أفغانستان.. ذكرى هزيمة الغرب في تاريخ مقبرة الإمبراطوريات 

 

في الخامس عشر من أغسطس/آب، لا تستعيد أفغانستان يومًا عاديًا من تقويمها المثقل بالحروب، بل تستعيد لحظةً غيّرت وجه المنطقة والعالم.

في مثل هذا اليوم من عام 2021، دخلت طالبان العاصمة كابل، وانتهى عمليًا الوجود العسكري الأمريكي وحلفائه بعد نحو عشرين عامًا من الحرب. وفي مشهد حمل دلالات تاريخية هائلة، غادر آخر جنود القوة التي جاءت إلى أفغانستان في أعقاب هجمات سبتمبر/أيلول 2001، بينما كانت حركة طالبان تستعيد السلطة التي فقدتها قبل عقدين.  

لم يكن المشهد وليد أيام قليلة، بل نتيجة مسار طويل من الصراع، جعل من أفغانستان واحدة من أكثر ساحات العالم استعصاءً على القوى الخارجية.

 

أرضٌ دخلها الإسكندر.. ولم تُروّضها الإمبراطوريات

تقع أفغانستان عند ملتقى طرق آسيا الوسطى وجنوب آسيا، وهو موقع جعلها على امتداد التاريخ ساحةً للتنافس بين قوى كبرى وإمبراطوريات متعاقبة.

دخلها الإسكندر الأكبر، ومرّت بها إمبراطوريات وقوى عديدة، ثم أصبحت في القرنين التاسع عشر والعشرين مسرحًا للتنافس البريطاني والروسي، قبل أن تواجه الاحتلال السوفيتي في نهاية عام 1979. وتشير مصادر تاريخية إلى أن الاتحاد السوفيتي أرسل قواته إلى أفغانستان وسيطر على كابل ومناطق واسعة، في محاولة لإسناد الحكومة الحليفة له وإخضاع الجهاد الأفغاني، لكنه انسحب بعد حرب استمرت قرابة عقد.

ومن هنا ترسخت العبارة الشهيرة التي تصف أفغانستان بأنها «مقبرة الإمبراطوريات».

لكن العبارة، رغم قوتها الرمزية، لا تعني أن كل إمبراطورية دخلت أفغانستان انهارت بسببها، ولا أن الأفغان لم يعرفوا الهزيمة أو الانقسام. معناها الأعمق أن القوة الخارجية تستطيع دخول أفغانستان، لكنها تجد صعوبة استثنائية في تحويل السيطرة العسكرية إلى سيطرة سياسية مستقرة ودائمة.

وهذه كانت عقدة أفغانستان عبر التاريخ.

من السوفييت إلى الأمريكيين.. التاريخ يعيد نفسه

بعد الانسحاب السوفيتي، لم تدخل البلاد مرحلة الاستقرار. بل انزلقت إلى صراعات داخلية، ثم ظهرت طالبان وسيطرت على كابل عام 1996، قبل أن تسقط حكومتها عقب الغزو الأمريكي عام 2001.

كان الهدف الأمريكي المعلن مرتبطًا بملاحقة تنظيم القاعدة ومنع استخدام أفغانستان كقاعدة للجهاد العالمي الذي كان يقوده الشيخ أسامة بن لادن، لكن الحرب تحولت إلى مشروع طويل لبناء دولة ومؤسسات أمنية وسياسية جديدة بمفاهيم غربية.

استمر الوجود العسكري الأمريكي وحلف شمال الأطلسي قرابة عقدين، وأنفقت موارد هائلة، وسقط آلاف الجنود والمدنيين، بينما بقيت طالبان قادرة على إعادة تنظيم صفوفها والعودة تدريجيًا إلى مساحات واسعة من البلاد.

وفي عام 2020، وبعد عقدين من التكتم على خسائرها، والتغطية على تخبط سياستها، وقّعت الولايات المتحدة اتفاقًا مع طالبان مهّد للانسحاب، ثم تسارعت الأحداث في 2021 بصورة فاجأت العالم، وسقطت المدن الأفغانية الواحدة تلو الأخرى، إلى أن وصلت طالبان إلى كابل في 15 أغسطس. 

وهكذا، بعد عشرين عامًا من الحرب، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام المشهد الذي أرادت منع حدوثه أصلًا: طالبان في كابل، والقوات الأجنبية في طريقها إلى الرحيل.

