ما حقيقة الضغوط التي تتعرض لها الحكومة الصومالية لتسلُّم مسؤولية أمنها؟ وماذا قالت «أفريكوم» عن قوة المجاهدين؟ وإلى أين وصلت المرحلة الانتقالية في الصومال؟
ذكرت منصة «Africa Is a Country»، وهي منصة جنوب أفريقية متخصصة في تحليل الشؤون الأفريقية، في تقرير أعدّته، أن الأمم المتحدة والولايات المتحدة تتراجعان عن منظومة الدعم الأمني في الصومال، بعد فشل الحملة العسكرية المستمرة في البلاد منذ قرابة عشرين عامًا.
وأوضح التقرير أن الحكومة التي يقودها حسن شيخ محمود، والتي أبدت يأسًا من استمرار مساندة الدول الغربية لها، لجأت خلال الأسابيع الأخيرة إلى إطلاق تصريحات فرضتها عليها الظروف، تزعم فيها استعدادها لتولّي مسؤولية أمن البلاد في حال انسحاب القوات الأجنبية.
وأكد التقرير وجود فجوة كبيرة بين الواقع الفعلي داخل الصومال وبين التصريحات المضللة التي تطلقها الحكومة الصومالية بشأن قدرتها على إدارة المرحلة الانتقالية.
مؤتمر مقديشو: تحديات أمنية وخلافات سياسية
عقدت الحكومة الصومالية قبل أيام مؤتمرًا أمنيًا في مقديشو، شارك فيه مسؤولون كبار في إدارة الرئيس حسن شيخ محمود، إلى جانب ممثلين عما يُسمّى «المجتمع الدولي».
وجاء المؤتمر في وقت تواجه فيه الحكومة تحديات متعددة الجوانب، من بينها تقليص مهمة الاتحاد الأفريقي، والإغلاق المرتقب لهياكل الدعم الدولي المقدَّم إلى الحكومة الصومالية، فضلًا عن تفاقم حالة الانسداد السياسي بين إدارة مقديشو وعدد من الإدارات الإقليمية.
وأضاف التقرير أن هذه التطورات تتزامن مع تصاعد مخاوف أخرى خلال الأشهر الأخيرة، مرتبطة بتنامي عمليات المجاهدين، وبالتساؤلات حول مدى قدرة ميليشيات الحكومة على ملء الفراغ الأمني الذي قد ينجم عن انسحاب القوات الأفريقية من الصومال.
تصريحات حكومية بشأن إنهاء الاعتماد على القوات الأجنبية
وخلال حديثه في المؤتمر، قال أويس حاجي يوسف، مستشار الرئيس الصومالي لشؤون الأمن وأحد أكثر المقربين من القصر الرئاسي، إن إنهاء المهمات الدولية في الصومال يأتي نتيجة مسار طويل الأمد، وليس قرارًا اتُّخذ بصورة مفاجئة.
وأضاف أن المشاورات والتقييمات المتعلقة بقدرة الحكومة الصومالية على تولّي إدارة شؤونها بصورة أوسع استمرت أكثر من أربعة أعوام.
وكشف أويس، خلال حديثه، أن «فيلا الصومال»، التي ظلت مدة طويلة عاجزة عن تحديد موعد يمكنها فيه تقليص اعتمادها على الأمم المتحدة، اضطرت في نهاية المطاف، تحت ضغط الواقع والمصلحة، إلى إعلان استعدادها لتولّي مسؤولية أمن البلاد، بعدما رفعت الأمم المتحدة والدول الغربية عمومًا أيديها عن الحملة التي شُنّت على الصومال.
وأشار التقرير إلى أن حسن شيخ محمود نفسه صرّح مؤخرًا، في منطقة حنانبوري بولاية جلجدود، بأن قوات الاتحاد الأفريقي ستغادر البلاد، مشددًا على أن مرحلة الاعتماد على القوات الأجنبية لن تستمر بعد الآن.
وأفادت منصة «Africa Is a Country» بأن الصومال يواجه واحدًا من أكبر عمليات سحب الدعم الذي كانت القوى الدولية تقدّمه إلى الحكومة الصومالية، منذ أن بدأت القوى الأجنبية، قبل أكثر من عشرين عامًا، محاولاتها لإقامة إدارة عميلة في الصومال، تتمثل في الحكومة الصومالية المناهضة لتحكيم الشريعة الإسلامية.
