تناقضات وتشويه للحقائق.. رد على تقرير مجموعة الأزمات بشأن الحرب على حركة الشباب المجاهدين في الصومال

نشرت مجموعة الأزمات تقريرا مطولا بعنوان: “فصل جديد، نفس المأزق: حرب الصومال مع حركة الشباب”، تناولت فيه بأسلوب مدلس ما يجري في الصومال من حرب على حركة الشباب المجاهدين.

وفي الواقع لا يستغرب ذلك من مجموعة الأزمات الدولية، بصفتها ذارعا تخدم الرواية الغربية وتسعى لترسيخ أركان الهيمنة الغربية في الصومال، لكن التناقضات الفجّة التي يحملها التقرير تتطلب وقفة لصناعة الوعي بهذا النوع من الأطروحات المحاربة، والتي لا تقدم حلولا بل تزيد من المظالم وتأزيم الوضع بقلب الحقائق.

يبني التقرير أفكاره على اعتقاد أن حركة الشباب المجاهدين تضطهد سكان الولايات الإسلامية وأنهم يعيشون تحت سلطان الشريعة بالإكراه، وأنها حسنت مؤخرا من سياساتها، بهدف كسب شعبية وحاضنة شعبية، وهذا تناقض في طرح التقرير الذي يعترف في المقابل، أن هزيمة الحركة مستحيلة وأن الذهاب نحو طاولة المفاوضات يبقى الخيار الأكثر عقلانية في ظل معطيات الجمود المتكرر الذي تعرفه الحرب في هذه المرحلة.

لماذا هو متناقض؟ لأن من أبجديات التمكين أن تحظى حركة جهادية مثل حركة الشباب المجاهدين بدعم شعبي لتستمر دعوتها وسيطراتها وجهادها في وجه التحالف الدولي، ولو لم تكن تملك هذا الدعم الشعبي ولم يكن في ظهرها بيعات قبائل صومالية أبية مجاهدة، لما تمكنت من المكوث قرابة العقدين تقيم حكمها الإسلامي في الولايات الإسلامية. وهذه حقيقة لا ينكرها إلا مكابر، فلا يمكن للحركة أن تقود جهادا بمثل هذا الحجم والتحديات وبالسيطرة على مساحات شاسعة في وسط وجنوب الصومال دون أن يكون لها قبولا شعبيا محليا بل ودعما من القبائل الصومالية التي تعتبر الرصيد البشري للمدد الجهادي في الصومال.

تقول مجموعة الأزمات في تقريرها الذي حمل العديد من المغالطات:”لقد عدّلت حركة الشباب استراتيجياتها، بما في ذلك بذل جهود لتحسين العلاقات مع السكان في المناطق التي تسيطر عليها، مما قلل من اعتمادها على الإكراه. وقد ساعدت هذه التغييرات في ترسيخ سلطتها. في الوقت نفسه، تعاني الحكومة من تصاعد الصراعات السياسية الداخلية مع تضاؤل ​​المساعدات الخارجية”.

وهذا النص يتطلب تصحيحا، فحركة الشباب المجاهدين لم تغير استراتيجيها، لأنها بالأساس تقدم خدمات دولة وحكومة فعالة، بشهادة الصحافة الغربية نفسها حين تقارنها بالحكومة الفاسدة والفاشلة المدعومة من الغرب. وتسهر الحركة على حل مشاكل الولايات الإسلامية بقضاء شرعي كفؤ وفعال حتى خلال الحملات العسكرية التي تشنها الحكومة بقيادة ودعم التحالف الدولي لإسقاط نظام الشريعة. والحركة تتبع نظام الشريعة الذي يفرض عليها أساسا تقديم هذه الخدمات وتوفير الأمن والاستقرار للسكان، وسلطتها ترسخت منذ قرابة العقدين بفضل هذا النظام الذي لا يفرق بين جندي وقائد في الحركة وبين ساكن في الولايات الإسلامية، فهو حكم يطبق على الجميع. وهي ليست بحاجة لإعادة ترسيخ ما هو مرسخ، بل هي أمام نتائج وثمار تمكين سخره الله لها في وجه حرب على الإسلام شرسة يعيشها العالم الإسلامي.

وما أخفاه التقرير هو أن الولايات الإسلامية تشهد ازدهارا وانتعاشا بعد الهزيمة المثخنة التي مني بها التحالف الدولي والحكومة الصومالية التابعة له في حملتهم العسكرية الأخيرة، ولذلك يفرغ غيظه بالقصوفات التي طالت مدنيين أبرياء بشكل متعمد وبتكتم إعلامي على مجازره، وهذا الانحطاط الأخلاقي سجلته الحروب الغربية في العالم الإسلامي بشكل متكرر. ولا تزال تخفيه تقارير مجموعة الأزمات الدولية.

يوصي تقرير مجموعة الأزمات بما يلي: “ينبغي على مقديشو إصلاح برنامجها التدريبي العسكري وإشراك الولايات الأعضاء في الحكومة الفيدرالية بشكل أكبر في خطط مواجهة حركة الشباب المجاهدين. ينبغي أيضاً اتخاذ تدابير لتخفيف معاناة المدنيين، مثل تشجيع المنظمات الإنسانية على تقديم المزيد من المساعدات في المناطق التي تسيطر عليها حركة الشباب. ولا يزال الحل السياسي هو السبيل الأمثل للخروج من التمرد”.

يتحدث التقرير عن تقديم مساعدات للسكان في الولايات الإسلامية، ولا يشير للمساعدات التي تقدمها حركة الشباب بنظامها الإغاثي في هذه المناطق، وهذا لأنه يريد تصوير صورة ضيقة من كون السكان بدون دعم خارجي دولي لا يمكنهم العيش، ولكن الحقيقة أن المساعدات الخارجية تحمل معها أجندة احتلال وهيمنة معلومة وهي التي يؤكدها التقرير بنفسه في نهاية خلاصاته. وسنشير لها في مقامه.

