من سدّ النهضة إلى الساحة الصومالية.. هل تنقل مصر وإريتريا صراعهما مع إثيوبيا إلى حرب بالوكالة؟ ومسؤول إثيوبي يطالب القاهرة بـ«ضريبة النيل»
تتخذ الصراعات المتشابكة في منطقة القرن الإفريقي أشكالًا جديدة ومتسارعة، في وقت تسعى فيه القوى الإقليمية والدولية إلى توسيع نفوذها على حساب شعوب المنطقة، بما ينذر بتداعيات سياسية وأمنية واقتصادية واسعة.
وتتصدر مصر وإثيوبيا أطراف الصراع الإقليمي، وهما من أكثر دول القارة الإفريقية سكانًا، بينما تصطف خلفهما أطراف أخرى ترتبط بكل دولة بعلاقات وتحالفات سياسية وعسكرية مختلفة.
مفاوضات النيل تصل إلى طريق مسدود
انسحبت الحكومة المصرية من المفاوضات مع إثيوبيا بشأن الملفات الخلافية المتعلقة بتقاسم مياه نهر النيل، لكن هذه الخطوة لم تتحول إلى ضغط سياسي يمنع أديس أبابا من استكمال مشروع سد النهضة، الذي يُعد أكبر سد في القارة الإفريقية.
وفي عام 2025، احتفلت إثيوبيا بإكمال السد الذي بنته على النيل الأزرق، فيما كررت مصر والسودان تحذيراتهما من أن المشروع قد يعرض حصتيهما من مياه النيل للخطر.
وبحسب ما نشرته شبكة «الأهرام» المصرية، واجهت مصر خلال الصيف الماضي انخفاضًا في كميات المياه المتدفقة عبر النيل.
وقالت وزارة الموارد المائية والري المصرية إنها تلقت أكثر من 150 شكوى من مزارعين يعتمدون على مياه النهر، تحدثوا فيها عن نقص المياه المخصصة لري أراضيهم الزراعية.
كما أفادت قناة «القاهرة» بأن المياه التي يستخدمها المصريون للشرب تعرضت للتلوث، نتيجة ارتفاع عكارة مياه النيل المرتبطة بانخفاض مستوى التدفق.
وأثار ذلك مخاوف ملايين المصريين الذين يعتمدون على النهر، ودفعهم إلى مطالبة حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ إجراءات لمعالجة الأزمة.
السودان يصطف دبلوماسيًا إلى جانب مصر
ورغم انشغال السودان بالحرب الداخلية ومواجهته قوات الدعم السريع، فإنه لا يزال طرفًا في النزاع الدبلوماسي الدائر حول النيل، ويقف إلى جانب مصر في اتهام إثيوبيا بالتأثير في تدفق المياه القادمة من النهر.
وبالتوازي مع الضغوط الدبلوماسية التي تمارسها القاهرة والخرطوم على أديس أبابا، تتشكل ملامح حرب باردة وتحالف إقليمي ترى إثيوبيا أنه يضم مصر والسودان وإريتريا.
اتهامات إثيوبية بتسليح حركات المعارضة
اتهم معهد الدبلوماسية الإثيوبي، ومقره أديس أبابا، في ورقة أصدرها خلال يوليو/تموز، دولًا تعارض مشروع سد النهضة بتسليح الحركات المتمردة على حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد.
ولم يسمِّ المعهد تلك الدول بصورة مباشرة، لكنه أشار إلى أن بعض الاضطرابات المحلية التي تواجهها إثيوبيا مرتبطة بتهديدات وشبكات عابرة للحدود.
وكانت حكومة أديس أبابا تركز، خلال المراحل الأولى من الأزمة، على الدفاع عن مشروع سد النهضة، لكنها بدأت مؤخرًا حملة تعبئة شعبية وإعلامية ضد مصر والسودان.
وفي أغسطس/آب، قال وزير المياه والري والطاقة الإثيوبي خلال مناسبة سياسية إن بلاده أصبحت تسيطر بصورة كاملة على مياه النيل، وذهب إلى أن إثيوبيا هي التي تدير كميات المياه المتجهة نحو مصر والسودان.
وأثار هذا التصريح، الذي عُدّ من أشد المواقف الصادرة عن مسؤول إثيوبي بشأن الأزمة، ردودًا متبادلة بين الأطراف، في مؤشر على تراجع سياسة التهدئة وتحول الحرب الباردة إلى مواجهة أكثر وضوحًا.
قوات بحرية مصرية في ميناء مصوع
أفادت تقارير بوجود وحدات من القوات البحرية المصرية في ميناء مصوع الإريتري، حيث تقدم تدريبات ومساعدات إلى القوات الإريترية.
وتصف القاهرة هذا التحرك بأنه جزء من التعاون العسكري وتعزيز أمن البحر الأحمر، بينما تنظر إليه أديس أبابا ضمن سياق التحالفات الإقليمية المرتبطة بأزمة سد النهضة.
مسؤول إثيوبي يطالب مصر بدفع «ضريبة النيل»
دعا شيفراو جارسو، وزير المياه والري الإثيوبي السابق وعضو الحزب الحاكم، حكومة آبي أحمد إلى مطالبة مصر بدفع تعويضات مالية مقابل استخدامها مياه نهر النيل.
