الضفة الغربية على صفيح ساخن عشية ما يسمى “يوم الغفران”: تعزيزات إسرائيلية واقتحامات وتصاعد للعنف
مع اقتراب ما يسمى “يوم الغفران” اليهودي، رفعت تل أبيب مستوى الاستنفار العسكري إلى أعلى درجاته، وعززت قواتها انتشارها في الضفة الغربية، في وقت تشهد فيه الأراضي الفلسطينية المحتلة تصاعدًا متزامنًا في العمليات العسكرية والاعتداءات، بالتوازي مع هجوم أدى إلى مقتل إسرائيلي قرب مستوطنة «نفيه تسوف» شمال غرب رام الله.
وقالت مصادر عسكرية إسرائيلية إن الجيش رفع جاهزيته على مختلف الجبهات، بما فيها قطاع غزة ولبنان وسوريا والضفة الغربية، مع الاستعداد للانتقال سريعًا من ترتيبات وقف إطلاق النار إلى عمليات قتالية جديدة إذا اقتضت التطورات الأمنية ذلك.
ويأتي هذا التصعيد في ظرف حساس؛ إذ بدأ “يوم الغفران” مساء الأحد وانتهى مساء الاثنين، وهو من أكثر المناسبات الدينية أهمية في التقويم اليهودي، وتشهد خلاله إسرائيل إغلاقًا واسعًا وحركة محدودة، ما يدفع السلطات الأمنية إلى تشديد الإجراءات تحسبًا لهجمات محتملة.
حواجز واقتحامات وتشديد على حركة الفلسطينيين
في الضفة الغربية، اتخذ الانتشار العسكري شكلًا مباشرًا في حياة السكان. فقد أقامت القوات الإسرائيلية حواجز عند مداخل بلدتي بتير ووادي فوكين غرب بيت لحم، وأوقفت مركبات ودققت في هويات ركابها، بالتزامن مع اقتحام بلدة دار صلاح شرق المحافظة.
وتقول وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا» إن الإجراءات الإسرائيلية شملت إغلاق طرق ومداخل، بما أدى إلى عرقلة حركة الفلسطينيين، بينما تحدثت مصادر فلسطينية في اليوم التالي عن استمرار عمليات المداهمة والتحقيق الميداني.
وفي 21 سبتمبر، قالت هيئة شؤون الأسرى ونادي الأسير، وفق ما نقلته «وفا»، إن أكثر من 100 فلسطيني خضعوا للتحقيق الميداني خلال يومين في مناطق من الضفة، مع استمرار عملية عسكرية في بلدة بدو.
وفي شمال الضفة، أفادت «وفا» بأن القوات الإسرائيلية اقتحمت فجر الاثنين قرية برقة شمال غرب نابلس، وداهمت منازل وفتشتها واستجوبت سكانًا، وسط تعزيزات عسكرية.
هجوم قرب مستوطنة ومقتل فلسطيني
جاء التصعيد بعد حادثين دمويين وقعا الأحد.
ففي محيط مستوطنة نفيه تسوف قرب رام الله، قُتل إسرائيلي في إطلاق نار استهدف أشخاصًا تجمعوا قرب نبع ماء، وفق السلطات الإسرائيلية. وقالت الشرطة إن المشتبه به عُثر عليه لاحقًا في مستشفى بمدينة رام الله وأُلقي القبض عليه.
وفي حادث منفصل قرب جنين، فتحت القوات الإسرائيلية النار على مركبة فلسطينية، في واقعة قالت إسرائيل إنها ارتبطت بمحاولة دهس، بينما قالت وكالة «وفا» إن القوات أطلقت النار على المركبة وأوقعت إصابات، وإن الهلال الأحمر مُنع من الوصول إلى المكان في حينه.
وتعكس هذه الوقائع طبيعة المشهد الأمني المتدهور في الضفة، حيث تتداخل الهجمات الفلسطينية مع العمليات العسكرية الإسرائيلية واعتداءات المستوطنين، في بيئة بات فيها كل تصعيد موضعي قابلًا للتحول إلى موجة أوسع من العنف.
الأقصى في قلب التصعيد
ولم يقتصر التوتر على الضفة الغربية، بل امتد إلى القدس، حيث شهد المسجد الأقصى تحركات مكثفة خلال عطلة نهاية الأسبوع السابقة ليوم الغفران.
فقد اقتحم وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير باحات المسجد الأقصى برفقة مستوطنين وتحت حماية الشرطة الإسرائيلية، وسط تقارير عن أداء طقوس يهودية في المنطقة الشرقية من المسجد.
وفي 21 سبتمبر، قالت وكالة «وفا» إن 458 مستوطنًا اقتحموا مجمع المسجد الأقصى خلال صباح الاثنين، عبر باب المغاربة، تحت حماية مشددة من القوات الإسرائيلية، مضيفة أن بن غفير كان قد قاد اقتحامات في اليوم السابق.
وتنظر الجهات الفلسطينية إلى هذه التحركات باعتبارها مساسًا بالوضع القائم في المسجد الأقصى، في حين ترى السلطات الإسرائيلية والإسرائيليون المشاركون في هذه الزيارات أنها جزء من ممارسات دينية وسياسية مرتبطة بالموقع.
ويكتسب توقيت هذه التحركات أهمية خاصة، إذ تتزامن مع واحدة من أكثر المناسبات الدينية حساسية فيك كيان إسرائيل، وفي ظل توتر مستمر حول مستقبل الوضع القائم في الأماكن المقدسة بالقدس.
الخليل: المسجد الإبراهيمي أيضًا في دائرة التوتر
امتد التشديد كذلك إلى المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل، حيث أُغلق المسجد أمام المصلين المسلمين خلال فترة من عطلة يوم الغفران، وفق ما أوردته وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية.