تعترف مجموعة الأزمات بعدم كفاءة الحكومة الصومالية وتوثق بنفسها عمق إخفاقاتها وفشل سياساتها ومع ذلك لا تزال تحاول فرضها حاكما للصومال بالقوة والاحتيال السياسي، مع أن السياسيين في مقديشو ينتقدون هذه الحكومة بشدة لما أحدثته من فساد وظلم، فضلا عن أن الولايات الإقليمية تعيش علاقات متأزمة معها، ومع ذلك لا تزال مجموعة الأزمات التي تزيدها تأزيما، تريد فرض نظام فاسد وحكومة مصنفة كأفسد حكومة في العالم، حاكما للصومال فقط لأنها  تمثل الذارع المحلية لفرض الهيمنة الغربية بقتال عدو الغرب اللدود: حركة الشباب المجاهدين.

يشير التقرير لهروب المجندين من صفوف الحكومة، ويتحدث عن تجنيد أكثر من 20 ألف جندي في الجيش الصومالي، حيث قامت الحكومة الصومالية بإرسال معظم المجندين الجدد إلى أوغندا وإثيوبيا ومصر وإريتريا للتدريب لمدة تصل إلى ستة أشهر، ثم يشير إلى الفرار من الجيش الذي أصبح مشكلةً رئيسية، حيث يُقدّر مسؤولون عسكريون صوماليون أن أقل من نصف الذين تدربوا في الفترة 2022-2023 ما زالوا في الخدمة. كما أثّر الفساد سلبًا على تطوير الجيش، حيث تم اختلاس الغذاء والوقود والذخيرة قبل وصولهم إلى الجهة المقصودة. فضلا عن مرض الاحتيال المتفشٍ، حيث يظهر “الجنود الوهميون” – وهم جنود يتقاضون رواتبهم لكنهم غير مشاركين في العمليات – باستمرار في كشوف الرواتب. كل هذا يصف فساد الجيش وسلطته اللذان تريد مجموعة الأزمات أن يحكموا الصومال! مع أنها تتحدث عن قضايا فساد عميقة.

والمتأمل في سرد المجموعة للمشاكل الانتخابية والأحداث المرافقة التي تؤكد محاولة حسن شيخ محمود التحايل على “الآلية الديمقراطية الغربية” لفرض بقائه في السلطة يعجب لذلك التناقض من دعاة الديمقراطية الذي يشجعون ويدعمون “بلطجيا” طرد السكان من أراضيهم وظلم الفئات المعدمة والفقيرة في العاصمة، ونهب الأراضي لصالح مشاريع عصابته الجشعة، ولاحق الموتى حتى في المقابر. ليمثل نظامهم الديمقراطي الداعم للعدالة والحرية كما يزعمون، وفي الحقيقة هذه هي الديمقراطية التي ينادي بها الغرب في بلاد المسلمين، دكتاتورية وفساد واضطهاد وقمع بدعم من حاملة “شعار الحريات”.

ونلاحظ أن التقرير من أوله لآخره لا يذكر فساد الحكومة ومظالم السكان في مقديشو وأماكن سيطرتها ولا يتحدث عن عدم أهليتها للحكم بل وعدم شعبيتها أساسا، لكن كل ما يهمه إصلاح ما أمكن من جوانب تسمح بمحاربة حركة الشباب المجاهدين، أي أن الحكومة في الأخير دورها هو منع الصعود الإسلامي وإن كان على حساب استقرار الصومال وأمنه وحقوق شعبه.

وتعترف مجموعة الأزمات بأن تقدم حركة الشباب المجاهدين في جبهات متعددة إلى جانب التوغلات التي شنتها الجماعة في ضواحي مقديشو، غذّى مخاوف الدبلوماسيين من أن حركة الشباب قد تكون على وشك السيطرة على العاصمة – وهو ما يتناقض تمامًا مع تصريحات مسؤولين حكوميين في أواخر عام 2023 التي توقعوا فيها زوال الجماعة الوشيك. وهو أيضا ما صنع حالة الاستنفار لمنع هذا التقدم بتدخل أمريكي وإفريقي وتركي. ينتشل الحكومة الفاشلة من عاقبة الهزيمة المحتومة.

ونرصد في تقرير مجموعة الأزمات التناقض الفج بشكل مستمر، ففي حين تزعم أن الحركة تتعامل بسياسة الإكراه مع سكان الولايات الإسلامية تتحدث عن حملات تجنيد ساعدت الحركة في كسب المعركة ضد الحكومة، وبدل الاعتراف أن الشعب الصومالي في هذه الولايات مؤمن بقضيته ومدافع عن دينه ووطنه ويملك وعيا بالمؤامرات التي تحاك ضده تبحث عن تفسير سطحي ومنحاز بالقول أن التجنيد نجح بسبب أزمة الصومال مع إثيوبيا على إثر اتفاقية البحر التي وقعتها هرجيسا مع أديس أبابا لتسليم جزء من الساحل في شمال الصومال إلى إثيوبيا.

فتقول: “وأجرت حركة الشباب عدة تعديلات مهمة لتعزيز قوتها العسكرية في الفترة 2023-2024. شنت حركة الشباب حملة تجنيد لتعزيز صفوفها، مستغلةً التصورات السائدة لدى الرأي العام الصومالي بأن إثيوبيا تصرفت بعدوانية تجاه الصومال بتوقيعها اتفاقية أرض الصومال”. فمجموعة الأزمات لا تريد الاعتراف أبدا أن حركة الشباب المجاهدين ليست وحدها من يريد حكم الشريعة بل قبائل صومالية كثيرة تريده، ولذلك هي متمسكة بالعيش في الولايات الإسلامية وهي التي تضمن استمرار التجنيد ودعم الجهاد ضد الحكومة والتحالف الدولي.

