من الحرب إلى السياسة: هل تخشى كينيا وأوغندا حركة الشباب المجاهدين في قيادة سياسية؟
أشار تقرير حديث لمجلة The Economist إلى تحول لافت في نمط هجمات حركة الشباب المجاهدين داخل العاصمة الصومالية مقديشو، إذ تراجعت الهجمات المسجلة من 144 هجومًا خلال الربع الثالث من عام 2022 إلى خمسة فقط في الربع الثاني من عام 2026، في انخفاض حاد يعكس تغيرًا مهمًا في المشهد الأمني الصومالي.
وتعزو جهات أمنية هذا التراجع إلى تحسن قدرات الاستخبارات والعمليات التي تنفذها وكالة الاستخبارات والأمن الوطني الصومالية، غير أن قراءة أخرى تظل مطروحة: هل يعكس انخفاض العمليات نجاح الضغط الأمني والعسكري وحده، أم أن الحركة نفسها تعيد ترتيب أولوياتها وتستعد لمرحلة سياسية مختلفة؟
حتى الآن، لا توجد إشارة علنية حاسمة من حركة الشباب المجاهدين تعلن فيها تبنيها للحوار السياسي مع الحكومة الصومالية أو التخلي عن خيار القتال. ولذلك فإن الحديث عن مفاوضات محتملة يجب أن يبقى في إطار التحليلات والسيناريوهات، لا باعتباره قرارًا معلنًا من قيادة الحركة.
ومع ذلك، فقد ظهرت خلال الأشهر الأخيرة مؤشرات دفعت بعض مراكز الدراسات والجهات الدبلوماسية إلى مناقشة احتمال فتح قنوات اتصال غير مباشرة مع الحركة في مرحلة ما.
وتطرقت تحليلات صادرة عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى احتمال الحاجة مستقبلًا إلى حوار سياسي غير مباشر ومصالحة مع بعض عناصر الحركة، خصوصًا إذا أدى الضغط العسكري إلى إضعاف قدرتها على شن عمليات واسعة. كما طُرحت أدوار محتملة لدول تتمتع بخبرة في الوساطة، مثل تركيا وقطر والنرويج، لتسهيل اتصالات من هذا النوع.
وفي أغسطس/آب، نقلت صحيفة The EastAfrican عن مصادر دبلوماسية في نيروبي أن الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج وقطر تدرس إمكانية إجراء اتصالات محدودة مع مصادر مرتبطة بحركة الشباب المجاهدين، ضمن مسار يستهدف دفع الحركة إلى الابتعاد عن تنظيم القاعدة والفكر الجهادي، واحترام الحدود القائمة وعدم السعي إلى السيطرة على أراضٍ خارج الصومال.
وفي السياق ذاته، تحدث تقرير نشرته منصة Zagazola عن نقاش داخلي متزايد في البيئة الإعلامية المرتبطة بحركة الشباب المجاهدين بشأن جدوى التفاوض مع الحكومة الفيدرالية الصومالية.
لكن هذه التقارير لا تكفي وحدها للقول إن الحركة اتخذت قرارًا بالتفاوض. فالموقف المعلن للحركة، تاريخيًا، ظل قائمًا على رفض النظام السياسي الفيدرالي القائم في مقديشو، فيما لم يصدر عنها حتى الآن إعلان يثبت انتقالها من المواجهة العسكرية إلى مشروع تفاوضي رسمي.
وأشارت بعض التقارير إلى نقاشات داخل مناطق خاضعة لنفوذ حركة الشباب المجاهدين، ولا سيما جِلب وبوآلي وكونيو برو، حول إمكانية الانتقال إلى نموذج أكثر انتظامًا في الإدارة والحكم، مع استحضار تجارب حركات مسلحة أخرى تحولت تدريجيًا إلى سلطات أمر واقع.
إذا تغيرت المعادلة… ماذا عن كينيا وأوغندا؟
هنا تصبح القضية أكبر من الصومال نفسه. فأي تحول حقيقي من الحرب إلى السياسة لن يغير موازين القوى داخل الصومال فقط، بل قد يعيد رسم المصالح الأمنية والاقتصادية لدول الجوار، وعلى رأسها كينيا وأوغندا.
بالنسبة إلى أوغندا، فإن آخر هجوم كبير ناجح لحركة الشباب المجاهدين على أراضيها وقع في 11 يوليو/تموز 2010، عندما استهدفت تفجيرات تجمعات لمتابعة نهائي كأس العالم في كمبالا، وأسفرت عن مقتل 74 شخصًا وإصابة 85 آخرين.
ومنذ ذلك الحين لم تشهد الأراضي الأوغندية هجومًا كبيرًا مماثلًا للحركة، لكن القوات الأوغندية داخل الصومال دفعت ثمنًا باهظًا. وكان من أكثر الهجمات دموية اقتحام قاعدة بولو مريّر في 26 مايو/أيار 2023، الذي أسفر عن مقتل كتيبة أوغندية كاملة مع قائدها، وأسر عناصر منها.
أما كينيا، فقد ارتبط تصاعد هجمات الحركة داخل أراضيها بصورة مباشرة تقريبًا بتدخلها العسكري في الصومال أواخر عام 2011.
وفي عام 2012، سجلت كينيا أكثر من 100 هجوم من الحركة، قبل أن تتراجع لاحقًا وتتحول العمليات بصورة أكبر إلى هجمات منخفضة الكثافة على المناطق الحدودية.