مساران متوازيان: انتهاء البعثة الأممية وتعثر المهمة الأفريقية
وبحسب التقرير، يجري حاليًا مساران متوازيان؛ أولهما المسار السياسي المتمثل في ما يُسمّى «بعثة الأمم المتحدة الانتقالية لتقديم المساعدة في الصومال» (UNTMIS)، التي يُتوقع أن تنهي أعمالها في الحادي والثلاثين من شهر أكتوبر المقبل من عام 2026، لتختتم بذلك مرحلة انتقالية استمرت عامين، وكانت الحكومة الصومالية قد طلبتها سابقًا.
وشملت المهمات التي اضطلعت بها بعثة UNTMIS دعم عملية تعديل الدستور، ودعم الانتخابات، وما يسمونه حقوق الإنسان، وترسيخ النظام الديمقراطي، وتطوير المؤسسات الأمنية الحكومية، وتنسيق ما يوصف بالمساعدات الدولية.
ومن المنتظر أن تُنقل مسؤولية هذه المهمات، في نهاية الشهر المقبل، إلى الحكومة الصومالية، وإلى مجموعة وكالات الأمم المتحدة العاملة داخل البلاد، المعروفة باسم «فريق الأمم المتحدة القُطري»، ومن بينها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF)، ومنظمة الصحة العالمية (WHO)، وبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO)، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR).
أما المسار الثاني، فهو المسار العسكري المتمثل في مهمة الاتحاد الأفريقي في الصومال، التي أشار التقرير إلى أنها تواجه بدورها أوضاعًا أمنية ومالية بالغة الصعوبة، تزداد تعقيدًا بمرور الوقت.
وأوضح التقرير أن تزامن إغلاق المهمة السياسية للأمم المتحدة مع تصاعد الغموض المحيط بمستقبل المهمة الصليبية لتحالف «أوصوم» (AUSSOM)، يعني أن الحكومة الصومالية قد تفقد، خلال الأشهر المقبلة، طبقات متعددة من الدعم السياسي والأمني الدولي، في الوقت الذي تزداد فيه قوة حركة الشباب المجاهدين ويتسع حضورها في جنوب البلاد ووسطها.
الموقف الأميركي وتردد أوروبا يفاقمان أزمة التمويل
وبيّن التقرير أن أبرز التطورات تمثّل في القرار الذي أعلنته الولايات المتحدة في الأول من شهر يوليو الماضي، وأبلغت بموجبه الاتحاد الأفريقي بأنها لن تواصل دعم مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال (UNSOS) بعد نهاية عام 2026، وأنها ستعارض موافقة مجلس الأمن الدولي على استمرار الدعم اللوجستي الأممي أو استمرار العملية المرتبطة بتحالف «أوصوم».
وأضاف التقرير أن أوروبا، التي شكّلت لسنوات طويلة العمود الفقري المالي للمهمات المتعاقبة التي نفذها الاتحاد الأفريقي في الصومال، أصبحت بدورها مترددة بشدة في مواصلة تمويل القوات الأفريقية.
وأشار إلى أن الضغوط التي تواجهها بعثة «أوصوم» تمثل جزءًا من تراجع دولي أوسع في حجم الدعم المقدَّم إلى الحكومة الصومالية، بالتزامن مع إغلاق الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) ومئات المراكز التابعة لها، واقتراب مراكز أخرى من الإغلاق.
وفي الوقت ذاته، قال التقرير إن المهمة السياسية للأمم المتحدة، التي كانت تقدّم دعمًا خاصًا إلى الحكومة الصومالية في ملفات النظام الفيدرالي والانتخابات والقضاء وإصلاح القطاع الأمني وبناء المؤسسات، تتجه هي الأخرى إلى الاختفاء.
قدرة الحكومة على إدارة المرحلة الانتقالية موضع تساؤل
ويعني تداخل هذه التطورات أن الحكومة الصومالية ستُجبَر على تحمّل مسؤوليات كثيرة لا تمتلك القدرة على النهوض بها، في وقت تتداعى فيه بسرعة المنظومة الواسعة للدعم الدولي.
وبحسب التقرير، تزيد القوى الدولية ضغوطها على الحكومة الصومالية من أجل أن تتولّى بصورة كاملة مسؤولية شؤونها وأن تعتمد على نفسها، بالتزامن مع تراجع التمويل الخارجي والدعم اللوجستي والمساندة المقدَّمة إلى مؤسسات الدولة.