 

لماذا أصبحت لحظة كابل رمزًا عالميًا؟

لأنها لم تكن مجرد نهاية حرب. إنما كانت صورةً لانهيار مشروع سياسي وعسكري كامل.

فالجيش الأفغاني الذي أنفقت واشنطن سنوات في تدريبه وتسليحه انهار بسرعة كبيرة، والحكومة التي دعمتها الولايات المتحدة اختفت، بينما استعادت طالبان العاصمة.

وبالنسبة إلى طالبان وأنصارها، تحولت اللحظة إلى رمز لانتصار الجهاد الأفغاني وإجبار قوة عظمى على مغادرة البلاد. فكانت ثمار جهاد طويل ونجاح في فرض الأمر الواقع على الأعداء.

أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها، فكانت النهاية واحدة من أكثر لحظات الانسحاب العسكري إثارة للجدل في التاريخ الأمريكي الحديث. أعاد ذكرى الانسحاب الأمريكي من فيتنام.

ولهذا ظل الخامس عشر من أغسطس يحمل معنيين متناقضين: بالنسبة إلى طالبان هو يوم النصر وعودة حكم الإمارة الإسلامية، وبالنسبة إلى خصومها هو يوم سقوط الجمهورية المدعومة من الغرب وهزيمة التحالف الغربي.

 

انتهاء الحرب العسكرية واستمرار الحرب الاقتصادية

 لم تتحول أفغانستان بعد 2021 إلى بلد مستقر ومزدهر لمجرد انتهاء الحرب الأجنبية. بل رغم نجاح حكومة أفغانستان الإسلامية المنتصرة من السيطرة على البلاد وإثباتها لقدراتها في الحوكمة، وحسن إدارتها، إلا أنها تواجه اليوم تحدّي الثبات على مبادئها، منذ رفضت أن تحكم بلادها بنظم ديمقراطية غربية، وأصرت على نظام الشريعة الإسلامية. حيث تحاربها عزلة دولية تحاصر فرصها في الصعود والنهضة.

وبدل أن تنشغل المؤسسات الغربية في تحرير المراة الغربية المستغلة، وبدل أن تفتح المجال أمام النهضة الاقتصادية في أفغانستان لتحسين حياة النساء الأفغانيات شنت حربا شرسة على عرف الأفغان وعاداتهم مع النساء، لرفضهم الاختلاط والانحلال ومعايير الغرب في تفسيق المرأة. واستمرت سياسة إعلامية موجهة تعتبر الحجاب اضطهادا ومنع المراة من الاختلاط تشددا. وكأن الغرب لم يتعلم من درس هزيمته من كون البلاد الإسلامية لا يحكمها النظام الغربي والانحلال الغربي.

 

أفغانستان بين الاستقلال والعزلة

بعد خمس سنوات من عودة طالبان، بدأت العزلة الدولية تتراجع جزئيًا، وأقامت دول عديدة اتصالات عملية مع سلطات كابل، مدفوعة بمصالح تتعلق بالأمن والهجرة والتجارة وموقع أفغانستان الجغرافي.

لكن الاعتراف الدولي الكامل ما يزال محدودًا للغاية؛ إذ أصبحت روسيا في يوليو/تموز 2025 أول دولة تعترف رسميًا بحكومة طالبان، بينما واصلت دول أخرى التواصل معها دون منحها الاعتراف الكامل. لتواجه أفغانستان تحديًا جديدًا: كيف تحافظ على استقلال قرارها، وفي الوقت نفسه تخرج من العزلة الدولية وتبني اقتصادًا قادرًا على إعالة شعبها؟

فالموقع الذي جعل أفغانستان ساحةً للصراع بين الإمبراطوريات يمكن أن يتحول أيضًا إلى مصدر قوة، إذا أصبحت البلاد جسرًا للتجارة بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا بدل أن تكون ميدانًا للحروب.

 

ذكرى النصر على إمبراطورية العصر .. حُق للشعب الأفغاني أن يحتفل

ربما يكون أهم درس أفغاني هو أن طرد الإمبراطوريات ليس نهاية التاريخ. السوفييت خرجوا. والأمريكيون خرجوا. والإمبراطوريات السابقة رحلت. لكن أفغانستان بقيت.

وهذه هي المفارقة التي صنعت أسطورة هذا البلد: القوى الكبرى تتغير، أما الجبال الأفغانية فتبقى.