ثم تصف مجموعة الأزمات بعض تكتيكات الحركة  فتقول:”تسللت الحركة إلى أجزاء من القوات المسلحة الصومالية، وجمعت معلومات حول مناورات الحكومة المخطط لها، ونفذت هجمات من الداخل. وعززت الحركة قدرتها على الصمود أمام تفوق الحكومة في استخدام الطائرات المسيرة من خلال حفر شبكة أنفاق واسعة في وسط الصومال، واللجوء بانتظام إلى المباني العامة كالمساجد والمدارس، التي لم تكن الحكومة تستهدفها عادةً. وأخيرًا، أقامت الحركة علاقات في محاولة للحصول على أسلحة جديدة، بما في ذلك من المتمردين الحوثيين في اليمن”.

وبعيدا عن ذكر تكتيكات قوية للحركة تثبت قدرتها على اختراق أعدائها وتطوير تكتيكات دفاعية فعالة، فإن هذه النقطة بشأن الربط بالحوثيين، تركز عليها الصحافة الغربية في محاولة لصناعة تصور تحالف بين الجماعات الجهادية والحوثيين في اليمن وهو تصور مختلق وساذج، فحركة الأسلحة في المنطقة قد يدخل فيها باعة أسلحة من مختلف الخلفيات ولا يعني بذلك أن هناك تحالف ما، كما تحاول الصحافة الغربية رسمه وتصويره بأسلوب الإثارة بصلاحية محدودة.

ثم تنتقل مجموعة الأزمات لدس الكذب والافتراء على الحركة التي معلوم أنها تحاسب على قتل المسلم المعصوم الدم بمحاكم شرعية وتقيم حد القصاص على قاتله، بقول:”كما شرعت حركة الشباب بشكل منهجي في تقويض حشد الحكومة للقبائل في هيران وشبيلي الوسطى. من خلال نشر أفراد من العشائر المحلية للتواصل مع أقاربهم، وجّهت حركة الشباب رسالةً إلى الميليشيات العشائرية التي ثارت ضد حكمها في الفترة 2022-2023 مفادها أنه في حال توقفهم عن التعاون مع الحكومة، فلن تهاجمهم أو تلجأ إلى أعمال انتقامية تستهدف المدنيين”.

ويعلم جيدا من يعرف حركة الشباب كيف تعمل في مناطقها وكيف تتعامل مع القبائل أنها تهتم جدا للقصاص والدماء ودفع الديات. وهذا من أسباب تمكينها لقدرتها على فض نزاعات القبائل في هذا الشأن، ولذلك لن تبتز الميليشيات بقتل المدنيين بل ستقتل الميليشيات المحاربة بشكل مباشر.

فالحبكة الدرامية التي تحاول مجموعة الأزمات تصويرها بزعم أن الحركة تقتل المدنيين للابتزاز فاشلة وقبيحة، لأن أكثر من يقتل المدنيين هم التحالف الغربي بكل صفاقة وحلفه الصهيوني الذي مسح غزة من الخريطة وقتل الأطفال والنساء والشيوخ بسلاح أمريكي، وهذه المفارقة التي نعيشها من نفاق الغرب مفضوحة ولم تعد لها قيمة، فقد أصبح يعرف كذبها الأطفال في الولايات الإسلامية الذي شهدوا قتل الغرب للمدنيين بشكل متعمد.

وحين يكون الشباب قتلوا مدنيين فالأصل أن تثور القبائل التي تريد ديتها، ومعروف أنه أمر لا يتهاون فيه بين القبائل، لكن كيف تتحايل مجموعة الأزمات على الأمر وعلى الخبر الكاذب،؟ تقول: “وقد وقعت بعض الحوادث التي قتل فيها مسلحو حركة الشباب مدنيين، إلا أن عودتهم إلى قرى وسط الصومال لم تُسفر عن الفوضى التي كان يخشاها البعض. وفي مثال آخر على تحوّل في النهج، لم تُدمّر الحركة مشاريع الاستقرار الحكومية في شبيلي الوسطى عند استعادة السيطرة عليها، كما توقّع البعض”.

فهي تفتري الفرية ثم تبحث لها عن تفسير يوائم رؤيتها المجحفة والمنحازة والمحاربة أساسا لموقف حركة الشباب المجاهدين. والحقيقة أن الحركة لم تقتل مدنيين أساسا وأن الأمور سارت بتوافق مع القبائل.
وتبع هذه الفرية فرية أكبر، وهي مثيرة للسخرية والضحك، تقول مجموعة الأزمات:
“وبشكل عام، زعمت حركة الشباب أن من الحكمة أن تحافظ العشائر على علاقاتها معها لأنها لا تستطيع الاعتماد على الحكومة. حيث قال قادة حركة الشباب إن القوات الحكومية قد تسيطر لفترة وجيزة، لكنها ستنسحب سريعًا، تاركةً السكان يواجهون مصيرهم بأنفسهم. وفي الوقت نفسه، استغلت الحركة استياء بعض القبائل الفرعية من الحكومة الصومالية لتقويض التعاون العسكري”.

