الكنائس منذ عام 1884، وهو العام الذي شهد انعقاد مؤتمر برلين وتقاسم الأراضي الصومالية بين القوى الاستعمارية، وصولًا إلى المرحلة الراهنة التي يشير فيها الفيلم إلى استمرار الحضور الأجنبي النصراني داخل البلاد عبر القوات الدولية والقواعد العسكرية الأجنبية.
ويستعرض الوثائقي بأسلوب تفصيلي أنماط التمدد الكنسي داخل المدن والمناطق الصومالية خلال العقود التي سبقت انهيار حكومة الرئيس الأسبق محمد سياد بري، موضحًا كيف نجحت المؤسسات الكنسية في ترسيخ حضورها داخل عدد من المدن والمراكز الحيوية في البلاد.
كما يسلط العمل الضوء على التغلغل الناعم داخل قطاعات مؤثرة في المجتمع، وفي مقدمتها التعليم والسياسة، حيث يشير إلى أن الكنائس تمكنت – خلال فترات معينة – من بناء نفوذ واسع داخل هذه المجالات، مستفيدة من الظروف السياسية والاجتماعية التي مرت بها البلاد آنذاك.
ويظهر في الوثائقي عدد من الأشخاص الذين نشؤوا داخل المؤسسات والكنائس التي أقامها المستعمرون في مقديشو، وشلامبود، ومهداي، وغيرها من المناطق، حيث يقدمون شهادات شخصية حول طبيعة الحياة داخل تلك المؤسسات وأساليب التربية والتعليم التي كانت تُمارس فيها.
ومن أبرز الشخصيات التي ظهرت في الفيلم الدكتور إبراهيم آدم فارح، وهو رجل تجاوز عمره المائة عام، تحدث عن تجربته المبكرة داخل المؤسسات الكنسية، موضحًا أنه كان واحدًا من بين أعداد كبيرة من الأطفال الذين تلقوا تعليمهم وتربيتهم داخل الكنائس، قبل أن ينقذه الله من الوقوع في فخ التنصير.
كما تضمن الفيلم شهادة حسين ماهينا حسين، أحد أبناء جنوب الصومال الذين تلقوا تعليمًا كنسيًا في طفولتهم، حيث استعاد تفاصيل دقيقة من أجواء الاحتفالات الدينية النصرانية التي كان يشارك فيها وهو في سن التاسعة أو العاشرة، واصفًا الطقوس التي كان يشرف عليها القساوسة، والأدوار التي كان يؤديها الأطفال داخل تلك المراسم.

وشهد الوثائقي كذلك ظهور الشيخ حسن يعقوب، أحد مسؤولي حركة الشباب المجاهدين، الذي تحدث مطولًا عن الأهداف التي تسعى إليها الكنائس إلى تحقيقها داخل الصومال، معتبرًا أن المسألة لم تكن مجرد نشاط ديني محدود، بل مشروعًا متكاملًا استهدف إعادة تشكيل هوية المجتمع الصومالي دينيًا وثقافيًا.
ومن الزوايا اللافتة التي تناولها الفيلم، إشارته إلى وجود شخصيات صومالية تنظر بإيجابية إلى تجربتها داخل المؤسسات الكنسية، ومن بينهم حسين محمد فارح عيديد، وهو ما استخدمه الوثائقي لتسليط الضوء على حجم التأثير الذي تقول الرواية المطروحة إن الكنائس تمكنت من ترسيخه داخل بعض النخب والشخصيات العامة.
ويذهب الوثائقي إلى أبعد من ذلك، إذ يطرح فكرة أن الكنائس لم تكتفِ بالنشاط التبشيري أو التعليمي، بل لعبت دورًا محوريًا في صياغة البنية السياسية والإدارية للدولة الصومالية بعد الاستقلال، عبر إعداد شخصيات تلقت تعليمها داخل تلك المؤسسات، ثم دفعت لاحقًا إلى واجهة المشهد السياسي والإداري.
ويؤكد العمل أن حجم الوقائع والوثائق والشهادات التي يتناولها يتجاوز بكثير إطار حلقة واحدة، مشيرًا إلى أن مضامين الحلقة الأولى وحدها كفيلة بإثارة نقاشات مطولة حول طبيعة النفوذ الأجنبي داخل الصومال ومساراته التاريخية.
ومن أكثر الملفات حساسية التي يثيرها الوثائقي، حديثه عن محاولات لإعادة إحياء الكنائس التي اندثرت أو دُمّرت في مراحل سابقة، متهمًا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بتهيئة المناخ السياسي والإداري اللازم لعودة هذا النشاط إلى الواجهة من جديد.
كما يتناول الفيلم نشاط عدد من القساوسة النصرانيين داخل الصومال، ومن بينهم القس أندرو ليتل العامل داخل معسكر «حلني» في مقديشو، حيث ينقل جزءًا من خطاب تحدث فيه عن إقامته في الصومال لنحو خمس سنوات، وزياراته لمدن عدة بينها بربرة وبوصاصو وكيسمايو، معبرًا عن سعادته بلقاء قساوسة آخرين داخل كنيسة تقع في محيط المعسكر.
ويثبت الوثائقي منذ بدايته أن الوجود العسكري الأجنبي في الصومال لا يقتصر على الأبعاد الأمنية والعسكرية، بل يرتبط أيضًا بمشروع ديني يستهدف المجتمع الصومالي المسلم، مستشهدًا بتصريحات لبعض القساوسة العاملين داخل معسكر «حلني»، بينهم قس إفريقي قال: ” إن نشر المسيحية في الصومال يمثل واجبًا دينيًا”.
ويرى المحللون أن هذه التصريحات تعزز ما يطرحه مسؤولو حركة الشباب المجاهدين داخل الفيلم، والذين يؤكدون أن التدخلات الأجنبية في الصومال تحمل أبعادًا دينية وثقافية تتجاوز الإطارين السياسي والعسكري.
ويختتم الفيلم حلقته الأولى بإشارات تمهيدية توحي بأن الحلقات القادمة ستتطرق إلى ملفات أكثر حساسية وتعقيدًا، في سلسلة تبدو مرشحة لإثارة نقاش واسع داخل الصومال، بالنظر إلى طبيعة القضايا التي تتناولها وحجم الأسئلة التي تطرحها حول العلاقة بين الدين والسياسة والنفوذ الأجنبي في البلاد.

















































