وترى الوزارة أن إغلاق المسجد في وجه المسلمين خلال الأعياد اليهودية يمثل تقييدًا لحرية العبادة وتغييرًا في طبيعة الوصول إلى الموقع، بينما تُطبق إسرائيل إجراءات إغلاق مماثلة في مناسبات دينية يهودية باعتبارها ترتيبات أمنية وتنظيمية.
ويأتي ذلك في ظل تاريخ طويل من القيود والانقسامات المفروضة على المسجد الإبراهيمي، الذي شهد منذ سنوات ترتيبات خاصة لتنظيم دخول المصلين المسلمين واليهود.
عودة قضية إيلور عزريا إلى الواجهة
وفي خضم هذا المناخ الأمني والسياسي، عاد إلى الواجهة ملف الجندي الإسرائيلي السابق إيلور عزريا، بعدما أصدر الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ قرارًا بالعفو عنه وإزالة ما تبقى من سجله الجنائي.
وكان عزريا قد أُدين عام 2017 بالقتل غير العمد بعد إطلاقه النار على الفلسطيني عبد الفتاح الشريف في الخليل عام 2016، بعدما كان الشريف مصابًا وغير قادر على الحركة إثر هجوم طعن استهدف جنديًا إسرائيليًا. وأثارت القضية آنذاك نقاشًا واسعًا داخل إسرائيل وخارجها حول سلوك الجنود الإسرائيليين واستخدام القوة ضد الفلسطينيين.
وكان عزريا قد أُفرج عنه في مايو/أيار 2018 بعد قضاء تسعة أشهر في السجن، أي نصف العقوبة الأصلية البالغة 18 شهرًا.
وبرر مكتب هرتسوغ قرار العفو، الذي صدر عشية يوم الغفران، بعوامل بينها مرور الوقت وندم عزريا، وبـ«روح» أيام الغفران والمصالحة. كما أكد مكتب الرئيس أن القرار لا يمثل إعادة تقييم للقضية الأصلية.
لكن القرار لم يكن بلا اعتراض؛ إذ أفادت تقارير بأن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير كان قد عارض منح العفو. وفي المقابل، رحب وزير الدفاع إسرائيل كاتس بالقرار، كما احتفى به بن غفير.
وهكذا أعادت قضية تعود إلى عشر سنوات تقريبًا فتح نقاش أوسع حول حدود المساءلة القانونية للجنود، خصوصًا في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
من «الاستنفار» إلى واقع يومي
ما يميز التطورات الحالية ليس فقط حجم التعزيزات العسكرية، وإنما تزامنها مع مجموعة من الإجراءات التي تؤثر مباشرة في الحياة اليومية للفلسطينيين: حواجز على مداخل القرى، اقتحامات للمنازل، تحقيقات ميدانية، قيود على الحركة، واعتداءات من مستوطنين، إلى جانب العمليات العسكرية والهجمات الفردية.
وتقول وكالة «وفا» إن الاعتداءات من جانب المستوطنين والقوات الإسرائيلية تواصلت في مناطق مختلفة من الضفة، بما فيها بيت لحم، حيث تحدثت عن ملاحقة رعاة واعتداءات على فلسطينيين وممتلكاتهم في الأيام السابقة.
وفي المقابل، أدت الهجمات الفلسطينية ضد إسرائيليين إلى تعزيز الموقف الأمني الإسرائيلي، كما حدث بعد هجوم نفيه تسوف.
وهذه الدائرة المتبادلة من الهجمات والإجراءات الأمنية تجعل الضفة الغربية أمام معادلة شديدة الحساسية: كل هجوم جديد يؤدي إلى تشديد عسكري أكبر، وكل تشديد جديد يضيف مزيدًا من الاحتكاك والقيود على السكان، في وقت لا تزال فيه الملفات السياسية الأساسية المتعلقة بالاحتلال والاستيطان والقدس دون تسوية.
“يوم الغفران”… ومشهد أمني يتجاوز المناسبة
تقول تل أبيب إن تشديد الإجراءات الأمنية خلال الأعياد اليهودية يأتي لمنع هجمات محتملة في فترات ترى الأجهزة الأمنية أنها حساسة، خصوصًا مع تجمع أعداد كبيرة من الإسرائيليين في مواقع دينية وعامة.
لكن ما يحدث في الضفة الغربية والقدس لا يمكن فصله بالكامل عن السياق الأوسع منذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي رافقها تصاعد كبير في العنف في الضفة الغربية أيضًا. وتفيد تقارير دولية بأن العنف في الضفة ازداد بصورة ملحوظة منذ ذلك التاريخ، مع استمرار العمليات الإسرائيلية والهجمات الفلسطينية واعتداءات المستوطنين.
وبينما تدخل دولة الاحتلال “يوم الغفران” بإجراءات أمنية مشددة، يدخل الفلسطينيون في الضفة والقدس المناسبة اليهودية في ظل واقع مختلف تمامًا: حواجز واقتحامات وقيود على الحركة وتصعيد حول الأماكن المقدسة.
وبذلك لا تبدو التعزيزات العسكرية مجرد إجراء أمني مرتبط بيوم واحد، بل جزءًا من مشهد أوسع أصبحت فيه الضفة الغربية إحدى أكثر ساحات الصراع قابلية للاشتعال، بينما تظل القدس، وفي قلبها المسجد الأقصى، نقطة حساسة يمكن لأي تطور فيها أن يتجاوز حدود المدينة ليؤثر في المشهد الفلسطيني والإقليمي بأكمله.