كل هذا الحشو في صياغة التحليل، لكي لا تعترف مجموعة الأزمات أن من قاتل جيشهم في عوسويني وخطوط القتال، خلال حملة الحكومة الصومالية الفاشلة، كانوا أبناء القبائل الذين قاتلوا بأنفسهم في المواقع الأمامية دون أدنى إكراه. فقد سارعت قبائل كاملة للجبهات وخطوط القتال وقاتل الشيوخ والشبان والأساتذة والطلاب والرعاة والتجار ، جميعا لردع الحملة العسكرية على مناطق سكناهم في الولايات الإسلامية، وقد سجلت كلمات لهم من أمام جثث قتلى الميليشيات الحكومية. بل وإن محاولات الحكومة شراء ذمم هذه القبائل كلها باءت بالفشل ورد عليها مشايخ القبائل وقادتها، ووجهاؤها برسائل إعلامية صريحة تحفها التكبيرات ورايات التوحيد، أن لا مكان لكم هنا، فهذه أرض الشريعة، تُفدى بالدماء.

ومعلوم ويعرف ذلك جيدا الميليشيات الحكومية – وهو أمر لم يحصل في التاريخ الحديث – أن قرى وبلدات ومدن كاملة، خرج سكانها جميعا مع انسحاب مقاتلي حركة الشباب المجاهدين على إثر تقدم جيش الحكومة المدعوم من التحالف، وأن الحكومة دخلت لتجد المساكن والمحلات وكل المباني فارغة، فهل شهد التاريخ مثل هذا الإباء، شعب كامل يرحل من دياره لكي لا يعيش تحت حكم الديمقراطية الأمريكية، وينسحب رفقة أبنائه المجاهدين ويترك خلفه أملاكه وأراضيه وذكرياته، ليعيش في البوادي والقرى النائية حتى يتبين له هزيمة القوات الغازية لأرضه، فهذه من الأحداث التي يجب أن تسطر بحبر من ذهب، إنها بطولة سجلتها القبائل الصومالية بشرف في عصر غلب عليه الوهن والمذلة.

وقد اضطرت الميليشيات الصومالية للانسحاب من بلدات وقرى لم يكن فيها ساكنا واحدا يخدمهم أو يُحكم بإمرتهم، وهكذا  سجل التاريخ دور القبائل الصومالية في جهاد التحالف الدولي وذراعه المحلية الحكومة الصومالية.

ينتقل بعدها التقرير إلى ما يسميه “العودة إلى حالة الجمود” ويتحدث عن تباطؤ الهجوم من الحركة، مع الاحتفاظ على مكاسبها في الحرب. وهو يعترف ضمنيا أن سبب تباطؤ الهجوم، هو الدعم القوي الذي تلقته الحكومة من بعثة الاتحاد الأفريقي وأوغندا والولايات المتحدة وتركيا، وهو الذي تسبب في وقف تقدم المجاهدين الذين كانوا قريبين من تطويق العاصمة والاستيلاء عليها.

فحركة الشباب المجاهدين تقاتل تحالفا دوليا ضخما فيه دول إفريقية وتركيا وأمريكا، فلنا أن نتصور حجم الكيد الذي يحيط بالجماعة الجهادية التي رفضت أن تنساق للإملاءات الغربية. وتغالط مجموعة الأزمات نفسها كما سنجد في نهاية تقريرها نفسها وتعتبر حالة الجمود سببها فقدان الحركة لشعبيتها بينما الحقيقة هي القوة المواجهة لتقدمها وهي قوة تحالف دولي متعاونة على منع وصول المجاهدين للعاصمة. وهذا التفسير المنطقي وليس تفسير “تهميش الحقيقة” الذي يحمله تقرير مجموعة الأزمات.

تصور مجموعة الأزمات اعتماد الحكومة الصومالية على الدعم الخارجي بشكل “إيجابي” بالتكتم على حقيقة قتل المدنيين على يد الطيران الأمريكي والتركي والاحتجاجات المحلية على سياسات نهب الأراضي والمظالم المتصاعدة في مقديشو، وفي المقابل تصور أي سياسات لحركة الشباب على أنها “شنيعة وسيئة وانتهازية”، فتقول: “ويبدو أن الحكومة قد طوّرت الآن نهجًا جديدًا يركز على تأمين المناطق المحيطة بمقديشو حيث تُنفّذ مشاريع التنمية الاقتصادية، على الرغم من أن المسؤولين الحكوميين ينفون أن تكون عملياتها العسكرية مصممة لهذا الغرض. وبالاستناد إلى المساعدة الأمريكية، كثّفت الحكومة أيضًا غاراتها الجوية وعمليات قواتها الخاصة على قادة حركة الشباب المجاهدين، ما أسفر عن مقتل عدد منهم. وتركز حركة الشباب بدورها على التمسك بالأراضي التي استعادتها عام 2025، مع التركيز على ردع أي انتفاضات ضد حكمها. ولتحقيق هذه الغاية، عيّنت الحركة المزيد من الرجال المحليين كمسؤولين، واستقطبت شيوخًا جددًا من العشائر للعمل كوسطاء مع السكان. كما قلّصت بحذر ممارساتها في هذه المجالات التي أثبتت عدم شعبيتها، بما في ذلك التجنيد القسري والزواج القسري والضرائب الباهظة. وتواصل الحركة فرض قواعد صارمة على اللباس (خاصة للنساء والفتيات)، بالإضافة إلى حظر تدخين التبغ واستهلاك القات (وهو منبه خفيف) واستخدام الهواتف الذكية.”