وظلت محافظات مانديرا وغاريسا ولامو وواجير الأكثر تعرضًا لهجمات العبوات الناسفة والكمائن، في حين تراجعت قدرة الحركة على تنفيذ عمليات ضخمة داخل المدن مقارنة بهجمات مثل وست غيت عام 2013 وهجوم جامعة غاريسا عام 2015.
وبحسب الأرقام الواردة في التقديرات والتقارير المختلفة، شهد عام 2023 نحو 72 هجومًا داخل كينيا، معظمها عبوات ناسفة وكمائن على الحدود. وتحدثت تقارير إعلامية عن نحو 70 إلى 80 حادثة خلال 2024، ثم نحو 60 إلى 75 حادثة في 2025 بحسب التقرير.
وهذا قد يكون في حد ذاته جزءًا من مشكلة كينيا.
فحين تبقى الهجمات محصورة في المناطق الشمالية الشرقية والحدودية، بعيدًا عن نيروبي والمدن الكبرى، يعني أن التركيز على المناطق المحتلة من كينيا لتحريرها.
توزيع المصالح
المفارقة الأهم ليست أمنية، بل اقتصادية. فكينيا تحولت خلال العقود الماضية إلى مركز اقتصادي ومالي مهم للجالية ورجال الأعمال الصوماليين، فيما استقر جزء من رأس المال الصومالي في السوق الكينية بحثًا عن بيئة أكثر استقرارًا.
وفي حال نجحت الصومال يومًا ما في الوصول إلى تسوية سياسية واسعة وتحسن الأمن والاستقرار، فمن الطبيعي أن تبدأ بعض رؤوس الأموال الصومالية في العودة إلى الداخل.
وقد يعني ذلك منافسة اقتصادية جديدة لكينيا، خصوصًا في قطاعات التجارة والعقارات والخدمات والتمويل.
ومن هذه الزاوية فقط يمكن فهم السؤال الذي يطرحه بعض المحللين: هل يمكن أن يصبح استقرار الصومال تحديًا اقتصاديًا لبعض المصالح القائمة في دول الجوار؟
والأرجح أن المعادلة أكثر تعقيدًا من مجرد «السلام جيد للصومال وسيئ لجيرانه».
«ياو ياو» بدل «حرب حرب»؟
السيناريو الأكثر إثارة هو أن تتحول حركة الشباب المجاهدين، إن قررت يومًا تغيير مسارها، بحسب التقرير، من حركة تخوض حربًا مفتوحة إلى قوة تحاول تثبيت نفوذها سياسيًا ومحليًا.
لكن الطريق بين الأمرين طويل جدًا. فالتفاوض لا يعني تلقائيًا نزع السلاح، ونزع السلاح لا يعني بالضرورة التخلي عن العقيدة، كما أن دخول العملية السياسية لا يعني انتهاء الصراع على النفوذ.
والسؤال الأكبر سيكون: هل تستطيع الحكومة الصومالية وحركة الشباب المجاهدين، إذا وصلتا أصلًا إلى طاولة حوار، إنتاج صيغة سياسية تقبل بها الأطراف الصومالية الأخرى ودول الجوار والمجتمع الدولي؟
ثم هناك سؤال أصعب: ماذا سيكون مصير آلاف المقاتلين؟ وكيف ستتم معالجة قضايا العدالة والمساءلة؟ ومن يضمن عدم تحول أي اتفاق إلى مجرد هدنة تستخدمها الحركة لإعادة بناء قوتها؟
لهذا فإن الحديث عن «شباب سياسي» ما يزال سابقًا لأوانه.
لكن مجرد ظهور نقاش جدي حول هذا الاحتمال يكفي لطرح أسئلة جديدة في المنطقة.
فإذا كانت حركة الشباب المجاهدين ستبقى في نهاية المطاف جماعة جهادية تخوض حرب استنزاف منخفضة الكثافة، فإن كينيا وأوغندا تعرفان إلى حد كبير طبيعة الخصم الذي تتعاملان معه.
أما إذا تحولت، بعد تسوية ما، إلى قوة سياسية أو سلطة محلية ذات نفوذ، فإن قواعد اللعبة ستتغير بالكامل.
وقد يكون المشهد الأكثر غرابة أن يجلس يومًا ما مسؤول صومالي كان ينتمي سابقًا إلى الحركة على طاولة إقليمية واحدة مع الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني أو المسؤولين الكينيين، في اجتماع يناقش الأمن والتجارة ومستقبل شرق إفريقيا.
عندها لن يكون السؤال: هل انتهت حركة الشباب المجاهدين؟ بل سيكون: إلى ماذا تحولت؟
وهذا هو السيناريو الذي يناقشه التقرير، لا لأن وقوعه مؤكد، وإنما لأن تراجع العنف في مقديشو، وتزايد الحديث عن قنوات اتصال محتملة، وتغير أنماط عمل الحركة، كلها جعلت احتمال إعادة تشكيل الصراع سياسيًا موضوعًا لا يمكن تجاهله.
ومع ذلك، تبقى الحقيقة الأساسية حتى الآن: لا يوجد إعلان علني واضح من حركة الشباب المجاهدين بأنها اختارت «ياو ياو» بدل «حرب حرب». ولذلك ينبغي التفريق بين المؤشرات التي تستحق المتابعة وبين الوقائع التي ثبتت بالفعل.
ملاحظة: ياو ياو: يعني الحوار والكلام.