واشنطن ترفع العقوبات عن الجيش الإريتري وسط إعادة حسابات في البحر الأحمر

في خطوة تحمل أبعادًا دبلوماسية واستراتيجية تتجاوز ملف العقوبات نفسه، رفعت الولايات المتحدة، الجمعة 18 سبتمبر/أيلول 2026، العقوبات المفروضة على قوات الدفاع الإريترية وعدد من الكيانات والشخصيات الإريترية، بعد انتهاء حالة الطوارئ الأميركية المرتبطة بالأزمة في شمال إثيوبيا.

وجاء القرار في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط تصعيدًا متواصلًا، بالتزامن مع تنامي أهمية البحر الأحمر ومضيق باب المندب في حسابات الأمن والتجارة الدولية. ويقع الساحل الإريتري على الضفة المقابلة للساحل الغربي للسعودية، ما يمنح البلاد موقعًا جغرافيًا مهمًا في المعادلة البحرية للمنطقة.

ويوافق تاريخ القرار، بحسب تقويم أم القرى، 7 ربيع الآخر 1448هـ.

نهاية الإطار القانوني للعقوبات

وتشير التفاصيل التي أوردتها وزارة الخزانة الأميركية إلى أن الخطوة جاءت عقب انتهاء حالة الطوارئ الوطنية التي أُعلنت بموجب الأمر التنفيذي 14046 في سبتمبر/أيلول 2021، على خلفية الأزمة الإنسانية وحقوق الإنسان والصراع في شمال إثيوبيا.

وبانتهاء حالة الطوارئ، أزالت وزارة الخزانة، عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، الأسماء التي كانت مدرجة على قائمة العقوبات بموجب هذا الأمر التنفيذي. وشملت الإزالات قوات الدفاع الإريترية، والجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة، وشركتي Red Sea Trading Corporation وHidri Trust، إضافة إلى مسؤولين إريتريين كانوا مدرجين بموجب البرنامج نفسه.

وهنا تبرز نقطة مهمة: رفع هذه العقوبات لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة أعلنت إنهاء جميع القيود أو العقوبات الممكنة على إريتريا، وإنما يتعلق تحديدًا بالعقوبات التي استندت إلى الأمر التنفيذي المرتبط بأزمة إثيوبيا.

لماذا فُرضت العقوبات أصلًا؟

كانت إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن قد فرضت في 2021 عقوبات على الجيش الإريتري والحزب الحاكم في البلاد وعدد من المسؤولين، بسبب الدور الذي لعبته القوات الإريترية في حرب تيغراي شمال إثيوبيا.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2021، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية إدراج قوات الدفاع الإريترية والجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة وعدد من الكيانات والمسؤولين، متهمة أطرافًا إريترية بالمساهمة في الصراع وعرقلة جهود وقف إطلاق النار والمساعدات الإنسانية.

كما فرضت واشنطن في أغسطس/آب 2021 عقوبات منفصلة على الجنرال فيليبوس ولدي يوهانس، رئيس أركان قوات الدفاع الإريترية آنذاك، بموجب سلطة مختلفة مرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان.

وبالتالي، فإن انتهاء برنامج العقوبات المرتبط بالأمر التنفيذي 14046 ينبغي قراءته قانونيًا بصورة منفصلة عن أي إجراءات أميركية أخرى قد تكون قائمة بموجب سلطات مختلفة.

البحر الأحمر يعيد إريتريا إلى الحسابات

لكن التوقيت يمنح القرار بعدًا استراتيجيًا أوسع.

فالبحر الأحمر أصبح خلال السنوات الأخيرة ساحة رئيسية للتنافس الأمني والعسكري، خصوصًا مع تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط وتهديدات الملاحة في المنطقة.

وفي سبتمبر/أيلول 2026، ازداد التركيز الدولي على البحر الأحمر بعدما أدت التطورات العسكرية في اليمن إلى تهديدات جديدة للملاحة قرب باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط عبر قناة السويس. كما دفعت التطورات الأخيرة إيطاليا إلى الدعوة لتعزيز الوجود البحري في المنطقة.

وتكتسب إريتريا أهمية خاصة في هذا السياق بسبب موقعها على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وامتلاكها شريطًا ساحليًا طويلًا وجزرًا وموانئ تقع بالقرب من أحد أهم خطوط الملاحة العالمية.

ولهذا، يرى محللون نقلت عنهم رويترز أن إزالة العقوبات يمكن أن تساعد في تحسين العلاقات بين واشنطن وأسمرا، بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي لإريتريا على طريق الملاحة في البحر الأحمر.

من العقوبات إلى إعادة التموضع؟

لا تقدم الخطوة، بحد ذاتها، دليلًا قاطعًا على أن واشنطن وأسمرا دخلتا في تحالف جديد أو اتفاق أمني شامل. لكنها تزيل عقبة مهمة كانت تعيق التعامل الأميركي مع مؤسسات إريترية رئيسية، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية.

وتأتي هذه التطورات بينما تتغير البيئة الأمنية المحيطة بإريتريا بسرعة: الحرب في الشرق الأوسط، اضطراب الملاحة في البحر الأحمر، التنافس على الممرات البحرية، وتصاعد أهمية القرن الأفريقي في حسابات القوى الدولية.

وكانت رويترز قد أشارت في وقت سابق إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب كانت تخطط لرفع العقوبات، استنادًا إلى وثيقة حكومية داخلية، قبل أن يصبح القرار رسميًا في سبتمبر/أيلول.

وبذلك، تبدو الخطوة الأميركية واقعة عند تقاطع مسارين: انتهاء الأساس القانوني الذي فُرضت بموجبه عقوبات مرتبطة بحرب تيغراي، وتزايد القيمة الاستراتيجية لإريتريا في بيئة البحر الأحمر المتوترة.

ويبقى السؤال المفتوح هو ما إذا كان رفع العقوبات سيظل إجراءً قانونيًا مرتبطًا بانتهاء حالة الطوارئ، أم سيتحول خلال المرحلة المقبلة إلى بداية انفتاح دبلوماسي وأمني أوسع بين واشنطن وأسمرا. وحتى الآن، لا توجد في المصادر المتاحة إشارة رسمية كافية للجزم بالمسار الثاني.