لنرى كمية التحامل والتدليس والكذب التي حملتها فقرة واحدة منحازة انحيازا كاملا للحكومة الفاسدة، فحركة الشباب لم تشهد انتفاضات على حكمها، ولو فرضنا جدلا أنه حصل، هل كانت الحكومة الصومالية رحبت بالانتفاضات التي تجري في العاصمة مقيدشو، أم أنها ستردع أي انتفاضات ضد حكمها. ولتحقيق هذه الغاية، تزعم المجموعة الفاقدة المصداقية، تعيين الحركة المزيد من الرجال المحليين كمسؤولين، واستقطاب شيوخ جدد من العشائر للعمل كوسطاء مع السكان. وهذا من جهل كتاب التقرير بحقيقة العلاقات المحلية مع الحركة في تثبيت الحكم الإسلامي، والذي تنشده وترحب به القبائل بنفسها، ومن الحمق اعتقاد أن القبائل غير منخرطة في إدارة الولايات الإسلامية، بل من المؤسف أن يتصدر جهلة بواقع الصومال المعقد لكتابة تقارير “توجيهية” وهم بالأساس بحاجة لتعلم الواقع وفهمه قبل الكتابة فيه. ما يكشف دور القلم الأجير الذي تلعبه مجموعة الأزمات بلا ضمير.

ثم لننظر ما هي الممارسات التي قلصتها الحركة بزعم المجموعة المتأزمة؟ تقول عن الحركة: “كما قلّصت بحذر ممارساتها في هذه المجالات التي أثبتت عدم شعبيتها، بما في ذلك التجنيد القسري والزواج القسري والضرائب الباهظة. وتواصل الحركة فرض قواعد صارمة على اللباس (خاصة للنساء والفتيات)، بالإضافة إلى حظر تدخين التبغ واستهلاك القات (وهو منبه خفيف) واستخدام الهواتف الذكية”.

ولا يوجد تجنيد قسري في الولايات الإسلامية، لأن الشباب الراغب في الجهاد يتوجه بنفسه للجهاد بإرادته واستجابة لنداء النفير وخطب التحريض التي يسمعها بقناعته، فهذه عبادة لا يصمد فيها من لا يملك الشغف فيها وإلا لكنا شهدنا هزائم ضخمة في صفوف الحركة كالتي يعرفها جيدا الجيش الصومالي، الذي يجتذب مقاتليه بالمال والأطماع الكاذبة. بل إن المجاهدين في الحركة من أكثر الصفوف تراصا وتعاونا وثباتا كما نحسبهم. لأنهم دخلوا هذا الميدان عبادة ونفيرا وليس قسرا كما يزعم المتأزمون.

ثم لا يوجد شيء اسمه زواج قسري في الولايات الإسلامية فهذه التهمة الغبية من اختراعات مجموعة الأزمات إذ أن المجتمع المحلي يعيش بكامل حريته في معاملات الزواج والطلاق وشؤونه الأسرية التي تسير وفق الفقه الإسلامي. ولا حاجة لزواج قسري أصلا في نظام إسلامي يسهل الحلال، ويشجع عليه بتقديم التسهيلات له. ويقيم الحدود على الزنا والاغتصاب.

والقول أن هناك ضرائب فهو يشير إلى الزكاة، والمفارقة ليست في عدائهم للزكاة إنما في تغاضيهم  عن ضرائب الحكومة الصومالية التي أثقلت كاهل سائقي التكسي والتكتوك، ولم يتحدث عنها التقرير لأنه منحاز بلا مصداقية.

ثم يعيب على الحركة، فرض الحجاب الإسلامي وكأن الحجاب من فرض الحركة لا الشريعة التي يحتكم لها كل مسلم ومسلمة، ومنع التدخين والقات المخدر التي هي بالأساس من المنكرات في الإسلام، ومنعها شكل أحد أسباب الاستقرار في البلاد وحفظ الأسر من هدر الأموال ومن تداعيات الإدمان، وهكذا تريد مجموعة الأزمات في المقابل تعرية النساء ونشر المخدرات والسجائر وإفساد الشباب، فنعيب على الحركة منقبة فيها وتمتعض لخسارة مثلبة تدعو إليها.

أما الهواتف الذكية فلأسباب أمنية تمنع الحركة تداولها في الإطار الواسع لكن مجموعة الأزمات سواء لجهلها ذلك أو لتحاملها الواضح، لا تملك شجاعة نقل الحقائق كما هي وتنصف خصما يحارب بشرف دينه وحقوقه التي تزدريها.

تريد مجموعة الأزمات أن تمشي نساء الصومال عاريات بدون حجاب، لأنها تعتبر الحجاب أمرا يقيد حرياتهن وحدا صارما ضد الحريات، وهذا لأن أساس حربهم هي الحرب على الإسلام وليس حركة الشباب المجاهدين. ولذلك هي ترحب بكل دعوات تفسيق النساء ونشر الرذيلة وتتشنج من مجتمعات تتصدى لمكرها وخبثها وانحلالها. ومن هنا نفهم من أين جاء وصف “التشدد” الذي تصف به الشريعة الإسلامية عند الحديث عن نظام حكم حركة الشباب المجاهدين في الصومال.

وهذه صورة لحقيقة الحرب وجوهرها، حرب بين النظام الغربي المنحل والنظام الإسلامي المنضبط بالشريعة. والغرب يريد أن يفرض نظمه وأفكاره المخالفة والمحاربة للإسلام على شعب مسلم يبعد عنه أميالا وأميالا. وهذه الحقيقة التي لا يمكن لمجموعة الأزمات الاعتراف بها بشجاعة وحرية.

وفي الوقت الذي يشير فيه التقرير لأهمية المساعدات الخارجية يعترف على خجل بأن حركة الشباب المجاهدين لا تزال تواصل تنظيم أنشطتها الإنسانية بدقة، وأعلنت في يناير/كانون الثاني 2026، مع اقتراب موجة جفاف أخرى، عن تشكيل لجنة لتنسيق جهود الإغاثة. لكنه لم يعترف – كما عودنا – باستهداف الجيش الأمريكي لأحد أبرز قادة هذه الحملة الإغاثية لإعاقتها. وتلك من الحقائق الكثيرة التي لا تزال تخفيها مراكز تتزين بشعارات أكبر منها بكثير بل تخالفها بصفاقة.