ووصف جارسو النيل بأنه مورد يملكه الشعب الإثيوبي، مشيرًا إلى أن أكثر من 85% من المياه التي تستخدمها مصر تنطلق من الأراضي الإثيوبية، ولذلك رأى أن على القاهرة دفع ضريبة مقابل استخدامها.
ويكشف هذا الطرح مستوى التصعيد السياسي المتزايد في الخطاب الإثيوبي، بعد انتقال الخلاف من المفاوضات حول ملء سد النهضة وتشغيله إلى الحديث عن ملكية المياه وفرض رسوم على دول المصب.
تقارير عن دعم مصري لمعارضي آبي أحمد
أشارت تقارير إلى أن مصر بدأت تقديم دعم إلى جماعات معارضة للحكومة الإثيوبية، ولا سيما في إقليمي تيغراي وأمهرة.
وفي الوقت نفسه، تتصاعد المخاوف الإثيوبية من تهديدات قادمة عبر الأراضي الصومالية، ترى أديس أبابا أنها ترتبط بصورة مباشرة بالصراع حول سد النهضة.
ونُقل عن مسؤولين في أجهزة الأمن والاستخبارات الإثيوبية قولهم إن حلفاء مصر يخططون داخل الصومال لتشكيل مجموعات مسلحة وتنفيذ تحركات معادية لإثيوبيا.
وتضاعفت هذه المخاوف بعدما وافق مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي على مشاركة قوات مصرية ضمن بعثة الاتحاد الإفريقي لدعم والاستقرار في الصومال «AUSSOM».
اتفاق دفاعي يسمح بوجود عسكري مصري
رغم تراجع احتمال مشاركة قوات مصرية فعلية ضمن بعثة «AUSSOM»، لا يزال اتفاق التعاون الدفاعي الذي وقعه الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي عام 2024 قائمًا.
ويتيح الاتفاق للقوات المصرية إقامة منشآت أو قواعد عسكرية برية وبحرية داخل الصومال، وهو ما تنظر إليه إثيوبيا باعتباره تهديدًا محتملًا لأمنها وحدودها.
ورفعت القوات الإثيوبية مستوى التأهب في المناطق الحدودية التي تفصلها عن الصومال، ولا سيما في بلدة دولو بولاية جدو، حيث أبدى مسؤولون إثيوبيون قلقًا واضحًا من احتمال وصول عناصر مصرية إلى المنطقة الحدودية.
حديث إثيوبي عن مجموعات موالية لمصر وإريتريا
بدأت إثيوبيا الترويج لاحتمال تشكيل مجموعات مسلحة موالية لمصر وإريتريا انطلاقًا من الأراضي الصومالية، مستندة في ذلك إلى تصريحات شخصيات صومالية متحالفة معها.
وتُعد إدارة جوبالاند، ولا سيما جناحها الموجود في ولاية جدو، إحدى الركائز التي تعتمد عليها إثيوبيا في حماية مصالحها الأمنية على الحدود.
وقال محمد حسين لفي، عمدة مدينة دولو لإدارة جوبالاند عُرف بعلاقاته القديمة مع إثيوبيا، خلال تصريحات أدلى بها مؤخرًا في بلدة دولو، إنهم يعملون من هناك على حماية الأمن الإثيوبي.
كما كرر لفي مضمون الاتهامات الإثيوبية التي تتحدث عن تحركات لجماعات مرتبطة بمصر وإريتريا داخل الصومال.
وأكد أنه يسير على نهج قادة المجموعات المحلية السابقين في جدو المعروفين بالتعاون مع إثيوبيا، مستشهدًا بعمر حاجي مسلّي مثالًا على ذلك.
شكوك حول قوات تلقت تدريبًا في حنانبوري
تشتبه إثيوبيا كذلك في أن مجموعات مسلحة تلقت تدريبات استمرت قرابة عام في قرية حنانبوري وسط الصومال جرى تجهيزها وتمويلها من جانب حلفاء مصر المشاركين في صراع النفوذ بالقرن الإفريقي.
وبعد انتهاء التدريب وعودة تلك القوات إلى إقليم الصومال الغربي الخاضع للإحتالال الإثيوبي، تعرض أفرادها لعمليات اعتقال وملاحقة واسعة بدت، بحسب التقرير، مخططًا لها مسبقًا.
وذكرت وسائل إعلام محلية أن قوات «ليو بوليس» كُلّفت في البداية باعتقال العناصر التي يُعتقد أن مصر مولتها، قبل أن تتسلم ملفهم لاحقًا وحدات من الشرطة الفيدرالية وأجهزة الاستخبارات الإثيوبية.
رواية أخرى تربط القوة بصراع جوبالاند
في المقابل، تقول أطراف أخرى إن الحكومة الصومالية كانت تخطط لاستخدام هذه القوات ضد إدارة جوبالاند التي يقودها أحمد مدوبي.
لكن الأمر الذي أثار شكوك إثيوبيا هو أن معظم عناصر هذه القوة جرى تجنيدهم من إقليم الصومال الغربي القريب من الحدود المصطنعة، وهو ما أضاف بعدًا جديدًا إلى الحرب الباردة بين الأطراف المتنافسة.
وتكشف هذه التطورات أن الخلاف بين مصر وإثيوبيا لم يعد محصورًا في ملف مياه النيل وسد النهضة، بل بات يمتد إلى البحر الأحمر وإريتريا والسودان والصومال، حيث تتقاطع التحالفات العسكرية والاتفاقات الدفاعية والمخاوف من تشكيل جماعات مسلحة بالوكالة.