ولكن من يطلع على حجم المآسي والمجازر والفساد الذي أحدثه الاحتلال الغربي في أفغانستان، سيدرك معنى فرحة الشعب الأفغاني وخروجه في الطرقات يحمل راية التوحيد. 

 

حرب جديدة للثبات على الشريعة .. 

في الخامس عشر من أغسطس، تستطيع أفغانستان أن تنظر إلى تاريخها وتقول إن إمبراطوريات كثيرة حاولت إخضاعها، وإن قوة عظمى أخرى غادرتها بعد حرب استمرت عشرين عامًا.

لكن ثبات أفغانستان على مطلب الشريعة يعد نجاحها عسكريا في تحدي القوى الخارجية، يفتح باب حرب جديدة، ليس بالأسلحة ولكن مع أدوات الهيمنة في النظام الدولي. يُنتظر من الإمارة الإسلامية في أفغانستان أن تنتصر فيها على السياسات التي تحاول تعميق الفقر وتداعيات العزلة والأزمات الإنسانية لإجبارها على الخضوع والتخلي عن نظامها الإسلامي، يُنتظر من أفغانستان النجاح في بناء دولة قوية راسخة، تستطيع أن تمنح شعبها ما حُرم منه لعقود: السلام والتنمية والكرامة والمستقبل.

وبغض النظر عن كل التحديات التي تواجه الصعود الأفغاني، فإن أفغانستان لم تواجه الغرب وحلفه فقط بل واجهت نظاما دوليا قائما بكل تفاصيله لمنع الصعود الإسلامي، ما يجعل المرحلة المقبلة مرحلة صراع آخر لا يقل أهمية عن الصراع العسكري السابق.

 

ساجد العمري

 

A boy sits among Taliban delegates from across the country during a meeting opening celebrations marking the fifth anniversary of the U.S. withdrawal and the Taliban's return to power, at Loya Jirga Hall in Kabul, Afghanistan, Saturday, Aug. 15, 2026. (AP Photo/Siddiqullah Alizai)

A flower seller arranges bouquets ahead of celebrations marking the fifth anniversary of the U.S. withdrawal and the start of Taliban rule in Kabul, Afghanistan, Friday, Aug. 14, 2026. (AP Photo/Nava Jamshidi)

Armed Taliban police stand along a street ahead of celebrations marking the fifth anniversary of the U.S. withdrawal and the start of Taliban rule in Kabul, Afghanistan, Friday, Aug. 14, 2026. (AP Photo/Nava Jamshidi)

Young children look out from a car as a Taliban flag is held nearby on the eve of the fifth anniversary of the U.S. withdrawal and the start of Taliban rule in Kabul, Afghanistan, Friday, Aug. 14, 2026. (AP Photo/Nava Jamshidi)

A Taliban security officer checks a driver's identification at a checkpoint ahead of celebrations marking the fifth anniversary of the U.S. withdrawal from Afghanistan and the start of Taliban rule, in Kabul, Afghanistan, Thursday, Aug. 13, 2026. (AP Photo/Siddiqullah Alizai)

A man offers Taliban flags for sale ahead of celebrations marking the fifth anniversary of the U.S. withdrawal from Afghanistan and the start of Taliban rule, in Kabul, Afghanistan, Thursday, Aug. 13, 2026. (AP Photo/Siddiqullah Alizai)

Taliban supporters reach for flags during celebrations marking the fifth anniversary of the U.S. withdrawal from Afghanistan and the Taliban's return to power, in Kabul, Afghanistan, Saturday, Aug. 15, 2026. (AP Photo/Nava Jamshidi)

A boy walks past Taliban members riding motorcycles and waving flags during celebrations marking the fifth anniversary of the U.S. withdrawal from Afghanistan and the Taliban's return to power, in Kabul, Afghanistan, Saturday, Aug. 15, 2026. (AP Photo/Nava Jamshidi)

A boy holds an AK-style rifle while sitting in a vehicle decorated with Taliban flags during celebrations marking the fifth anniversary of the U.S. withdrawal from Afghanistan and the Taliban's return to power, in Kabul, Afghanistan, Saturday, Aug. 15, 2026. (AP Photo/Nava Jamshidi)

Taliban government supporters attend celebrations marking the fifth anniversary of the U.S. withdrawal from Afghanistan and the Taliban's return to power, in Kabul, Afghanistan, Saturday, Aug. 15, 2026. (AP Photo/Nava Jamshidi)