وعلى الرغم من أن ما يصفه التقرير بتغيرات في استراتيجية حركة الشباب في تعاملها مع السكان يعد جهلا كبيرا بواقع الولايات الإسلامية، إلا أن المثير للاهتمام في تقريره قوله بشأن ما يسميه تغييرا:”لكن هذا التقييم قد يكون سابقاً لأوانه. لم تُجرِ الجماعة حتى الآن تغييرات جوهرية في نظام الحكم، ولم تُظهر قدرتها على استيعاب أصحاب الآراء البديلة، أو تُنشئ جناحًا سياسيًا قادرًا على الانخراط في حوار مع الحكومة الصومالية”.

باختصار تحاكمنا مجموعة الأزمات وفق القانون الغربي وشرائع الغرب وليس وفق ديننا وشريعة ربنا، فهي تريد أن نفتح الباب لكل رأي بديل كالشذوذ والبهيمية ونفتح الباب لكل ناعق ضد الإسلام ليمارس حريته في إفساد بلادنا، حتى ترضى عن حركة الشباب المجموعة المنحازة المحاربة!

فتأمل كيف أن القضية بالأساس إخضاع لنظم لا تمثل الشعب الصومالي ولشرائع لا يدين بها، ولقانون الغرب الكافر بدين الإسلام. لهذا تستمر الحرب ولا تقف لأنها صراع بين عقيدة التوحيد وعقيدة الشرك، صراع بين نظام الشريعة الإسلامية ونظام الديمقراطية الغربية الفاسدة.

ثم كيف يفسر الفريق المتأزم حالة الجمود في الحرب، يقول: “تفتقر حركة الشباب إلى القوة النارية اللازمة لتشكيل تحدٍّ حقيقي للقوات الصومالية والدولية في مقديشو ومحيطها. علاوة على ذلك، ورغم مؤشرات تبني نهج أكثر مرونة، لا يزال تأييدها الشعبي ضعيفًا. من جانبها، تكافح الحكومة لتشكيل قوات مسلحة قادرة على دحر المتمردين باستمرار، كما أثبت نهجها القائم على الميليشيات القبلية قصوره. إلى جانب نقاط الضعف هذه، تنشغل الحكومة باستمرار بأولويات أخرى، بما في ذلك الدورة الانتخابية المحتدمة حاليًا، والتي تعيق وضع نهج منسق، يشمل جميع القوى السياسية ومستويات السلطة في الصومال، لمواجهة المسلحين.”

والسؤال لفريق التأزيم الدولي: كيف ستواجه الحركة بإمكانياتها المحدودة كجماعة جهادية دول وتحالفات دولية تتحالف كلها لحماية مقديشو، بحماية الطيران الأمريكي والتركي، إن لم يكن ذلك يتطلب الكثير من الصبر واستراتيجية حرب العصابات الصبورة حتى تستنزف الخصم.

إذا مسألة حسم القتال ليس لضعف شعبية كما يزعم فريق مجموعة الأزمات المتأزم – كيف ومساحات حكم حركة الشباب أكبر بكثير من مساحات حكم الحكومة الصومالية التي يدافع عنها – وإنما للدعم الدولي لهذه الحكومة ولأن طبيعة حرب عصابات بطيئة ومرنة ولكنها مؤثرة على المدى الطويل.

ومع أن التقرير يعترف بأن الحكومة خالفت كل قواعد النظام الديمقراطي وتسير بطريقة الاحتيال والجشع، مع ذلك لا يزال يحشد كل دعم وتوصية لدعم بقائها بهدف واحد، ليس لتحسين معيشة الشعب الصومالي قطعا ولا لحل أزمات البلاد الكثيرة، بل فقط لقتال حركة الشباب المجاهدين، فهم مرتزقة يستخدمون بواجهة حكومة كوكيل في حرب عجزت في حسمها القيادة الأمريكية.

والآن تواجه الحكومة المدللة في مقديشو  الانسحاب المحتمل لبعثة الاتحاد الأفريقي، الأمر الذي سيعيق محاولاتها لتنفيذ المزيد من العمليات الهجومية نظرًا لاعتمادها المستمر على المساعدات الخارجية. كما يعترف تقرير المجموعة المتأزمة.

ويصل لنقطة اعتراف أخرى فيقول: “إضافةً إلى ذلك، تتزايد الشكوك حول جدوى مشروع بناء الدولة في الصومال المُموّل خارجيًا على المدى الطويل. يواجه شركاء مقديشو الدوليون، ولا سيما الدول الغربية، معضلةً منذ سنوات: فهم يرغبون في تقليص مساعداتهم للصومال، لكنهم يخشون منح الجهاديين فرصةً لتحقيق مكاسب أوسع نطاقًا قد تُتيح لهم استعادة السيطرة على مقديشو. وتعمل قوى غير غربية، مثل تركيا، على توسيع نطاق نفوذها، ولكن على الرغم من التزامها الراسخ تجاه الصومال، فمن غير المرجح أن تحل محل المساعدات الأمنية والتنموية التي يقدمها الشركاء التقليديون بشكل كامل. ومن المرجح أن يتخذ مستقبل التعاون الدولي شكل تحالف أكثر تشتتًا، يضم العديد من الشركاء الثنائيين، فضلًا عن مصالح متضاربة. وبينما قد يتم كبح جماح حركة الشباب المجاهدين، قد تواجه الحكومة أيضًا صعوبة في تحقيق المزيد من المكاسب العسكرية”.