وعلى الرغم من أن إدارة الرئيس حسن شيخ محمود دأبت خلال الأسابيع الأخيرة، وفي ظل حالة من اليأس، على الزعم بأنها قادرة على تولّي مسؤولية أمنها، فإن التقرير رأى أن هذه التصريحات تبدو مجرد كلام مرسل لا ينسجم مع الواقع الفعلي داخل البلاد؛ إذ لا تظهر، في الحاضر أو المستقبل المنظور، أي إنجازات حققتها الحكومة يمكن أن تبدد المخاوف المحيطة بالمرحلة الانتقالية في الصومال.
وأكد التقرير أن الحقيقة التي لا يمكن غضّ الطرف عنها تتمثل في أن مجاهدي حركة الشباب المجاهدين يسيطرون على مساحات واسعة من وسط الصومال وجنوبه، ويشكّلون خطرًا كبيرًا على الحكومة الصومالية، كما يمتلكون القدرة على تنفيذ عملياتهم في المكان والزمان اللذين يختارونهما.
أفريكوم: تنامي قدرات الجماعات المسلحة والتكيّف مع المتغيرات
وفي مقابلة خاصة مع شبكة «DefenceWeb»، قال الجنرال جون برينان، نائب قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا «أفريكوم»، إن قوة الجماعات الجهادية، ومن بينها حركة الشباب وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، آخذة في التصاعد، وإنها تتكيّف بسهولة مع الظروف المتغيرة وتمتلك القدرة على تنفيذ هجمات واسعة النطاق.
وأضاف المسؤول العسكري أن الجهاديين يتجاوزون، كالمياه، كل عائق يعترض طريقهم، مشيرًا إلى أن التقدم الذي يحرزونه في المجال التكنولوجي يثير كذلك مخاوف كبيرة لديهم.
تقرير مركز صوفان: حركة الشباب بعد ربع قرن من هجمات سبتمبر
وفي سياق متصل، أصدر «مركز صوفان»، وهو مؤسسة مقرها مدينة نيويورك تُعنى بدراسة القضايا الأمنية وما يُسمّى مكافحة الإرهاب، تقريرًا تناول نشاط المجاهدين خلال السنوات الخمس والعشرين التي أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، التي أركعت الولايات المتحدة.
ويتألف التقرير المطوّل من 202 صفحة، وخصص جزءًا منه للحديث عن التطور الذي حققه مقاتلو حركة الشباب المجاهدين. وقد جاء نشره بالتزامن مع إحياء الولايات المتحدة الذكرى الخامسة والعشرين للهجمات المتزامنة التي نفذها تنظيم القاعدة داخل الأراضي الأميركية.
ومن بين ما أورده التقرير أن الصومال، بعد ربع قرن من هجمات الحادي عشر من سبتمبر، لم يعد البلد نفسه الذي كان عليه يوم وقوع تلك الهجمات، بل تحوّل إلى مركز مهم للحركة الجهادية.
وأوضح التقرير أن مقاتلي حركة الشباب المجاهدين واصلوا تعزيز قوتهم منذ ذلك الوقت، وأصبحوا يمتلكون اليوم قدرات عسكرية وإدارية واسعة وراسخة.
وشدد «مركز صوفان» على أن الحملات العسكرية والأمنية التي شنتها واشنطن على البلدان الإسلامية أفضت إلى نتائج معاكسة تمامًا لما كانت الولايات المتحدة تتوقعه، إذ أدت إلى تنامي القوة الإجمالية للمجاهدين في مختلف أنحاء العالم.
وأشار التقرير إلى أن مقاتلي حركة الشباب المجاهدين ينفذون هجمات فتاكة، تمكنوا خلالها مرارًا من اجتياح معسكرات وقواعد عسكرية تابعة لقوات الاتحاد الأفريقي وميليشيات الحكومة الصومالية.
وبناءً على ذلك، قال التقرير إن حركة الشباب كانت، خلال الفترة الممتدة من عام 2007 إلى عام 2025، واحدة من أكثر أربع جماعات جهادية في العالم إيقاعًا للخسائر البشرية في صفوف أعدائها. كما أصبحت مهمة الاتحاد الأفريقي في الصومال الأكثر كلفة من حيث الخسائر البشرية التي تكبدتها القوات الأفريقية، مقارنة بالمهمات الدولية الأخرى التي شاركت فيها.
وخلص تقرير «مركز صوفان» إلى أن الغارات الجوية التي تنفذها الولايات المتحدة في الصومال لن تتمكن مطلقًا من القضاء على النظام الإسلامي القائم على الولايات الإسلامية في الصومال والانضباط، الذي أقامه المجاهدون في جنوب الصومال ووسطه.