لقد لخص التقرير حقيقة الأطراف التي تتحارب، وهي حركة الشباب المجاهدين في وجه تحالف دولي متعدد الأطراف والأحلاف، كل هذا لإبقاء مقديشو بيد حكومة غير قادرة على البقاء بدون مدد ودعم خارجي مستمر. فمن أحق بالحكم؟ جماعة تتجذر في الأرض ويدعمها شعبها في جهاد كبير ضد كل هذا التحالف الدولي المدعوم والممول من قوى كبرى، أو حكومة فاسدة هشة لا يمكنها البقاء في السلطة يوما واحدا بدون دعم مستمر من الخارج؟ من أحق بحكم الصومال، هل من أثبت قدرته على الحوكمة مستقلا، في ظل ظروف حرب شرسة أو من لا يقدر على الحكم رغم كل ما يتوفر له من أسباب بقاء، لا يحتاج الأمر لكثير تفكير لتعترف مجموعة الأزمات أن الأحق هنا هو الأجدر بالقيادة هو المستقل بدينه وهويته وقدراته وأهدافه التي تخدم الشعب الصومالي.

 

تتصدر مجموعة الأزمات لنقاش قضية تجهل تفاصيلها، إذ تعد معرفتها بها ضئيلة وخاطئة ومليئة بالمغالطات، ولنا أن نتصور كيف تجيز لنفسها الخوض في الحديث عن حلول للصراع في الصومال وهي بهذا الكم من الجهل بواقع الصومال وبكم التحامل والانحياز  للحكومة والتحالف الدولي.

تصور هذه المجموعة المتأزمة ما تسميه “ضعف” حركة الشباب في حسم الحرب على أنه يرجع إلى ضعف علاقتها مع السكان المدنيين في الصومال، والتي -بزعمها- لا تزال متوترة عموماً رغم بعض بوادر التحسن، “وذلك بسبب نهجها العقابي والاستغلالي في الحكم”. وبعيدا عن هذه العبارات المجحفة والمدلسة، التي لا تقدم تحليلا بل سذاجة. يحق لنا أن نتساءل: هل الحكومة الصومالية لا تستخدم نهجا عقابيا ولا استغلاليا في الحكم؟

 وحتى أمريكا بكامل شعاراتها الديمقراطية تستخدم نهج العقاب والاستغلال. فلم تحاسب الآخرين بما هي تبرره وتدعمه؟ مع أنه لا يوجد سلطة في العالم يمكنها أن تحكم بدون أن يكون هناك قانون يعاقب المسيئ والشريعة أولى بذلك لضبط الأمن والاستقرار، وأولى ببحث كل سبيل وفق الشريعة لحفظ مصالح الشعب الصومالي. وهو ما يعد شرفا وليس مذمة.

ولكن ازدواجية المعايير وبخس الجهود التي تبذلها الحركة في الحوكمة إنما يدفعه العداء لنظام الشريعة الإسلامية لا الحركة بحد ذاتها. ولذلك لا تجد مجموعة التأزيم  تذم أمرا في حركة الشباب إلا ووجدنا مثله في الحكومات، ومع ذلك هي تببره مع الحكومات لأنها قدمت قرابين الطاعة للنظام الدولي، وترفضه لحركة الشباب لأنها تريد حكم الشريعة.

ومع ذلك فإن مجموعة التأزيم هذه لا ترى مشكلة في الجلوس مع الحركة والتفاوض إن هي تنازلت عن الشريعة وتوقفت عن فرض الحجاب ومنع القات والسجائر وإن هي سمحت بالحريات والآراء البديلة ولو كانت الشذوذ والعلمانية.

وحين تتناول المجموعة الحديث عن الحكومة فتقول: “أما الحكومة، فهي تعتمد بشكل مفرط على الدعم الخارجي المتضائل، حتى مع تكثيف شركاء غير غربيين مثل تركيا مساعداتهم الأمنية. ولم تتمكن الحكومة بعد من بناء جهاز أمني قادر على صد حركة الشباب بشكل مستقل والحفاظ على مواقعها بشكل دائم. كما أنها لم تبنِ التوافق السياسي الواسع الذي يُرجح أن تحتاجه لتحقيق هذه الأهداف”.

نلمس تلك اللغة المداهنة التي تحتضن الحكومة الفاسدة بكل فسادها لأجل تثبيت حكمها  – رغم إدراكها الكامل- لعدم أهليتها، فكل اهتمام مجموعة التأزيم هذه هو تثبيت حكومة فاشلة في الحكم ومعاندة الحقيقة أن الفاسد لا يسود!

فهل يمكن أن يكون هناك فشل في معالجة الأزمات أكثر من الفشل الذي تصنعه مجموعة الأزمات بتحليلاتها التي تزيد الأزمات تأزيما؟

تصل مجموعة التأزيم في نهاية تقريرها إلى نقطة جوهرية، تلخص كل ما كشفناه سابقا من تناقضات وتحريف للحقائق وقلب لها، فهي تدعو إلى التمهيد للتفاوض بعد فشل الحسم العسكري، وفشل كل الاستراتيجيات المتعاقبة الأمريكية والتركية والإفريقية على حد سواء. فتقول:

“بدلاً من الهدف غير الواقعي المتمثل في تدمير الجماعة، ينبغي التركيز على بناء طاولة حوار”.

لأن الممولين لن يمكنهم الصمود طويلا وتحمل نتائج التعثر والفشل المستمر، خاصة مع متغيرات الصراع العالمي، ولذلك يحث فريق التأزيم، الحكومة الصومالية على تسول المال والدعم هذه المرة من جهات مانحة غير تقليدية، كدول الخليج، لسدّ الفجوة المالية.

وبعد حشد كل التوصيات بشأن ضرورة توحيد صفوف الحكومة والولايات الإقليمية لا يتحدث التقرير عن تحسين وضع الصومال ولا شعبه، إنما يتحدث عن الهدف الأساسي والرئيس من كل ذلك – رغم إقراره باستحالة تحقيقه – وهو استئصال حركة الشباب المجاهدين أو إجبارها على الجلوس في طاولة المفاوضات ولكن بعد أن تتخلى عن شريعة الله، لتحصل على فتات.

وجاء في التقرير:” لطالما أكدت مجموعة الأزمات الدولية أن وقف الحرب يتطلب مفاوضات تليها تسوية سياسية بين الحكومة والحركة. إلا أن الوصول إلى هذه المرحلة سيستغرق وقتًا، إذ ستحتاج حركة الشباب أولًا إلى تغيير نهجها بشكل جذري يتجاوز بكثير ما أظهرته حتى الآن. وفي هذا السياق، ينبغي للحكومة أن تنظر إلى التغييرات العملية الصغيرة التي أدخلتها حركة الشباب على الحوكمة كفرصة لا تهديد، وأن تسعى إلى تعزيز هذه التعديلات بدلًا من عرقلتها”.

فالمجموعة تريد من الحركة – رغم صمودها ونجاحها في إبقاء حكمها الإسلامي وسيطراتها محمية إلى الآن – أن تقدم ثمنا للدخول في المفاوضات بالتنازل عن الدوافع والمبادئ التي قامت عليها هذه الحرب لنشاهد كيف يطالب المتأزمون من الحركة الاستسلام باسم المفاوضات. 

ثم يسلط التقرير الضوء على دور المنظمات الإغاثية التي ليست بريئة أبدا في ساحات الصراع فيقول:” إذا نجحت هذه الخطوة، فقد تُبدي الحكومة استعدادها للسماح لها بالتوسع، بل وتحث منظمات الإغاثة على تقديم المزيد من الدعم التنموي. قد تُشكل هذه التدابير وسيلة غير سياسية للتواصل مع المجتمعات على جانبي الصراع، وبناء الثقة تدريجيًا، وتعزيز التغيير العملي داخل حركة الشباب نفسها. مع ذلك، لن يخلو هذا النهج من المخاطر. يجب على المنظمات ضمان إدراك حركة الشباب التام لما تقوم به، والتزامها بلوائحها لتجنب أي ردود فعل عنيفة”.

وهكذا باسم حماية المدنيين يقتل المدنيون، وباسم إيصال الدعم للمدنيين يحرم المدنيون حقوقهم في عيش حر كريم. وكأن خلاصة قول مجموعة التأزيم الدولية: سنسمح لكم بالعيش على فتات مساعداتنا إن تخليتم عن حكم الشريعة في أرضكم. فيستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير!

وتقول المجموعة: “كما سبق أن أكدت مجموعة الأزمات الدولية، فإن التسوية التفاوضية هي السبيل الواقعي الوحيد لإنهاء الحرب. لذا، ينبغي على الحكومة الاستعداد للشروع في حوار مع حركة الشباب، مصحوبًا بضغط عسكري يهدف إلى إجبار الحركة على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. ورغم أن الانتقال من الحوار إلى حل تفاوضي سيستغرق وقتًا طويلًا، إلا أن البدء مبكرًا هو أفضل سبيل لتجنب إطالة أمد الصراع”.

وفي كلام مجموعة الأزمات اعتراف ضمني بالهزيمة وتعليق الآمال بأن تغير حركة الشباب المجاهدين مبادئها كي تجتمع مع من حاربتهم طيلة حياتها.

وفي ختام هذا الرد على تقرير مجموعة الأزمات المجحف والمدلس والمليء بالمغالطات والجهل بالواقع الصومالي، فإن الحل ليس بتوقيع اتفاق سياسي مع المجاهدين كما يقول التقرير في فقرته الخاتمة: “رغم أن هذا الاحتمال قد يكون صعبًا على الكثيرين تقبله، إلا أنه السبيل الواقعي الوحيد لإنهاء هذه الحرب المرهقة”. بل الحل هو في مواصلة الجهاد والقتال وحرب لا هوادة فيها على جميع المستويات حتى تسقط الحكومة الفاسدة وتقطع أذرع داعميها الدوليين ويخضع الجميع لحكم شريعة الله في الصومال.

وحركة الشباب المجاهدين والقبائل من خلفها لا يملون من خوض حرب لأجل نصرة عقيدتهم ودينهم وأخلاقهم وبلادهم، تردع المعتدين، وبدل عوسويني واحدة – كسرت الحملة العسكرية الكبيرة – لديهم ألف عوسويني ومثيلاتها، فوقود هذه الحرب مستمر ما استمر القرآن في صدور المجاهدين، وما استمرت سيرة نبيهم صلى الله عليه وسلم مثلهم الأول وقدوتهم الأولى، وإنما من سيرهق ويستسلم في الأخير هو الغازي والمحتل كما وثق ذلك التاريخ وسيوثق المستقبل بإذن الله تعالى.

وإن بقيت هناك من كلمة، فعلى فريق مجموعة الأزمات الدولية المتأزم أن يخجل من العمل كمرتزقة حرب، وأن يتواضع قليلا ويتحدث إلى الصوماليين في واقعهم ويسمع ويتحرى قبل أن يكتب ما يحسب عليه جهلا وتحاملا وانحيازا في صراع تُكتب فصوله بالدم، والنصر فيه للأصدق!

جهاد محمد حسن

لتحميل الدراسة يصيغة بي دي أف